2026-06-22
131
حول تفجيرات قطر
ماذا تقولون عن التفجير الَّذي حدث في قطر ليلة أمس؟ وما هي نظرة الشريعة الإسلاميَّة لمثل هذه الأعمال؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّني أستنكر بشدة: ما حدث من تفجير في قطر، وأراه أمرًا ينكره الدين، وينكره العرف، وينكره القانون.
أمَّا الدين ونعني به دين الإسلام، الَّذي يدين به المجتمع القطري، فلأنَّه يحافظ على دماء النَّاس وأموالهم، وحرماتهم وأمنهم، ويرى الاعتداء عليها من أعظم الجرائم الَّتي تستوجب عقوبة الله في الدُّنيا والآخرة.
حتى إنَّ الرسول الكريم ﷺ حرَّم أن يروِّع المسلم أخاه المسلم، عن طريق المداعبة والمزاح، فقال: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلمًا»(1).
فكيف بهذه التفجيرات الَّتي تُسفك فيها الدماء بغير حق، ويؤخذ فيها البريء بالمسيء، وقد قال ﷺ : «لزوالُ الدُّنيا أهونُ عند الله من قتل امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ»(2).
وقد قرَّر القرآن مع الكتب السماوية الأخرى:﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾[المائدة: 32].
والإسلام كما يستنكر القتل الَّذي يستوجب لعنة الله تعالى وغضبه وعذابه في نار جهنم: يستنكر إهدار الأموال، وتخريب المنشآت؛ فإنَّ هذا مال المجتمع، ومن اعتدى على شيء منه، فقد اعتدى على المجتمع كله، وخصوصًا المال العام، فهو في حرمة مال اليتيم في نظر الشرع.
أمَّا إنكار العرف، فلأنَّ المجتمع القطري مجتمع أنعم الله عليه بنعمة الأمن؛ كما أنعم عليه بالكفاية من العيش، وهما النعمتان اللتان امتنَّ الله بهما على قريش، وطلب منها أن تقوم بشكرهما بعبادة الله وحده:﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ ٣ ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍۢ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾[قريش: 3، 4].
والمجتمع القطري حريص على استمرار نعمة الأمن، ولا يسمح لأحد أن يسلبه هذه النعمة، أو يعكِّر عليه صفوها. وهو مجتمع متعارف متآلف متواد، يعرف بعضه بعضًا، ويألف بعضه بعضًا، ويود بعضه بعضًا، وهو ينكر بشدة هذه الأعمال الإجرامية الَّتي تهدد المجتمع في أمنه واستقراره وتماسكه، ولا يستفيد منها إلَّا أعداء الأمة وأعداء الدين، ولا يقوم بها إنسان له دين، أو حتَّى له عقل. فإنَّ العاقل لا يضر نفسه أبلغ الضرر لفائدة عدوه!
وكأنَّ هؤلاء الحمقى استكثروا على المجتمع القطري جو الأمان الَّذي يتمتع النَّاس في ظلاله بحريَّة الحركة والنشاط، دون قيود ولا عوائق، فأرادوا أن يدخل هذا المجتمع في إجراءات التشديد والتضييق والاحتياط الزائد، وفي هذا ما فيه من ضرر على مجموع الناس.
إنَّ هذا «الفيروس» الخطر: دخيل على جسم قطر، غريب عنها، وليس من شأن أهلها ولا المقيمين فيها، لا من فكرهم ولا من أخلاقهم.. ولهذا أهيب بكل مَنْ في قطر: مواطنين، ومقيمين: أن يقفوا صفًّا واحدًا ضدَّ هذا الوباء، وأن يتعاونوا على صدِّه ومقاومته، والكشف عنه، وتتبع آثاره، حتَّى لا تنتقل عدواه إلى أحد، ولا تسري في البلد الآمن مسرى النار في الحطب.
أمَّا إنكار القانون، فكل قوانين الدُّنيا تَدين هذه الأعمال اللامسؤولة. الأعمال الدموية التخريبية، الَّتي لا تبالي بإزهاق الأرواح، ولا بتخريب الديار.. كل القوانين تقابلها بما تستحق من العقوبات الرادعة، الَّتي تردع الباغين عن بغيهم، وترد الشواذ عن الصراط المستقيم إلى سواء السبيل.
إنِّي باسمي وباسم إخواني من علماء قطر ندين هذه الجريمة المنكرة، الَّتي نرجو أن تكون أولى الجرائم وأخراها، وأن يحفظ الله هذا البلد آمنًا مطمئنًّا، وسائر بلاد المسلمين، وكل بلاد العالم، وأن يردَّ هؤلاء الشاردين المضلَّلين إلى رشدهم، وأمَّا العملاء والخونة فأدعو الله أن يأخذهم أخذًا أليمًا شديدًا، ويريح منهم البلاد والعباد.
(1) رواه أحمد (23064)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في الأدب (5004)، وصحَّحه الألباني في غاية المرام (447)، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ .
(2) سبق تخريجه صـ 347.