عداؤنا لليهود لأنَّهم محتلُّون

❓ عداؤنا لليهود لأنَّهم محتلُّون

📅 2026-06-22 👁 115 مشاهدة

نص السؤال:

لقد اطَّلعت في بعض المجلات الإسلاميَّة على كلام لفضيلتكم، مضمونه أنَّ الخلاف بيننا وبين اليهود خلاف سياسي وليس خلافًا عقائديًّا، فكيف يصحُّ هذا القول ودولة إسرائيل لم تقم إلَّا على أساس العقيدة، واليهود لم يتركوا بلادهم ويتعنَّوْا في الهجرة إلى فلسطين، إلَّا من أجل الديانة، وكذلك النصوص الشرعيَّة عندنا تدلُّ على أنَّ صراعنا معهم صراع عقائدي، وأنَّ الجولة الأخيرة معهم إتمام لوعد الله للمسلمين بالتمكين الكامل على وجه الأرض.
وكذلك تقولون ـ يا فضيلة الشيخ ـ بعدم جواز الصلح مع اليهود، فإذا كان الخلاف سياسيًّا وليس عقديًّا، فما المانع من الصلح معهم على أساس التكتيك السياسي؟ أرجو أن تبيِّنوا لنا ـ مأجورين ـ حتَّى يزول عنَّا اللبس، والله يوفقكم ويرعاكم.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أنا يا أخي قلتُ: إنَّ أساس المعركة بيننا وبين اليهود ليس سببه العقيدة، ولكن سببه الأرض. يعني: نحن لم نقاتل اليهود من أجل أنَّهم حرَّفوا التوراة، أو أنَّهم شبَّهوا الله بخلقه، أو أنَّهم قالوا: يد الله مغلولة. لم نقاتلهم من أجل العقيدة، بدليل أنَّهم عاشوا بين ظهرانينا أهلَ ذمَّة في بلاد المسلمين، وكانوا على عقيدتهم، ولم نقاتلهم، وإنَّما بدأت المعركة بيننا وبينهم عندما خطَّطوا أن يغتصبوا أرضنا، ويقيموا دولتهم على أرضنا.
قامت الحركة الصهيونيَّة، وهي حركة علمانيَّة سياسيَّة، تتخذ الدين مطيَّةً لها، فالذين أنشؤوا هذه الحركة الصهيونية، أرادوا أن يجمعوا يهود العالم الذين شتَّتهم الله، وقطَّعهم في الأرض أممًا، وعاقبهم على إجرامهم وعلى خطاياهم بهذا التقطيع في الأرض والتشتيت.. أرادوا أن يجمعوا شتات اليهود في أرض، وعرضت عليهم في أوَّل الأمر أماكن في البرازيل، أو في الكونغو، وكادوا يقبلون هذا، ولكن وجدوا أنَّهم لن يستطيعوا أن يجمعوا اليهود في هذه البلاد، ففكَّروا في بلدة يمكن أن تجمع اليهود، فقالوا: فلسطين؛ لأنَّ هذه أرض الميعاد بالنسبة لهم، رأوا أنَّ البعد الديني هو الَّذي يستطيع أن يجمع شتات اليهود، وخططوا لذلك.
واجتمع «هرتزل» مؤسس الحركة الصهيونية بزعماء اليهود في مدينة «بال» في سويسرا سنة 1897م، في مؤتمر سياسي تخطيطي، قرَّروا فيه أنْ تقوم دولة إسرائيل بعد خمسين سنة، وفعلًا خطَّطوا ونفَّذوا، وبعد واحد وخمسين سنة قامت دولة إسرائيل، قامت في سنة 1948م، فقد تتابعت الهجرات الجماعية المخططة الَّتي تأتي من أوربا ومن أمريكا ومن غيرهما إلى فلسطين، وأنشئت المستعمرات، وخصوصًا بعد عهد الانتداب البريطاني.
كما نعرف أنَّ بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وعدت اليهود الذين ساعدوها في الحرب مساعدات علميَّة وعمليَّة، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، على لسان وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت «بلفور»، ودخلت بريطانيا سنة 1917 م إلى القدس، وقال القائد البريطاني «اللنْبي» قولته الشهيرة: اليوم انتهت الحروب الصليبية. أي: الآن دخلنا بيت المقدس وتمكَّنَّا منه، وبعد ذلك تمكَّنُوا، ومكَّنوا اليهود من إقامة مستعمرات، وهجرات بالآلاف، وكان اليهود لا تبلغ نسبتهم خمسة بالمائة من سكان فلسطين في أوَّل القرن العشرين، وما زالوا يكثرون ويكثرون، حتَّى أصبحوا في سنة 1948م قوة، لم يكونوا كثرة في العدد ولكن قوَّة في العُدد، ودخلوا فلسطين، وقاوم العرب ما قاوموا.
نحن لم نحارب اليهود، بل هم الذين حاربونا، لسنا نحن الذين قاتلناهم أولًا، فلو كان قتالنا إياهم من أجل العقيدة لكنَّا نحن من بدأناهم بالقتال، لكن هم الذين قاتلونا، هم الذين بدؤوا بقتالنا، هم الذين اغتصبوا أرضنا، وسفكوا دماءنا، وشرَّدوا أهلنا، وفعلوا بنا الأفاعيل، وعملوا المجازر الهائلة في فلسطين، في دير ياسين وغيرها، فهم الذين قاتلونا، ولسنا نحن الذين قاتلناهم، قاتلونا واغتصبوا الأرض، وشرَّدوا أهلها، من أجل ذلك قامت المعركة.
