2026-06-03
515
تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾
نرجو من فضيلتكم إلقاء بعض الضوء على تفسير الآيات الَّتي وردت في أوائل سورة الإسراء عن بني إسرائيل، وإفسادهم في الأرض مرَّتين، وعقاب الله تعالى لهم على كلّ مرَّة بتسليط من شاء من عباده عليهم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المقصود بالآيات الكريمة من سورة الإسراء، هي قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ٤ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ٥ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ٦ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا ٧ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا﴾[الإسراء: 4 ـ 8].
وقد اختلف علماء العصر في بيان معاني هذه الآيات والمقصود منها.
فمنهم من قال: إنَّ مرَّتي الإفساد قد وقعتا، قبل الإسلام، وعوقب بنو إسرائيل أو اليهود عليهما من الله 4 .
وإن اختلفوا في نوع الإفساد الَّذي وقع منهم وفي زمنه. والغالب أنَّه: استحلالهم المحرمات، ونقضهم العهود، وانتهاكهم للحرمات بين بعضهم وبعض، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، وتمردهم على أنبيائهم، إلى حد القتل، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ﴾[البقرة: 87]. وقد قتلوا زكريا ويحيى، وتآمروا على المسيح، 1 .
إلى آخر ما سجله القرآن عليهم من تجاوزات وانحرافات خطيره في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن.
كما اختلف المفسرون في حقيقة العقوبة الَّتي نزلت عليهم، ومن هم الَّذين سلطوا عليهم. جزاء ما صنعت أيديهم؟
وأكثر الأقوال: أنَّ أولى العقوبتين كانت تسليط البابليين عليهم، فهزموهم شرَّ هزيمة، وأزالوا دولتهم، وخربوا ديارهم، وحرفوا توراتهم، وأخذوهم أسرى إلى بابل، فعاشوا في النفي المذل، والغربة الأليمة سبعين عامًا.
وأمَّا العقوبة الثانية، فكانت ضربة الرومان لهم، الَّتي أنهت الوجود الإسرائيلي أو اليهودي من فلسطين، وفرقتهم في أنحاء الأرض، فلم تقم لهم قائمة بعدها، حتَّى جاءت الصهيونية الحديثة.
ومنهم من قال: إنَّما وقعت مرَّة واحدة من المرَّتين، عندما بُعث النَّبيّ ﷺ ، وعاهد بني إسرائيل في المدينة، ثم غدروا به وعادوه وحاربوه، فكانت هذه هي مرَّة الإفساد الأولى، وقد عاقبهم الله عليها بتسليط عباد له أولي بأس شديد عليهم، وهم الرسول ﷺ والصحابة معه، فحاربوهم وانتصروا عليهم.
والمرة الثانية هي ما وقع من اليهود اليوم في فلسطين من تشريد أهل فلسطين وتذبيحهم، وتقتيلهم، وهتك حرماتهم، وتخريب ديارهم، الَّتي أخرجوا منها بغير حق، وفرض وجودهم العدواني الدخيل بالحديد والدم والرصاص.
وننتظر اليوم عقوبة الله تعالى لهم، بتسليط المسلمين مرَّة أخرى عليهم، كما سلط عليهم الصحابة أوَّل مرة.
وهذا ما ذهب إليه بعض علماء العصر مثل الشيخ الشعراوي والشيخ عبد المعز عبد السّتار وغيرهما، مبينين أنَّ المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر، من كيد وبغي على الرسول وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم.
وكان العباد المسلطون عليهم هم النَّبيّ والصحابة؛ بدليل مدح هؤلاء بإضافتهم إلى الله بقوله: ﴿عِبَادًا لَّنَآ﴾.
أمَّا إفسادتهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، وإهدار للحقوق، وسفك للدماء، وغيرها، حتَّى أصبحوا أكثر أهل الأرض نفيرًا، بما يملكون من وسائل الإعلام والتأثير في العالم.
وسيتحقق وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سلطوا من قبل.
تفنيدنا لهذا الرأي وأدلَّة ذلك:
ورأيي أن هذا التفسير ضعيف لعدة أوجه:
أولًا: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾، أي أنهينا إليهم وأعلمناهم في الكتاب، والمراد به: التوراة، كما قال قبلها: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾. وما جاء في الكتاب: أي أسفار التوراة، يدلُّ على أن هاتين المرَّتين قد وقعتا، كما في سفر تثنية الاشتراع.
ثانيًا: أنَّ قبائل بني قينقاع والنضير وقريظة لا تمثل بني إسرائيل في قوتهم وملكهم، إنَّما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل بعد أن قُطِّعوا في الأرض أمما.
ثالثًا: أنَّ الرسول والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل ـ كما أشارت الآية الكريمة ـ إذ لم تكن لهم ديار، وإنَّما هي ديار العرب في أرض العرب.
رابعًا: أنَّ قوله تعالى: ﴿عِبَادًا لَّنَآ﴾، لا يعني أنَّهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفَّار العصاة إلى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾[الفرقان: 17].
وقوله: ﴿قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾[الزمر: 53].
خامسًا: أنَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾[الإسراء: 6].
يتضمن امتنان الله تعالى عليهم بذلك، والله تعالى لا يمتن على بني إسرائيل المفسدين بإعطائهم الكرة على المسلمين.
سادسًا: أنَّ الله تعالى إنَّما ردَّ الكرة لبني إسرائيل على أعدائهم بعد أن عاقبهم في المرة الأولى، لأنَّهم أحسنوا وأصلحوا، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾[الإسراء: 7]، واليهود - كما عرفناهم وشاهدناهم - لم يحسنوا ولم يصلحوا قط، ولذا سلط الله عليهم هتلر وغيره. كما يبتلي ظالما بظالم. وهم منذ نحو مائة سنة يمكرون بنا ويتآمرون علينا، ليسرقوا أرضنا، فمتى أحسنوا حتَّى يرد الله لهم الكرة علينا؟
سابعًا: أنَّ الله تعالى قال في المرة الآخرة: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾[الإسراء: 7].
والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر، ولم يتبروا ما علوا تتبيرًا، بل لم يكن شأن المسلمين أبدًا التتبير والتدمير في حروبهم وفتوحهم. إنَّما هو شأن البابليين والرومان الَّذين سلطوا على الإسرائيليين.
ثامنًا: أنَّ ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرَّتي الإفساد قد وقعتا(1)، وأن الله تعالى عاقبهم على كلِّ واحدة منهما، وليس هناك عقوبة أشد وأنكى عليهم من الهزيمة والأسر، والهوان والتدمير على أيدي البابليين، الَّذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمروا هيكلهم تدميرًا، وكذلك ضربة الرومان القاصمة الَّتي قضت على
وجودهم في فلسطين قضاءً مبرمًا، وشردتهم في الأرض شذر مذر، كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 168].
والواضح أنَّهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾[الإسراء: 8]، وها هم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة الَّتي تردعهم وتؤدبهم، وتعرفهم قدر أنفسهم، كما قال الشاعر:
إنْ عادَتِ العَقْرَبُ عُدْنَا لَهَا
بالنَّعْلِ، والنَّعْلُ لها حَاضِرَةْ(2)!
يؤكِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾[الأعراف: 167].
والحمد لله رب العالمين.
1. انظر: تفسير الطبري (17/355) وما بعدها، تحقيق محمود وأحمد شاكر، نشر دار التربية والتراث، مكة المكرمة.
2. البيت للفضل بن العباس، كما في الحيوان للجاحظ (4/366)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1424هـ .