2026-06-22
143
تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم
أنا طالب مسلم أدرس دراسات عليا (الدكتوراه) في علوم الذرة، في بلد أوربي هو ألمانيا، وأحمد الله أنِّي محافظ على ديني، مؤدٍّ لفرائض ربي، متعاون مع إخواني هنا على خدمة ديني، والحفاظ على الجالية الإسلاميَّة هنا، وهي كبيرة بحمد الله.
والمشكلة الَّتي أودُّ أن أعرضها على فضيلتكم هي: ماذا يحل لنا من مجاملة القوم في المناسبات المختلفة وما يحرم علينا؟ ومنها: مناسبات وطنية، وأخرى مناسبات دينيَّة، وأشهرها عيد «ميلاد المسيح» أو ما يسمَّى «الكريسماس» الَّذي يحتفل به القوم احتفالًا كبيرًا.
هل يجوز للواحد منَّا أن يجامل زميله في الدراسة أو مشرفه على الرسالة، أو رفيقه في العمل، أو جاره في المسكن، في هذه المناسبة، ويهنئه بها ببعض الكلمات الرقيقة المعتادة؟
فقد سمعت من بعض الإخوة: أنَّ هذا حرام، بل من كبائر الذنوب عند الله؛ لأنَّ فيه إقرارًا لهم على الباطل والكفر، وموافقةً لهم على التمادي فيه، ومشاركةً لهم فيما هو من شأن دينهم.
وأنا حين أجاملهم بكلمة أو بهدية لا يخطر في بالي أنِّي أقرهم على باطلهم، أو أوافقهم على كفرهم، إنَّما هو من حسن المعاشرة الَّتي أمر بها الإسلام، ولطف التعامل مع الناس؛ ولا سيَّما أنَّهم يبادرون بتهنئتنا في أعيادنا، وقد يهدون إلينا بعض الهدايا، وأجد من الجفاء والخشونة والقسوة الَّتي لا تليق بالمسلم: أن يقابل هذا التودد من القوم بوجه عبوس، وجبين مقطَّب، وتجاهل للمناسبة، تظهر المسلم بمظهر منفِّر للقوم، مسيء للإسلام، وخصوصًا في هذه الآونة الَّتي تشتد فيها الهجمة على الإسلام، ووصفه بالعنف ووصف دعاته بالإرهاب، فنحن بهذا التعامل الخشن نعطيهم حجَّة أو سلاحًا للطعن في ديننا وأمتنا.
نرجو من فضيلتكم التكرم ببيان موقف الفقه الإسلامي المعاصر من هذه القضية الحساسة في ضوء الموازين الشرعيَّة، كما عوَّدتمونا في مثل هذه القضايا، سائلين الله تعالى أن ينفع الأمة بعلمكم، ويبارك في جهودكم وجهادكم، آمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فلا شك أنَّ القضية الَّتي سأل عنها الأخ قضية مهمة وحساسة كما وصفها، وقد سُئلت فيها في بلاد شتى في أوربا وأمريكا من الإخوة والأخوات، الذين يعيشون في تلك الديار، ويعايشون أهلها المسيحيين، وتنعقد بينهم وبين كثير منهم روابط تفرضها الحياة، مثل الجوار في المنزل، والرفقة في العمل، والزمالة في الدراسة، وقد يشعر المسلم بفضل غير المسلم عليه في ظروف معينة، مثل المشرف الَّذي يساعد الطالب المسلم بإخلاص، والطبيب الَّذي يعالج المريض المسلم بإخلاص، وغيرهما. وكما قيل: إنَّ الإنسان أسير الإحسان، وقال الشاعر:
أَحْسِنْ إلى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهَمُو
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ(1)!
ما موقف المسلم من هؤلاء «غير المسلمين» المسالمين لهم، الذين لا يعادون المسلمين، ولا يقاتلونهم في دينهم، ولم يخرجوهم من ديارهم أو يظاهروا على إخراجهم؟
إنَّ القرآن الكريم قد وضع دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة الممتحنة، وقد نزلت في شأن المشركين الوثنيين، فقال تعالى:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الممتحنة: 8، 9].