لا نريد أن نخلط الأمور أيها الإخوة، لو كان القتال من أجل العقيدة فلِمَ لَمْ نُحارب النصارى أيضًا؟ ولماذا لم نقاتل الوثنيين قبلهم؟ لو كانت المسألة من أجل العقيدة كُنَّا نحارب الوثنيين، وكنَّا نحارب الملحدين الشيوعيين.
الحرب بيننا وبين اليهود من أجل الأرض، فلو أنَّهم ما اغتصبوا أرضنا ما قامت المعركة بيننا وبينهم، وما زالت الأرض مغتصبة، حتَّى الآن، وحتى بعد تنازل العرب عمَّا قبل (67)، ومطالبتهم بإزالة آثار العدوان، لم يرضَ اليهود، فكيف يكون بيننا وبينهم صلح؟ هم لم يجنحوا للسلم، ما زالوا يقاتلوننا إلى اليوم، فالمسألة ليست مسألة خلاف سياسي.
وليس معنى كلامي هذا أنَّ الدين بعيد عن المعركة، لا، نحن نقاتلهم باسم الإسلام؛ لأنَّ الإسلام يفرض علينا أن نقاتل من يغتصب أرضنا، من يحتل بلادنا، كل مذاهب الفقه الإسلامي سنية وشيعية وإباضية، وكل مذاهب الفقه قديمًا وحديثًا تقول: إذا غزا العدو أرض المسلمين، فعلى أهل البلاد أن يقاوموه، وعلى غيرهم أن يساعدوهم، وإذا عجزوا أو جبنوا أو تقاعسوا يجب أن يقاتِل من بعدهم دفاعًا عن أرض الإسلام، حتَّى لا يأخذ العدو قطعة أرض من أرض الإسلام، فمن أجل هذا نحن نقاتل اليهود.
نحن نقاتل اليهود؛ لأنَّ الدين يفرض علينا ذلك، نحن نقاتل باسم الدين، باسم الإسلام، الَّذي يجعل الجهاد فرض عين إذا دِيس شبر من أرض الإسلام، ويجعل الأمة كلها مشتركة في هذا، ومن قُتل في هذا القتال فهو شهيد، فنحن لا ننحِّي الدين عن المعركة، لا، بالعكس، بل إنَّ تنحية الدين عن المعركة هو سبب هزيمتنا، فنحن نقاتل باسم الإسلام.
نقاتل عن كل شبر يُغتصب من أرض المسلمين في أي مكان كان، فما بالنا بأرض الإسراء والمعراج، أرض النبوات، أرض المسجد الأقصى الَّذي بارك الله حوله؟!
فالدين جزء أساسي في معركتنا مع اليهود، بل اليهود أنفسهم دخلوا المعركة باسم الدين، فلا يجوز لنا أن ندخل المعركة بغير الدين، هم يحاربونا باليهودية فلنحاربهم بالإسلام، يحاربون بالتوراة فلنحاربهم بالقرآن، يقولون: الهيكل. فلنقل: المسجد الأقصى. يقولون: السبت. فلنقل: الجمعة. هكذا ينبغي أن يكون الدين هو قائد المعركة؛ لأنَّنا لا يمكن أن ننتصر إلَّا بهذا.
والأحاديث النبويَّة تشير ـ كما قال الأخ ـ إلى أنَّ الفئة الَّتي ستنتصر هي الفئة المتديِّنة، أهل الإسلام والعبودية لله، لأنَّ النبي يقول: «لا تقوم الساعة حتَّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتَّى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجرُ أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهوديٌّ خلفي، فتعالَ فاقتلْه، إلَّا الغرقد، فإنَّه من شجر اليهود»(1). كل شيء سيكون معنا ضدَّ اليهود في ذلك الوقت، حتَّى الحجر والشجر ينطق، سواء نطق بلسان الحال أو بلسان المقال يقول: «يا مسلم، يا عبد الله». لا عبد الشهوة، ولا عبد المرأة، ولا عبد الكاس والطاس، ولا عبد الماركسية، ولا عبد الليبرالية، إنَّما عبد الله.
حينما يدخل المسلمون المعركة عبادًا لله، ومسلمين له، ساعتها يقال لأحدهم: يا مسلم. لا يقول له الحجر: يا فلسطيني، ولا يا أردني، ولا يا سوري، ولا يا قومي، ولا يا عروبي، وإنَّما يا مسلم. حينما ندخل تحت شعار الإسلام، وتحت راية العبودية لله، في هذه الحالة سننتصر، فهذا ما ينبغي أن يعرفه الأخ السائل، فلا يظن أنِّي أُبعد الدين عن المعركة.
لا يمكن أن أبعد الدين عن المعركة، إذا أبعدنا الدين عن المعركة لن ننتصر، فإنَّنا لن ننتصر إلَّا بالإيمان.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم