2026-06-22
123
احترام قوانين وأنظمة البلد
ما مدى التزام المسلم بالوعود والمواثيق الَّتي يقطعها مع غير المسلمين؟ وهل يجوز له أن يخلَّ بها من غير حاجة داعية لذلك؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ المسلم ـ بمقتضى التزامه بأحكام شريعة الإسلام ـ ملزم باحترام قوانين وأنظمة البلد الَّذي يؤذن له بالدخول فيه زائرًا أو مقيمًا؛ لأنَّه دخل البلد على هذا الشرط، فيجب أن يراعيه ولا يخل به. وقد جاء في حديث النبي ﷺ : «المسلمون عندَ شروطهم»(1).
والمسلم إذا قال كلمة، أو وعد وعدًا، أو أعطى عهدًا، أو أقسم قسمًا، فالواجب الَّذي يحتِّمه عليه دينه: أن يصدق في حديثه، وأن ينجز وعده، ويفي بعهده، ويبر بقسمه. حتَّى يكون من المؤمنين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ [المؤمنون: 8]، وحتى يستجيب لأمر الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 91]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا﴾ [الإسراء: 34]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة ووفيرة.
ومن لم يحافظ على هذه الأخلاق الَّتي أمر بها القرآن والسُّنَّة دخل في زمرة المنافقين الذين تكذِّب أفعالُهم أقوالَهم، وينافي سلوكهم مقتضى إيمانهم، وقد قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3]، وقال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]. بل استحقَّ وعيد الله تعالى ولعنته وغضبه، فقد قال سبحانه: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، وقال 8 : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ﴾ [آل عمران: 77]، وكان من المنافقين الذين قال فيهم رسول الإسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»(2)، وقال: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصْلة من النفاق حتَّى يَدَعها: إذا اؤتمن خان،وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»(3).
ولا يتصور مسلم ملتزم بدينه ـ ولو كان فردًا عاديًّا ـ أن يقطع على نفسه عهدًا أو ميثاقًا، ثم ينكث العهد وينقض الميثاق، ويدخل في زمرة من ذمَّهم القرآن الكريم أشدَّ الذم وأبلغه؛ في مثل قوله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾[الرعد: 25].
فما بالكم إذا كان هذا المسلم قائدًا يُشار إليه بالبنان، وأسوة يتعلم النَّاس منه فضائل الإسلام، وأخلاق الإيمان، ممَّن يخشون ربهم ويحرصون على مرضاته، ولا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا؟!
يستوي في هذا أن يكون التعامل مع المسلمين ومع غير المسلمين، فالأخلاق عند المسلم لا تتجزَّأ، ولا تتفاوت ولا تتناقض.
وتحدِّثنا كتب السنة والسيرة أنَّ حُذَيْفة بن اليَمَانِ وأباه، لمَّا خرجا ليشهدا معركة بدر مع رسول الله ﷺ ، فأخذهما مشركو قريش، ثم أطلقوا سراحهما بعد أن أخذوا منهما عهدًا ألَّا يقاتلا مع الرسول ضدهم. فأتيا النبيَّ الكريم فأخبراه بالقصَّة، يريدان أن يشتركا في القتال، فأبى الرسول عليهما، وقال: «انصرفا، نفي لهم بعَهْدِهم، ونستعينُ الله عليهم»(4).
وفي صلح الحُدَيْبِيَة وفي أثناء كتابة عقد الصلح بين رسول الله وسهيل بن عمرو، وضمن بنوده: أنَّ من جاء من المشركين إلى رسول الله يرده إلى قريش. في هذه اللحظة وصل أبو جندل ابن سهيل بن عمرو نفسه، يرسف في قيوده، ويشكو من تعذيب قريش له، ويسأل الرسول أن ينقذه ممَّا هو فيه، ولكنَّ سهيلًا قال: إنَّ العقد قد تم بيني وبينك يا محمد قبل أن يأتيك هذا! وجعل سهيل يأخذ ابنه بتلابيبه، ويجرُّه ليردَّه إلى قريش، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأردُّ إلى المشركين، يفتنوني في ديني؟!
وهنا قال له رسول الله ﷺ : «يا أبا جندل، اصبرْ واحتسبْ؛ فإنَّ الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنَّا لا نغدر بهم»(5). هذا هو الإسلام، وهذا هو موقف المسلم.
والله يقول الحقَّ، وهو يهدي السبيل.
(1) علقه البخاري في الإجارة بصيغة الجزم قبل الحديث (2274)، رواه الترمذي في الأحكام (1352)، وقال: حسن صحيح. وفيه: «المسلمون على شروطهم». والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/90)، والدارقطني في البيوع (2892)، والبيهقي في معرفة السنن (14349)، وقال الألباني في الصحيحة (2915): صحيح لغيره. عن عمرو بن عوف المزني.
(2) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (33)، ومسلم (59)، كلاهما في الإيمان، عن أبي هريرة.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (34)، ومسلم (58)، كلاهما في الإيمان، عن عبد الله بن عمرو.
(4) رواه مسلم في الجهاد والسير (1787)، وأحمد (23354)، عن حذيفة بن اليمان.
(5) سيرة ابن هشام (2/318 ـ 323).