العمل في جيش وشرطة الانقلاب، وحكم الجندي إذا أُمر بقتل...

❓ العمل في جيش وشرطة الانقلاب، وحكم الجندي إذا أُمر بقتل من يراه بريئًا؟

📅 2026-06-22 👁 143 مشاهدة

نص السؤال:

هل يجب على جنود وضباط الجيش ورجال الشرطة في الداخلية ترك عملهم، احتجاجًا على الانقلاب العسكري، وعلى مقتل الآلاف من المتظاهرين، الذين يتظاهرون ويعتصمون، طلبًا لعودة المؤسسات الدستوريَّة والشرعيَّة؟ وماذا عليهم أن يفعلوا إذا طُلب منهم قتل إخوانهم، الذين يرونهم بأعينهم، لا سلاح معهم، ولم يعتدوا على أحد؟! علمًا بأنَّ القوانين العسكرية تلزم هؤلاء الجنود أن يطيعوا من أمرهم، وإلَّا تعرضوا للعقوبة، وقد يتعرضون للموت. فما حكم الشرع في ذلك؟ نرجو بيان ذلك بأدلته الشرعيَّة.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إنَّ وزارة الداخلية منوط بها حفظ الأمن الداخلي، وملاحقة اللصوص والمجرمين، ومن يتعدَّى على حرمات الأفراد والجماعات، وعلى مؤسسات الدولة وممتلكاتها، وكذلك تنفيذ أحكام القضاء في حق من اعتدى على أحد: في ماله، أو جسده، أو أهله، أو عرضه.. إلى غير ذلك.
كما أنَّ وزارة الدفاع المسؤولة عن الجيش بكل مكوناته: برًّا، وبحرًا، وجوًّا، يقع على كاهلها الدفاع عن حدود مصر من أطماع الطامعين، وصدُّ أيِّ عدوان على أرضها وشعبها، وعلى مكتسبات الوطن ومقدراته، وجدير بها أن تعمل على تطوير ذاتها بالحصول على أحدث الأسلحة، والتدريب عليها، وأن تقوم برفع مستوى أفرادها وفق أحدث التدريبات القتالية، مع العمل في اتجاه الاكتفاء الذاتي من المعدات والأسلحة، الَّتي يتطلَّبها هذا الدور المنوط بها، كما قال تعالى:﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[الأنفال: 60].
وهاتان الوزارتان ملك للشعب، تقومان بما لا غِنى للدولة عنه، وليس وزير الدفاع، أو وزير الداخلية، ومن تابعهما إلَّا مجموعة من الأفراد، الذين يجب أن يطيعوا من فوقهم، ولا يظلموا من دونهم. وعليهم أن يحذروا ما انتهوا إليه اليوم: أن غدوا في مقدمة الحكام الظالمين، الذين اغتصبوا السلطة اغتصابًا، ووجَّهوا عمل هاتين الوزارتين لقمع الشعب الَّذي انتفض دفاعًا عن حريته وكرامته، وحقوقه الإنسانيَّة، وعن صوته الانتخابي الَّذي أهدر في العديد من الاستحقاقات الانتخابيَّة.
وليس من عمل وزارة الداخلية، ولا وزارة الدفاع: ملاحقة السياسيين، أو قتل الثائرين، أو اعتقال الأبرياء، وإن كانوا معارضين لسياسة الدولة. فالناس في الدولة الإسلاميَّة ـ أو الَّتي رضي عنها الإسلام ـ أحرار في إبداء آرائهم، ما داموا لا يحملون سلاحًا يهددون به من يخالفهم، بل الإسلام يوجب عليهم أن يقولوا ما يعتقدونه حقًّا، ولا سيَّما إذا سكت الناس.
ولكنِّي أرى هذه المحنة القائمة سحابة ابتلاء للمؤمنين، وتمحيص للمخلصين، عمَّا قريب إن شاء الله ستنقشع، وستنتصر إرادة الشعب الحرِّ، الَّذي يأبى أن يحيا ذليلًا بعد أن ذاق طعم العزة، ويرفض أن يعيش حياة العبودية بعد أن تنسَّم عبير الحرية.
أمَّا العمل في هاتين الوزارتين، فهو عمل لا بدَّ منه للحفاظ على كيان الدولة، الَّتي يجب أن تبقى مكينة مصونة، وأن نعمل جميعًا على بقائها.
ولكن على من يعمل في هذه الوظائف أن يتَّقي الله تعالى، وألَّا يكون عونًا لهؤلاء الظالمين، فلا يقتل بريئًا، أو يعين على قتله، بفعل أو قول، ولو كان قليلًا، ولا يساعد على ظلم أحد، فإنَّ الله لا يحب الظالمين، كما قال تعالى:﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ[هود: 113].
إنَّ الله تعالى حرَّم القتل في كتابه، وشدَّد فيه، وقرَّر القرآن الكريم مع الكتب السماوية الأخرى:﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا[المائدة: 32].
وقال 8 :﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا[النساء: 93].
وروى البخاري، عن ابن عمر ^ قال: قال رسول الله  : «لن يزال المؤمنُ في فُسحة من دِينه، ما لم يصبْ دمًا حرامًا». وقال ابن عمر: «إنَّ من وَرَطات الأمور، الَّتي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفكَ الدمِ الحرام بغير حلِّه»(1). والورطات: جمع ورطة. وهي الهلكة، وكل أمر يعسر النجاة منه.
وروى الترمذي والنَّسَائي، عن عبد الله بن عمرو، عنِ النبيِّ قال: «لزوالُ الدُّنيا أهونُ على الله من قتل رجلٍ مسلم»(2).
