2026-06-22
213
الرد على فتوى ابن جبرين الَّتي تحرم مناصرة «حزب الله»، والدعاء له في حربه ضد إسرائيل
ما رأي فضيلتكم في فتوى الشيخ عبد الله بن جبرين، أحد أكبر المرجعيات الفقهيَّة السلفية بالمملكة العربية السعودية، والتي حرَّم فيها مناصرة حزب الله وعدم جواز الدعاء لهم بالنصر والتمكين؛ لأنَّهم بحسبه «روافض خارجون عن الملَّة»، كما نصح فيها أهل السُّنَّة بأن يتبرؤوا منهم، وأن يخذِّلوا من ينضمون إليهم، لأنَّهم يضمرون العداء لهم؟
المرجوّ بيان الرأي الشرعي في هذه المسألة، مسنودًا بالأدلة الشرعيَّة.
ولكم جزيل الشكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الفتوى ـ للأسف الشديد ـ تتسم بالتسرع والسطحية في فقه الشرع، وفي فقه الواقع، وتحتاج من صاحبها ـ إذا كان يتحرى الحق ويبتغي وجه الله ـ أن يعاود النظر في فتواه، ويحاول التعمق في فقه النصوص، وفي فقه المقاصد، وفي فقه الواقع، ولا سيَّما الواقع العسكري والسياسي للأمة الإسلاميَّة، ولأعدائها الذين يتربَّصون بها الدوائر، ويريدون أن يقتلعوها من جذورها.
وإنَّ المرء ليعجب أن تصدر مثل هذه الفتوى في مثل هذا الموضوع، وفي مثل هذا الوقت العصيب، فما من عالم مسلم يحرم على المسلم أن ينصر أخاه المسلم، بل يمنعه من مجرَّد أن يدعو له بالنصر على عدوه الَّذي هو عدو الله، وعدو المسلمين جميعًا.
إنَّ النظر الأول في هذه الفتوى يجدها مصادمة لنصوص الإسلام في كتاب الله، وفي سنة رسوله.
1 ـ فهي مصادمة لقوله تعالى:﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ﴾[التوبة: 71].
2 ـ وهي مصادمة لقوله سبحانه:﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ﴾[الأنفال: 73]، ومعنى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾: أي إن لم يوالِ بعضكم بعضًا، ويساند بعضكم بعضًا، ويتكتَّل بعضكم مع بعض، تحدث الفتنة والفساد الكبير في الأرض؛ حيث يكون التجمع في جانب الكفر، والتفرق في جانب الإسلام.
3 ـ وهي مصادمة لقوله تعالى:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾[النساء: 75]، فإذا لم نقاتل فعلى الأقل نساند مَن يقاتل.
4 ـ وهي مصادمة لقوله ﷺ : «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمه»(1)، أي لا يتخلى عنه، ويتركه لعدوه.
5 ـ وهي مصادمة لقوله ﷺ : «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا»(2).
6 ـ وهي مصادمة لقوله ﷺ : «المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُه بعضًا»(3).
7 ـ وهي مصادمة لقوله ﷺ : «المسلمون يسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم»(4).
قد يقول مَن أصدروا الفتوى: إنَّ هذه الآيات والأحاديث فيمن ثبت إسلامه وإيمانه، وهو ينفي الإيمان والإسلام عن «حزب الله»؛ لأنَّه حزب شيعي ـ أو رافضي على حسب تعبيره ـ ونحن نردُّ هذه الدعوى العريضة بما يأتي.
أولًا: أنَّ تكفير مَن يقول: «لا إلٰه إلَّا الله محمد رسول الله» مجازفة لا يجترئ عليها عالم مسلم، شحيح بدينه، مع علمه بالأحاديث الَّتي جاءت تحذِّر من تكفير المسلم.
ومن المؤكد: أنَّ الإنسان يدخل الإسلام بنطق الشهادتين، وحسابه بعد ذلك على الله، ولا يخرجه من الإسلام إلَّا جحود ما أدخله فيه؛ لأنَّه مسلم بيقين، فلا يخرج منه إلَّا بيقين، واليقين لا يزال بالشك.
وكيف يحكم عالم مسلم بالكفر ـ وأعني به الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام ـ على مسلمين يصلون ويصومون، ويزكون ويحجون، ويؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر؟
وكيف إذا أضافوا إلى ذلك: الجهاد في سبيل الله، ومقاومة أعداء الأمة، الذين احتلوا الأرض، وهتكوا العرض، وسفكوا الدماء، وهدموا البيوت، وأفسدوا الزرع والضرع، وأهلكوا الحرث والنسل، فموقف هؤلاء الأبطال من حزب الله في مواجهة هؤلاء الطغاة القساة - الذين وصف القرآن قلوبهم بأنَّها: ﴿كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ﴾[البقرة: 74] - ولقَّنوهم دروسًا لا تنسى في بطولة أهل الإيمان، الذين لا يضنون بنفس ولا نفيس، ولا يبالون بالموت في سبيل الله؟
إنَّ تكفير «أهل القبلة» بسبب آراء اعتنقوها، أو ذنوب ارتكبوها: خطيئة كبرى لا يقرها الإسلام ولا علماؤه الراسخون.
وإذا كان لدى الشيعة آراء أو تصرفات ينكرها أهل السنة، فهذا لا يخرجهم من الملة، فقد يعتبرون مبتدعين في هذه المسائل أو المواقف، أو منحرفين عن السنة؛ ولكن يبقون في دائرة الأمة.
وقد يوجد لدى أهل السنة بدع أو منكرات تشبه ما عند الشيعة، مثل الاستعانة بأهل القبور، ونحو ذلك، ولا يخرج مثل هذا الابتداع أهله من الإسلام. صحيح أنَّ هناك فرقًا بين السُّنَّة والشيعة، هو أنَّ السنة يوجد من علمائهم دائمًا من ينكر هذه المبتدعات ويحاربها، على حين لا يوجد ذلك في الشيعة!
وممَّا ينبغي أن يذكر هنا: أنَّ الحديث الشهير الَّذي جاء في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلَّا واحدة ـ وهو حديث مثخن بالجراح؛ في سنده، وفي دلالته، وقد ناقشناه في بعض كتبنا(5)، وأثبتنا أنَّه لا تقوم به حجَّة ـ هذا الحديث لم يخرج الفرق المختلفة عن كونها من الأمة، لأنَّ نصَّه يقول: «ستفترق أُمَّتي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة»(6)، فكل هذه الفرق إذن من أمته 0 : ، فلا يجوز إخراج فرد أو فرقة منه؛ إلَّا بقاطع يقيني يقطع صلته بالإسلام.
الحقيقة أنَّ هؤلاء الأبطال الذين يضحون بأرواحهم في سبيل الله، ينبغي أن يعتز بهم المسلمون، كل المسلمين، ويفاخروا ببطولتهم، وأن يسجل ذلك في سجل مفاخر الأمة الإسلاميَّة.
ثانيًا: أنَّ كلَّ مَن يعادي إسرائيل ويحاربها، فهو صديق لنا بوجه من الوجوه، كما روي عن عليٍّ 3 ، أنَّه قال: صديقك: صديق صديقك، وعدو عدوك!
وعلى ذلك، لو افترضنا أنَّ بعض الأوربيين أو الصينيين أو اليابانيين أو غيرهم، قدموا إلى المنطقة ليحاربوا إسرائيل مع الفلسطينيين أو اللبنانيين، لا لشيء، إلَّا لأنَّهم يعتبرون إسرائيل دولة همجية وحشية، لا تبالي بالقيم ولا بالأخلاق، ولا المعاني الإنسانيَّة. أفلا نعتبر هؤلاء المتطوعين المعادين والمقاتلين لإسرائيل: أصدقاء وأنصارًا لنا، نحبهم ونواليهم ونعاونهم؟
ومن هنا أقول: إنَّ مقتضى الفتوى المذكورة ـ الَّتي تحرِّم مناصرة «حزب الله» والدعاء له بالنصر ـ مقتضاها: أنَّ المفتي يتمنى النصر لإسرائيل؛ لأنَّه إذا كان هناك خصمان يتقاتلان في معركة، فلا بدَّ أن تنتهي المعركة بانتصار أحدهما، وانهزام الآخر.
فإذا منعنا مجرَّد الدعاء لحزب الله بالنصر؛ فإنَّ معنى ذلك أنَّنا نتمنى أن يكون النصر حليف بني إسرائيل؟ فهل يتمنى ذلك صاحب الفتوى؟
ثالثًا: أنَّ المفروض في المسلم في كل حال: أن يكون مع المظلوم ضد الظالم، بغضِّ النظر عن دين كلٍّ منهما، فالمسلم لا يظلم، لأنَّ الله: ﴿لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[آل عمران: 57]، و﴿لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[البقرة: 258]، وهو أيضًا لا يكون عونًا لظالم، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾[المائدة: 2]، وقال 8 :﴿وَلَا تَرْكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ﴾[هود: 113].
وممَّا لا يشك فيه مسلم ولا منصف ـ من أي دين ـ أنَّ الصهاينة هم الظالمون الطغاة، السفاحون، فكم من دماء على أيديهم سُفكت، وكم أعراض هُتكت، وكم حرمات انتهكت، وكم من مقدسات ديست، بالإضافة إلى الجريمة الأساسية الكبرى، وهي اغتصاب الأرض، وإخراج أهلها منها، وتشريدهم في آفاق الأرض.
فهل يشك صاحب الفتوى في هذه الحقائق؟ وإذا لم يشكِّك فيها، وأيقن أنَّ العدو الصهيوني «إسرائيل» عدو ظالم باغ مستكبر، جبار مفسد في الأرض، وكان هذا الظالم يعتدي في البر والبحر والجو على بلد لم يطلق عليه رصاصة، فأين موقع المفتي: مع الظالم المتجبر القاتل، أم مع المظلوم المعتدى عليه؟!
إنَّ منطق الإيمان، ومنطق الأخلاق، ومنطق الشرع: أن يقف المسلم مع المظلوم ضد الظالم، ومع المبغي عليه ضد الباغي. فكيف استجاز المفتي لنفسه أن يقف مع الظالم ضد المظلوم، ومع الباغي ضد المبغيِّ عليه؟
إنَّ المظلوم منصور من الله ومن المؤمنين، وفي حديث رواه الترمذي وحسَّنه: «ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر ـ أو حتَّى يفطر ـ ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الربُّ: وعزَّتي لأنصُرَنَّكِ ولو بعدَ حين»(7)، و«أل» في المظلوم للجنس أو للاستغراق، فهي تفيد العموم للمظلوم، مؤمنًا كان أو كافرًا.
وفي الحديث الَّذي رواه الإمام أحمد: «اتَّقوا دعوةَ المظلوم وإن كان كافرًا، فإنَّه ليس دونها حجاب»(8).
يؤيد هذا: تنويه الرسول الكريم بحلف الفضول الَّذي قام في الجاهليَّة بتحالف فئة من علية القوم على الانتصار للمظلوم، وأخذ حقه من الظالم، أيًّا كان مقامه. وهو ما قال فيه ! : «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدْعان حلفًا، ما أحبُّ أنَّ لي به حُمْر النَّعَم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبتُ»(9).
إنَّ كلَّ تعاليم الإسلام وتوجيهاته: توجب علينا أن نقف مع المظلوم ضد من ظلمه.
ولا يرتاب عاقل في أنَّ حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين: لم تظلم إسرائيل شيئًا، وإذا أسر حزب الله جنديين فهذا من حقه، فالحرب لم تضع أوزارها بين إسرائيل وحزب الله. وعندها أسرى لبنانيون، وهو يريد بذلك أن يبادل أسيريه بما يراه من أسرى عندها.
وكذلك حماس إذا أسرت جنديًّا من إسرائيل، فما تجاوزت حدها، ولا غامرت مغامرة غير محسوبة، فإنَّ لديها نحو عشرة آلاف أسير، بعضهم أمضى أكثر من نصف قرن في سجونها، فإذا أسرت هذا الجندي، لتبادل به بعض أسراها، فهذا من حقها، وليس مغامرة ولا مجازفة.
يقول تعالى في وصف عباده المؤمنين:﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾[الشورى: 39]، ويقول:﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ﴾[الشورى: 41، 42].
إنَّ أظلم دولة في الأرض هي دولة الكيان الصهيوني، لأنَّها قامت في أساسها من أوَّل يوم ـ ومن قبل أن تقوم بسنين، بل بعقود ـ على الظلم والعدوان. وما قام على الظلم والباطل فهو باطل أبدًا.
رابعًا: يُبَيِّن لنا القرآن في أوائل سورة الروم: كيف يختار المسلم موقفه في الصراع الَّذي يدور بين القوى المعادية والمتصارعة في الأرض، وقد يكون بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، وقد يكونون جميعًا على باطل، ولكن بعضهم أقرب إلى الحق من بعض، فهناك يكون موقف المسلم مع الفريق الأقرب إلى الحق، وإن لم يكن معه الحق كله.
فقد دارت الحرب بين فارس والروم في فجر الدعوة الإسلاميَّة، وهما القوتان العُظْميان في الأرض في ذلك الزمان (أشبه بما كان يقال عن أمريكا والاتحاد السوفييتي اليوم). وكان هوى المسلمين مع الروم، لأنَّهم نصارى أهل كتاب، وهوى المشركين الوثنيِّين من أهل مكة مع الفرس، لأنَّهم مجوس يعبدون النار، ويقولون بإلٰهين اثنين: واحد للخير والنور، وآخر للشر والظلمة.
ولمَّا جاءت الأخبار بهزيمة الروم وانتصار الفرس في الحرب: فرح المشركون، وحزن المسلمون، وحدث بينهم جدال في مستقبل الحرب، وقال المسلمون: إنَّ المستقبل للروم، وسينتصرون عن قريب ـ وتراهنوا على ذلك ـ وفي معمعة هذا الجدال بين الطرفين: نزل القرآن يبشر المسلمين بما قالوا به: ﴿الٓمٓ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾[الروم: 1 ـ 5].