ففرقت الآيتان بين المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم:
فالأولون (المسالمون): شرعت الآية الكريمة برهم والإقساط إليهم، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، فالعدل: أن تأخذ حقك، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك.
العدل أو القسط: أن تعطي الشخص حقه لا تنقص منه. والبر: أن تزيده على حقه فضلًا وإحسانًا.
وأمَّا الآخرون الذين نهت الآية الأخرى عن موالاتهم: فهم الذين عادوا المسلمين وقاتلوهم، وأخرجوهم من أوطانهم بغير حق إلَّا أن يقولوا: ربنا الله، كما فعلت قريش ومشركو مكة بالرسول ﷺ وأصحابه.
وقد اختار القرآن للتعامل مع المسالمين كلمة «البرِّ» حين قال:﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾، وهي الكلمة المستخدمة في أعظم حقٍّ على الإنسان بعد حقِّ الله تعالى، وهو «بر الوالدين».
وقد روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر # أنَّها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ وهي مشركة، وهي راغبة (أي في صلتها والإهداء إليها) أفأَصِلُها؟ قال: «نعم، صِلِي أُمَّكِ»(2).
هذا وهي مشركة، ومعلوم أنَّ موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين.
حتى إنَّ القرآن أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم، بمعنى: أن يأكل من ذبائحهم، ويتزوج من نسائهم، كما قال تعالى في سورة المائدة:﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾[المائدة: 5].
ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: وجود المودة بين الزوجين، كما قال تعالى:﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾[الروم: 21].
وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته، وشريكة عمره وأم أولاده؟! وقد قال تعالى في بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض:﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187].
ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: المصاهرة بين الأسرتين، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر، كما أشار القرآن بقوله:﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا﴾[الفرقان: 54].
ومن لوازم ذلك: وجود الأمومة وما لها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام، فهل من البرِّ والمصاحبة بالمعروف أن تمرَّ مناسبة مثل هذا العيد الكبير عندها ولا يهنئها به؟ وما موقفه من أقاربه من جهة أمه، مثل الجد والجدة، والخال والخالة، وأولاد الأخوال والخالات، وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوي القربى، وقد قال تعالى: ﴿وَأُو۟لُواْ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾[الأحزاب: 6]، وقال تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾[النحل: 90].
فإذا كان حق الأمومة والقرابة يفرض على المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب بما يبيِّن حسن خلق المسلم، ورحابة صدره، ووفاءه لأرحامه، فإنَّ الحقوق الأخرى توجب على المسلم أن يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن، وقد أوصى الرسول الكريم أبا ذر بقوله: «اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتْبِع السيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقْ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَن»(3) هكذا قال: «خالقْ النَّاس» ولم يقل: خالق المسلمين بخلق حسن.
كما حثَّ النبيُّ ﷺ على «الرفق» في التعامل مع غير المسلمين، وحذَّر من «العنف» والخشونة في ذلك.
ولمَّا دخل بعض اليهود على النبي ﷺ ، ولووا ألسنتهم بالتحية، وقالوا: السام عليك يا محمد. ومعنى السام: الهلاك والموت. وسمعتهم عائشة، فقالت: وعليكم السَّامُ واللعنةُ يا أعداء الله. فلامها النبيُّ ﷺ على ذلك، فقالت: ألم تسمع ما قالوا يا رسولَ الله؟ فقال: «سمعتُ، وقلتُ: وعليكم ـ يعني: الموت يجري عليكم كما يجري علي ـ يا عائشة، إنَّ الله يحبُّ الرفق في الأمر كلِّه»(4).
وتتأكد مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة إذا كانوا ـ كما ذكر السائل ـ يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلاميَّة، فقد أُمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نردَّ التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، كما قال تعالى:﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾[النساء: 86].
ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرمًا، وأدنى حظًّا من حسن الخلق من غيره، والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر حظًّا، والأكمل خلقًا، كما جاء في الحديث: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا»(5) وكما قال ! : «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّم مكارمَ الأخلاق»(6).
ورُوِيَ عن الشَّعْبِي أنَّه قال لليهوديِّ: عليك السلام ورحمة الله. فقيل له تقول ليهوديٍّ: ورحمة الله؟ فقال: أليس في رحمةِ الله يعيش؟(7).