وروى الترمذي، عن أبي سعيد وأبي هُرَيْرة، عن رسول الله : «لو أنَّ أهل السماء والأرض اشتركوا في دمِ مؤمنٍ، لأكبَّهم اللهُ في النَّار»(3).
وروى ابن حِبَّان وغيره، أنَّ ابن عمر نظر يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمَكِ وأعظمَ حُرْمَتَكِ! ولَلمُؤمنُ أعظمُ عند الله حرمةً منك(4).
بل نجد النبيَّ لا يكتفي بتحريم القتل، بل يحرِّم مجرد إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح وغيره، وإن لم يقتل، كما في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يشيرُ أحدُكم على أخيه بالسلاح؛ فإنَّه لا يدري، لعلَّ الشيطانَ يَنْزِعُ في يده، فيقع في حُفْرة من النَّار»(5).
وروى مسلمٌ عن أبي هُرَيْرة، قال: «من أشار إلى أخيه بحديدةٍ؛ فإنَّ الملائكة تلعنه، حتَّى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه»(6).
والمسؤولية في هذا الأمر تتعلق بالجميع: بمن أمر، وبمن أطاع، وبمن خطَّط، وبمن نفَّذ، فالله تعالى يخبرنا أنَّ الإثم يلحق الجنود المشاركين، كما يلحق القادة الآمرين، قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَٰطِـِٔينَ[القصص: 8]. ومعنى «خاطئين»: آثمين، فأشرك الجنود مع القادة. فلولا الجنود ما صنع القادة شيئًا!
وعند نزول العذاب، فإنَّ الله تعالى يعاقب من شارك في هذه الجريمة جميعًا، قال تعالى في شأن فرعون:﴿فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠ وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١ وَأَتْبَعْنَٰهُمْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ[القصص: 40 ـ 42].
وقال في سورة أخرى:﴿فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌۭ[الذاريات: 40]
وروى الشيخان، عن ابن عمر، عنِ النبيِّ قال: «السمعُ والطاعةُ حقٌّ على المرء المسلم، فيما أحبَّ وكره، ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سمعَ ولا طاعة»(7).
وقال: «لا طاعةَ في معصية، إنَّما الطاعة في المعروف». كما في حديث عليٍّ(8).
ولا شكَّ أنَّ قتل المسلم أو المسيحيِّ أو البشر عمومًا بغير ذنب معصية من كبريات المعاصي، بل هي من السبع الموبقات.
ولهذا لا ينبغي للضابط أو الجندي أن ينفِّذ أمرًا يخالف أمر ربِّه، وحكم شرعه، يخرب عليه دِينه، ويُفسد عليه دنياه، ثم يوبق عليه آخرته، ليس في الإسلام أن يقول أحد: إنَّه عبدٌ مأمور، فإنَّما هو عبدٌ مأمور لله وحده، هو الَّذي خلقه وسواه، وهو الَّذي يطعمه ويسقيه، وإذا مرض فهو الَّذي يشفيه، وهو الَّذي يميته ثم يحييه، وهو الَّذي يحاسبه على عمله يوم القيامة وحده، وهو الَّذي من حقِّه أن يأمره وينهاه.
لن ينفعك من أصدر لك أمرًا ظالمًا فأطعته، ولن يغني عنك من الله شيئًا قائدٌ ورَّطك في قتل امرئٍ مسلمٍ بغير حق، قال تعالى:﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَٰيَٰكُمْ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنْ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَىْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ[العنكبوت: 12].
أدعو جميع إخواني العلماء، في كل المدن والقرى، أن يوعُّوا الجنود بهذه الحقيقة الشرعيَّة الأكيدة، الَّتي لا يختلف فيها اثنان، حتَّى لا يتورَّط أبناؤنا الجنود الطيبون في قتل إخوانهم، ويستحقوا دخول نار جهنم خالدين فيها، وهم لا يشعرون.
وعلى الآباء والأمهات، والزوجات، والأبناء، وجميع الأقارب والأصدقاء: أن يبصِّروا الجنود بالحكم الشرعي، في هذا الأمر الخطير، حتَّى لا يقتل النَّاس بعضهم بعضًا، ويبوءوا بلعنة الله وعذابه.
على أنَّ إساءة الجندي من الجيش أو الشرطة، إلى أي إنسان: مسلم أو مسيحي، صالح أو طالح، بغير حق، ولو بما دون القتل، من ضرب، أو مسٍّ بأذى، من قول أو فعل: أمر محرَّم في الإسلام، لا يحبُّه الله ولا يرضاه، بل يعاقب عليه بعدله.
قال سبحانه:﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا[الأحزاب: 58]. وقال تعالى في الحديث القدسي الَّذي رواه مسلم، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ، عن ربِّه، أنَّه قال: «يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا»(9).
والله الموفِّق إلى سواء السبيل.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم