2026-06-22
191
إحالة المدنيِّين للقضاء العسكري
نودُّ أن نسأل فضيلتكم عن حكم الشرع في إخلال الدولة بقاعدة المساواة مع رعاياها، من خلال إحالة شخصيات مدنيَّة من إحدى قوى المعارضة السياسيَّة إلى القضاء العسكري الاستثنائي، في نفس الوقت الَّذي يحال فيه آخرون بجرائم أشد جسامة إلى القضاء الطبيعي، الَّذي تتوافر فيه كلُّ الضمانات للمتَّهم والدفاع؟
وقد انتهت المحاكمة العسكرية لتلك القيادات الإصلاحية بأحكام قاسية تتراوح بين السجن لمدد مختلفة، وبين مصادرة الأموال والشركات الخاصة، بما أثَّر على أسرهم، وعلى عدد كبير من أسر العاملين بهذه الشركات.
وهنا نسأل أيضًا: عن الحكم الشرعي في مثل هذه الحالات؟ وكيف يمكن معاملة الجميع على قاعدة المساواة، وما واجب المجتمع ومنظَّماته تجاه المظلومين من المحاكمين؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
بغضِّ النظر عن السؤال وظروفه وما يلابسه، يؤسفني أن أقول: إنَّ الأوضاع في بلادنا مقلوبة في عصرنا الحالي، فالإنسان ممنوع من أبسط حقوقه؛ وهو التعبير عن رأيه، والدفاع عن نفسه، والمحاكمة أمام قاضيه الطبيعي!
إنَّ من أجلى مظاهر ضياع حقوق الإنسان العربي: المحاكمات العسكرية للمدنيِّين، وإلقاء الأبرياء في السجون بدون تُهَم.
إنَّ الشريعة الإسلاميَّة تشدِّد كثيرًا فيمن يُعَيَّن قاضيًا بين الناس، وتشترط فيه شروطًا علميَّة ودينيَّة وأخلاقيَّة، حتَّى لا يقضي بغير علم، أو يقضي بالهوى، فيكون من أهل النار، حتَّى إنَّ الأصل في الشريعة: أن يكون القاضي عالمًا بالشرع، قد بلغ درجة الاجتهاد.
ثم إنَّ من حقِّ الفرد الَّذي يُتَّهم اتهامًا يعتبره ظالمًا: أن يدافع عن نفسه تجاه مَن ظلمه، أو مَن يعتقد أنَّه ظلمه، ويرفع صوته جاهرًا بالحقِّ، بل أباح الله تعالى له ما لم يُبِح لغيره، رعايةً لظرفه، وذودًا عن حرمته، حين قال الله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]، ولا يجوز لأحد منع المتَّهم من الدفاع عن نفسه، أو محاكمته أمام قاضيه الطبيعي، فهذا حقٌّ طبيعي شرعي وقانوني، وقد أعطى الله الحرية لإبليس اللعين ليجادل عن نفسه أمام ربِّ العالمين، حين أمره بالسجود لآدم، فأبى واستكبر، فلمَّا سأله ربه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: 12]، كما جعل من حقِّ كلِّ نفس يوم القيامة أن تجادل عن نفسها، كما قرَّر القرآن الكريم: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: 111].
ويجب على المجتمع المسلم أن يتيح لكلِّ مُتَّهم الفرصة، ويحفظ له حقَّ الحرية في هذا الدفاع عن النفس؛ بكلِّ ما يستطيع: قولًا باللسان، أو كتابةً في الصحف، أو حديثًا إلى المذياع، أو إلى التلفزيون، ولا سيَّما إذا كان شخصية عامَّة، لها وزنها وتأثيرها وتاريخها. فلا يجوز شرعًا أن يترك لمخالب خصومه وأنيابهم تفترسه جهارًا نهارًا، والمجتمع يتفرَّج، ولا يحرِّك ساكنًا، والأبواب مغلقة على المتَّهم البريء، لا يملك أن يردَّ عن نفسه أسلحة الخصوم الذين يملكون كلَّ شيء، وقد جرَّدوه من كلِّ شيء.
إنَّ الله تعالى أنزل تسع آيات في القرآن من سورة النساء تدافع عن يهودي اتُّهم بالسرقة ظلمًا، وكان السارق من المسلمين، وكاد الرسول الكريم يصدِّق قول قوم السارق، ويجادل عنهم، لولا أن نزل الوحي يبيِّن له، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ❁ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ❁ وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ❁ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ❁ هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ❁ وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ❁ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ❁ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ❁ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّون إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 105 ـ 113].
إنَّ هذه الآيات ـ كما بيَّنت أسباب نزولها ـ تدلُّ على أنَّ العدل في القرآن، أو العدل في الإسلام ـ وهو عدل الله سبحانه ـ لكلِّ عباد الله، وليس عدلًا للمسلمين وحدهم. وقد قال تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُواْ ۚ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[المائدة: 8].
إنَّ المجتمع المسلم مجتمع متضامن متكافل، لا يقبل أن يسقط أحد البرآء فيه ضحيةً لظلم مبيَّت، ومؤامرة مدبَّرة، وكيدٍ عظيم، وهو ساكت، فإنَّ الساكت عن الحقِّ شيطان أخرس، وهذا موقف المجتمع المؤمن المتضامن، والله تعالى يقول: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾[التوبة: 71]. والنبي ﷺ يقول: «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمُه»(1). ومعنى «لا يُسْلِمُه»: أي لا يتخلَّى عنه، ولا يتركه في ساعة الشدَّة.
وقال ! : «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قالوا: يا رسولَ الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تمنعُه من الظلم، فذلك نصرُك له»(2).
فالإسلام يوجب على المجتمع المسلم أن ينصر المظلوم على الظالم مهما تكن قوَّته وجبروته، وإلَّا فقدت الأمة معنى وجودها. والحديث النبويُّ يقول: «إذا رأيتَ أُمَّتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالمُ فقد تودِّع منهم»(3).
وقد عرَف العالم المعاصر وسائل وآليات شتَّى سلمية وقانونيَّة، لمواجهة الظلم الواقع على الأفراد، ولو كان ظالمهم هو حكومتهم نفسها، وعلى مجتمعاتنا أن تستفيد من هذه الوسائل، لترفع الظلم عن المظلومين، أو تخفِّف عنهم ما استطاعت، فإنَّما تهلك الأمم إذا انتشر فيها الظلم، ولم تجد أحدًا يقاومه،﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَىَّ مُنقَلَبٍۢ يَنقَلِبُونَ﴾[الشعراء: 227].
والله يقول الحقَّ، وهو يهدي السبيل.
(1) سبق تخريجه صـ 328.
(2) رواه البخاري في الإكراه (6952)، عن أنس.
(3) سبق تخريجه صـ 142.