قتلى الصراع الداخلي الفلسطيني هل هم من الشهداء أو من...

❓ قتلى الصراع الداخلي الفلسطيني هل هم من الشهداء أو من أهل النار؟

📅 2026-06-22 👁 81 مشاهدة

نص السؤال:

ذهب بعض علماء فلسطين إلى أنَّ من سقط قتيلًا في الفتنة القائمة؛ الَّتي يقتتل فيها الإخوة في حركتي «فتح» و«حماس»: ليس شهيدًا، بل ينطبق على كلٍّ منهما الحديث المتفق عليه عن أبي بَكْرة أنَّ رسولَ الله قال: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار!». قالوا: يا رسولَ الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: «إنَّه قد أراد قتلَ صاحبِه»(1)، فهل هذا القول مسلم به؟ وهل يستوي الظالم والمظلوم، والمعتدي والمعتدى عليه؟ وأيضًا: هل يُعتبر المقتول في الصراع الداخلي شهيدًا، كالذي يقتله اليهود؟!
نرجو البيان الَّذي يريح ضمائر المؤمنين.
إخوة من الفلسطينيِّين في الدوحة
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أعتقد أنَّ العالم الَّذي أفتى بأنَّ من قُتل في النزاع بين حركتي فتح وحماس ليس شهيدًا، وإنَّما هو من أهل النار، مستشهدًا بالحديث الصحيح المتفق عليه: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار». أعتقد أنَّ هذا العالم أراد بفتواه هذه: أن يردع الإخوة عن الاقتتال المشؤوم، الَّذي لا يرضاه مسلم: أن يدع الإخوة الفلسطينيون عدوهم يحتل أرضهم، ويسفك دماءهم، ويدمر منازلهم، ويقتل أبناءهم، ويغتال زعماءهم، وهم مشغولون بعضهم ببعض.. أيًّا كانت الأسباب والدوافع، ومع أنَّ الإسلام حرَّم ذلك أشدَّ التحريم: أن يرجع النَّاس كفارًا؛ يضرب بعضهم رقاب بعض، كما كانوا في الجاهليَّة، بل حرم الإسلام على المسلم أن يشير إلى أخيه بالسلاح، مجرد إشارة، جادًّا أو مازحًا.
ولكنَّ التحقيق في هذه القضية: أنَّه ليس كل مقتول في هذا الصراع بين الإخوة «شهيدًا» وكيف يكون شهيدًا من يحمل سلاحه على أخيه، لحساب اليهود الصهاينة، أو حلفائهم من الصليبيين كالأمريكان، ومن يحاول أن ينفخ في النار ليزداد لهيبها، فكلَّما اتَّفق الفريقان أو كادا، عكَّر الماء ليصطاد، وهيج جمهوره، لتفشل جهود الإصلاح؟ مثل هذا الَّذي يثير الفتنة، ويشعل النار، ويرمي لها بالوقود إذا قُتل لن يكون شهيدًا. فإنَّ السيف يمحو الخطايا، ولكنَّه لا يمحو النفاق.
وكذلك نقول: ليس كل من قُتل في هذه الفتنة من الفريقين يكون في النار. فلا شكَّ أنَّ هناك فرقًا بين المعتدِي والمعتدَى عليه، وبين الظالم والمظلوم، فمن الإخوة من لا يفكِّر قط في رفع السلاح على أخيه، ولكنَّه يضطر إليه اضطرارًا؛ للدفاع عن نفسه أو عن أهله أو عن إخوانه. والدفاع عن النفس مشروع ولو بالقتل إذا اضطر إليه؛ لأنَّه قتل اضطرار لا قتل اختيار.
وهذا ما قرره الفقهاء في دفع الصائل: أن يدفع بأخف الوسائل، فإذا لم يجد الأخف لجأ إلى الأشد، ولو كان القتل، بحكم الضرورة.
وفي الحديث الصحيح: أرأيتَ إنْ دخلَ عليَّ داري؟ فقال: «قاتلْه». قال: فإن قتلته؟ قال: «هو في النَّار». قال: فإن قتلني؟ قال: «فأنت شهيدٌ»(2).
فقد بيَّن الحديث الشريف أنَّ المعتدَى عليه شهيد، بخلاف المعتدِي، فهو في النَّار.
وأمَّا حديث أبي بَكْرة الصحيح في التقاء المسلمين بسيفيهما، فليس على إطلاقه، وإلَّا حكمنا على الصحابة الكرام، ومنهم: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير @ بأنَّهم «في النار» وهم من العشرة المبشرين بالجنة بإجماع الأمة، ومن السابقين الأولين من المهاجرين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، بنصِّ القرآن في سورة التوبة، وهم من المؤمنين الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وأعلن القرآن رضا الله عنهم:﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ[الفتح: 18].
وإنَّما ينطبق الحديث على من قاتل استجابةً لعصبية جاهليَّة، أو حبًّا للدنيا، أو اتباعًا للهوى، أو مطاوعةً لأعداء الدين والأمة، ونحو ذلك. أمَّا من كان عنده تأويل ـ أي اجتهاد ووجهة نظر شرعيَّة ـ في قتاله، فلا يدخل في الحديث، وإن كان مخطئًا في تأويله، إذا كان موقفه بعد الاجتهاد والتحري. فهو مأجور أجرًا واحدًا على اجتهاده؛ وإن أخطأ فيه، وذلك من فضل الله تعالى ورحمته على هذه الأمة.
قال الحافظ ابن حجر: «ولذا كان الذين توقَّفوا في القتال (أي من الصحابة) في الجمل وصِفّين، أقل عددًا من الذين قاتلوا». قال: «وكلُّهم متأوِّل مأجور إن شاء الله؛ بخلاف من جاء بعدهم ممَّن قاتل على طلب الدنيا»(3) اهـ.
النية هنا هي الفيصل بين أهل الدنيا، وأهل الدين، والنية محلها القلب، والله وحده هو الأعلم بالنيات والسرائر،﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ[غافر: 19].
على أنَّ من المهم هنا: أن نبيِّن أنَّ الحديث نسب المقتتلين جميعًا إلى الإسلام، وقال: «إذا التقى المسلمان»، فلم يخرجهما عن الإسلام.
كما أنَّ الآية الكريمة في سورة الحجرات صرَّحت بإيمان المقتتلين بعضهم مع بعض، فقالت: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا[الحجرات: 9]. ثم قالت:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ[الحجرات: 10]، فوصفهم بوصف الأخوة، وهي أخوة الإيمان.
وإنَّا لنحمد الله تعالى أنَّ هذه الفترة المأساوية السوداء قد انتهت إلى غير رجعة ـ إن شاء الله ـ بين الفريقين، من خلال اتفاق مكة المكرمة، الَّذي نسأل الله تعالى أن يكون خيرًا وبركةً على الفريقين، وعلى أبناء فلسطين جميعًا، ويكون بداية عمل مشترك لخدمة القضية، وتحرير أرض الإسراء والمسجد الأقصى. آمين.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم