من خصائص التشريع في الإسلام «الشمول»
الشمول من الخصائص التي تميز بها الإسلام عن كل ما عرفه الناس، من الأديان والفلسفات والمذاهب، بكل ما تتضمنه كلمة الشمول من معانٍ وأبعاد. إنه شمول يستوعب الزمن كله، ويستوعب الحياة كلها، ويستوعب كيان الإنسان كله.
لقد عبَّر الشهيد حسن البنا عن أبعاد هذا الشمول في رسالة الإسلام فقال وأجاد: «إنها الرسالة التي امتدت طُولًا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة».
رسالة الزمن كله:
إنها رسالة لكل الأزمنة والأجيال، ليست رسالة موقوتة بعصر معين أو زمن مخصوص، ينتهي أثرها بانتهائه، كما كان الشأن في رسالات الأنبياء السابقين على محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان كل نبي يُبعث لمرحلة زمنية محدودة، حتى إذا ما انقضت بعث الله نبيًّا آخر.
أما محمد صلى الله عليه وسلم فهو خاتم النبيين، ورسالته هي رسالة الخلود التي قدر الله بقاءها إلى أن تقوم الساعة، ويُطوى بساط هذا العالم، فهي تتضمن هداية الله الأخيرة للبشرية، فليس بعد الإسلام شريعة، ولا بعد القرآن كتاب، ولا بعد محمد نبي، ولم يسبق لنبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم أن أعلن أن رسالته هي الخاتمة، وأن لا نبي بعده؛ بل بَشّرت التوراة بمن يأتي بعد موسى، وبَشّر الإنجيل بمن يأتي بعد المسيح عيسى وهو «الفارقليط» الذي سيبين كل الحق، ولا يتكلم من عند نفسه.
إنها رسالة المستقبل المديد ولا شك، وهي أيضًا رسالة الماضي البعيد.
إنها - في جوهرها، وأصولها الاعتقادية والأخلاقية - رسالة كل نبي أُرسل، وكل كتاب أُنزل. فالأنبياء جميعًا جاؤوا بالإسلام، ونادوا بالتوحيد، واجتناب الطاغوت. وهذا ما يقرره القرآن في وضوح وتأكيد.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25).
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} (النحل:36).
رسالة العالم كله:
وإذ كانت هذه الرسالة غير محدودة بعصر ولا جيل، فهي كذلك غير محدودة بمكان ولا بأمة، ولا بشعب ولا بطبقة.
إنها الرسالة الشاملة، التي تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب، وكل الطبقات.
إنها ليست رسالة لشعب خاص، يزعم أنه وحده شعب الله المختار! وأن الناس جميعًا يجب أن يخضعوا له.
وليست رسالة لإقليم معين، يجب أن تدين له كل أقاليم الأرض، وتُجبى إليه ثمراتها وأرزاقها.
وليست رسالة لطبقة معينة، مهمتها أن تُسخِّر الطبقات الأخرى لخدمة مصالحها أو اتباع أهوائها، أو السير في ركابها، سواء أكانت هذه الطبقة المسيطرة من الأقوياء أم الضعفاء، من السادة أم من العبيد، من الأغنياء أم من الفقراء والصعاليك.
إنها رسالتهم جميعًا، وليست لمصلحة طائفة منهم دون سواها، وليس فهمها، ولا تفسيرها، ولا الدعوة إليها حكرًا على طبقة خاصة، كما قد يتوهم كثير من الناس، إنها هداية رب الناس لكل الناس، ورحمة الله لكل عباد الله، وهذا ما وضَّحه القرآن منذ العهد المكي. تقرأ في ذلك: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107)، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف:158).
رسالة الإنسان كله:
وهي كذلك رسالة الإنسان من حيث هو إنسان متكامل.
إنها ليست رسالة لعقل الإنسان دون روحه، ولا لروحه دون جسمه، ولا لأفكاره دون عواطفه، ولا عكس ذلك.
إنها رسالة الإنسان كله: روحه، وعقله، وجسمه، وضميره، وإرادته ووجدانه، كما نبهنا على ذلك في «خصيصة الإنسانية».
رسالة الإنسان في أطوار حياته كلها:
إن الإسلام هو رسالة الإنسان كله، وهو رسالته كذلك في كل مراحل حياته ووجوده، فهذا مظهر آخر من مظاهر الشمول الإسلامي.
إنها هداية الله، تصحب الإنسان أنَّى اتجه وأنى سار في أطوار حياته، إنها تصحبه طفلًا، ويافعًا، وشابًّا، وكهلًا، وشيخًا. وترسم له في كل هذه المراحل المتعاقبة المنهج الأمثل الذي يحبه الله ويرضاه.
فلا عجب أن تجد في الإسلام أحكامًا وتعاليم تتعلق بالمولود منذ ساعة ميلاده، مثل إماطة الأذى عنه، والتأذين في أذنه، واختيار اسم حسن له، وذبح عقيقة عنه شكرًا لله، وغير ذلك مما ضمَّنه إمام كابن القيم كتابًا مستقلًّا له سماه «تحفة المودود في أحكام المولود».
وبعد ذلك نجد أحكامًا تتعلق بالإنسان صبيًّا وشابًّا وكهلًا وشيخًا، فلا توجد مرحلة من حياته إلا وللإسلام فيها توجيه وتشريع.
وأكثر من ذلك أنها تُعنى بالإنسان قبل أن يُولد، وبالإنسان بعد أن يموت.
رسالة الإنسان في كل مجالات حياته:
ومن معاني الشمول في الإسلام أيضًا: أنه رسالة للإنسان في كل مجالات الحياة، وفي كل ميادين النشاط البشري، فلا يدع جانبًا من جوانب الحياة الإنسانية إلا كان له فيه موقف: وقد يتمثل في الإقرار والتأييد، أو في التصحيح والتعديل، أو في الإتمام والتكميل، أو في التغيير والتبديل، وقد يتدخل بالإرشاد والتوجيه، أو بالتشريع والتقنين، وقد يسلك سبيل الموعظة الحسنة، وقد يتخذ أسلوب العقوبة الرادعة، كلٌّ في موضعه.
المهم هنا أنه لا يدع الإنسان وحده - بدون هداية الله - في أي طريق يسلكه، وفي أي نشاط يقوم به: ماديًّا كان أو روحيًّا، فرديًّا أو اجتماعيًّا، فكريًّا أو عمليًّا، دينيًّا أو سياسيًّا، اقتصاديًّا أو أخلاقيًّا.
إن الإسلام كما قال المرحوم العقاد - هو العقيدة المثلى للإنسان منفردًا أو مجتمعًا، وعاملًا لروحه أو عاملًا لجسده، وناظرًا إلى دنياه، أو ناظرًا إلى آخرته، ومسالمًا أو محاربًا، ومعطيًا حق نفسه أو معطيًا حق حاكمه وحكومته، فلا يكون مسلمًا وهو يطلب الآخرة دون الدنيا، ولا يكون مُسلمًا وهو يطلب الدنيا دون الآخرة، ولا يكون مُسلمًا لأنه روح تنكر الجسد، أو لأنه جسد ينكر الروح، أو لأنه يصحب إسلامه في حالة، ويدعه في حالة أخرى. ولكنه هو المسلم بعقيدته كلها مجتمعة لديه، في جميع حالاته، سواء تفرَّد وحده أو جمعته بالناس أواصر الاجتماع.
د. يوسف القرضاوي الأديب الكبير، والداعية المفكر، والمجاهد الصُّلْب، صاحب القلم السيَّال، والأسلوب الرفيع: سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي (1324
هذا الكتاب يتحدث عن نعمة الوقت وقيمته في حياة الإنسان المسلم، وواجب المسلم نحوه، وهو يهدف إلى أن يستيقظ المسلمون من غفلتهم، وأن يُعيدوا تقو
د. يوسف القرضاوي الناس في هذه القضية -قضية المعجزات المحمدية المادية- أصناف ثلاثة: الصنف الأول: صنف يبالغ في الإثبات، وسنده في ذلك ما حوته الك
هذا الكتاب يعالج قضية اختلال النِّسب واضطراب الموازين من الوجهة الشرعية في تقدير الأمور والأفكار والأعمال، وتقديم بعضها على بعض، وأيها يجب
مِن أصحاب الأعذار الذين يلحقون بالمرضى من وجه، وإن خالفوهم من وجه آخر: الشيخ الكبير، الذي وهن العظم منه، وبلغ من الكبر عتيا، ويجهده الصوم وي