ويتأكَّد هذا إذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه، ونحبب إليهم المسلمين، فهذا لا يتأتى بالتجافي بيننا وبينهم، بل بحسن التواصل.
وقد كان النبيُّ ﷺ حَسَن الخلق، كريم العشرة، مع المشركين من قريش، طَوال العهد المكي، مع إيذائهم له، وتكالبهم عليه، وعلى أصحابه. حتَّى إنَّهم لثقتهم به ! كانوا يودعون عنده ودائعهم الَّتي يخافون عليها، حتَّى إنَّه ﷺ حين هاجر إلى المدينة، ترك عليًّا 3 ، وأمره بردِّ الودائع إلى أصحابها.
فلا مانع إذن أن يُهنِّئهم الفرد المسلم، أو المركز الإسلامي بهذه المناسبة، مشافهةً أو بالبطاقات الَّتي لا تشتمل على شعار أو عبارات دينيَّة تتعارض مع مبادئ الإسلام مثل «الصليب»؛ فإنَّ الإسلام ينفي فكرة الصليب ذاتها:﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾[النساء: 156].
والكلمات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات لا تشتمل على أيِّ إقرار لهم على دينهم، أو رضا بذلك، إنَّما هي كلمات مجاملة تعارفها الناس.
ولا مانع من قبول الهدايا منهم، ومكافأتهم عليها، فقد قبل النبي ﷺ هدايا غير المسلمين؛ مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره، بشرط ألَّا تكون هذه الهدايا ممَّا يحرم على المسلم؛ كالخمر ولحم الخنزير.
أنا أعلم أنَّ بعض الفقهاء، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية قد شدَّدوا في مسألة أعياد المشركين وأهل الكتاب والمشاركة فيها، وذلك في كتابه القيم: «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم».
وأنا معه في مقاومة احتفال المسلمين بأعياد المشركين وأهل الكتاب الدينيَّة، كما نرى بعض المسلمين يحتفلون بـ «الكريسماس» كما يحتفلون بعيد الفطر، وعيد الأضحى، وربَّما أكثر، وهذا ما لا يجوز، فنحن لنا أعيادنا، وهم لهم أعيادهم، ولكن لا أرى بأسًا من تهنئة القوم بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعيَّة، الَّتي تقتضي المودة وحسن الصلة ولطف المعاشرة الَّتي يقرها العرف السليم.
ولا يخفى أنَّ شيخ الإسلام قد أفتى في هذه القضية في ضوء أحوال زمنه، ولو عاش 3 في زمننا ورأى تشابك العلاقات بين النَّاس بعضهم وبعض، لغيَّر رأيه ـ والله أعلم ـ أو خفَّف من شدته، فقد كان 3 يراعي الزمان والمكان والحال في فتواه.
هذا كله في الأعياد الدينيَّة، أمَّا الأعياد الوطنية، مثل عيد الاستقلال أو الوحدة، أو الأعياد الاجتماعيَّة مثل: أعياد الأمومة والطفولة والعمال والشباب ونحوها، فلا حرج على المسلم من أن يهنئ بها أو يشارك فيها باعتباره مواطنًا أو مقيمًا في هذه الديار، على أن يحرص على تجنب المحرَّمات الَّتي قد تقع في تلك المناسبات، وبالله التوفيق.
(1) انظر: قصيدة عنوان الحكم لأبي الفتح البستي صـ 36، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط 1، 1404هـ ـ 1984م.
(2) سبق تخريجه صـ 185.
(3) رواه أحمد (21354)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره. والترمذي في البر والصلة ((1))، وقال: حديث حسن صحيح. وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (97)، عن أبي ذر.
(4) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6024)، ومسلم في الآداب (2165)، عن عائشة.
(5) رواه أحمد (24677)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح لغيره. والترمذي في الإيمان (2612)، وقال: صحيح. عن عائشة.
(6) رواه أحمد (8952)، وقال مخرِّجوه: صحيح. والبخاري في الأدب المفرد (273)، والحاكم في تواريخ المتقدمين (2/613)، وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (45)، عن أبي هريرة.
(7) المنتقى شرح الموطأ (7/281)، نشر مطبعة السعادة، مصر، ط 1، 1332هـ.