نصر الله هنا هو نصر الروم على الفرس، وكلتا الأُمَّتين كافرة برسالة محمد، ولكنَّ إحداهما ـ وهي الروم ـ أقرب إلى الإسلام من الأخرى، لأنَّها في الأصل ذات كتاب سماوي، جاء به رسول من الله، هو المسيح عيسى ابن مريم.
ومن هذه الآيات، وهذا السياق يجب أن نأخذ العبرة: كيف نوازن بين فريق وآخر، وهو يدخل فيما سمَّيْته «فقه الموازنات».
فإذا كان هذا في الموازنة بين كافر وكافر، فكيف بين مسلم ـ أيًّا كان مذهبه ـ وبين الصهاينة الذين كفروا وظلموا، وارتكبوا ما لا يقره دين من الأديان؟
بقي هنا ما يمكن أن يقال من قبل المفتي وغيره، وهو: أن يتَّخذ حزب الله والشيعة عمومًا: انتصار حزب الله دليلًا على صحَّة مذهب الشيعة في ذاته، وأن يتخذ ذلك ذريعة لغزو المجتمعات السنية، ومحاولة نشر التشيع فيها، كما أصبح ذلك مشاهدًا في عدد من الأقطار العربية، والإسلاميَّة في آسيا وإفريقيا.
وهذه نقطة مهمة، لا نستطيع أن ننكرها أو نتجاهلها، ونغض الطرف عنها، وهي محاولة الشيعة ـ وخصوصًا في إيران ـ التبشير بمذهبها بين أهل السنة، وقد أعدت لذلك المال والرجال، يغريها بذلك انتصار حزب الله، كما يغريها: أنَّ أهل السُّنَّة في غفلة عن ذلك، وأكثر علمائهم لا يحصنون جماهير السنة بثقافة واقية من التأثر بالدعاية الشيعية، ولا سيَّما مع دعوى الحرص على وحدة الأمة، وجمع الكلمة، والبعد عن إثارة الفتنة، وغيرها.
وهذا ما يجب أن أحذِّر منه إخواننا من علماء الشيعة ومراجعهم: أن يجازفوا بإشعال نار الفتنة بين فريقي الأمة: الفريق الأكبر والأكثر، الَّذي يمثل جمهور الأمة، وهو أهل السنة والجماعة، والفريق الأقل، وهو الشيعة!
وقد نبَّهت على هذه الحقيقة في بعض المؤتمرات الَّتي عقدت للتقريب بين السنة والشيعة، وأعلنت ذلك بصراحة في المؤتمر الَّذي عقد بالدوحة، وقد أغضب ذلك منِّي بعض من كنت قريبًا منهم من رجال الشيعة، وشرعوا يهاجمونني في صحفهم وإذاعاتهم ووسائل إعلامهم المختلفة.. ولكنِّي وجدت من الأمانة والمسؤولية الَّتي حملتها: أن أصارح أمتي بالموقف الواجب، ولا يجوز أن تضيع الحقائق أو الحقوق، من أجل مجاملات لا تحل مشكلة.
إنَّ الله تعالى حمَّلنا أمانة الدفاع عن أهل مذهب السُّنَّة والجماعة، الَّذي ندين الله به، ونعتقد أنَّه المذهب الحق، الَّذي يقوم على القرآن العظيم والسُّنَّة النبويَّة، والذي يقوم على حبِّ أصحاب رسول الله وحب آل بيته، ويعتبر الشورى هي مرجع الأمة في اختيار حكامها.. ولا نصل بالشيعة إلى مرتبة الكفر الأكبر المخرج من الملة، كما هو رأي بعض الغلاة، إلَّا مَن غلا من الشيعة، وخرج على المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
(1) سبق تخريجه صـ 328.
(2) سبق تخريجه صـ 342.
(3) سبق تخريجه صـ 209.
(4) سبق تخريجه صـ 435.
(5) راجعه في كتابنا: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم صـ 34 ـ 39، ط 3، نشر دار الشروق، القاهرة، 1427هـ ـ 2007م.
(6) رواه أحمد (8396)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن. وأبو داود في السنة (4596)، والترمذي في الإيمان (2640) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن (3991)، وابن حبان في التاريخ (6247)، والحاكم في العلم (1/128)، صحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(7) رواه أحمد (9743)، وقال مخرِّجوه: صحيح بطرقه وشواهده. والترمذي في الدعوات (3598)، وقال: حسن. وابن ماجه في الصيام (1752)، وحسَّنه الألباني لغيره في التعليقات الحسان (871)، عن أبي هريرة.
(8) رواه أحمد (12549)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (17235): رواه أحمد، وأبو عبد الله الأسدي لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. عن أنس.
(9) سبق تخريجه صـ 260.