2026-06-03
237
آيات التعامل مع أهل الكتاب
لا يخفى عليكم آثار الصحوة الإسلامية الَّتي عمت بشائرها كلّ مكان، ولكن هذه الصحوة المباركة يشوبها بين الفينة والأخرى ما يعكر صفوها ويعطل مسيرتها، وأكثر ما تؤتى منه الصحوة هو: سوء الفهم، وقد رأينا بعض شباب الصحوة يعلن العداء لغير المسلمين من اليهود والنَّصارى، يعلن عليهم العداء المطلق، طالما أنَّهم غير مسلمين، ويرى هؤلاء الشباب أن معاداة هؤلاء واجبة، وأن بغضهم فريضة، وأن مجرَّد حسن المعاملة معهم ميوعة في التدين، وتسيب من الشرع، وإتيان لما لم يأذن به الله، ويعتمد هؤلاء على عدد من الآيات مثل:﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾. ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ﴾. ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.
فنرجو من سيادتكم توضيح المعنى المقصود من هذه الآيات في ضوء ما علمناه عن فضيلتكم من سعة في العلم، ودقة في الفهم، وتبصر بالواقع.
(أ. م. ج)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا حجَّة لهؤلاء المتشدِّدين فيما اعتمدوا عليه من نصوص؛ لمعاداة غير المسلمين، مثل مَن اتخذ من قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾[المجادلة: 22]، فقد اتخذوا منها دليلًا على أن الإسلام ينهى عن مودة المسلم لغير المسلم بصفة مطلقة، ويؤكِّدون ذلك بقوله تعالى في أوَّل سورة الممتحنة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَٰدًۭا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾[الممتحنة: 1].
وأودُّ أن أبيِّن هنا: أن آية المجادلة لا تنهى عن مودة من كان غير مسلم، ولو كان مسالمًا للمسلمين، بل تنهى عن موادة ﴿مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾، أي حارب الله ورسوله، وشاقَّ الله ورسوله، فهذا شخص معادٍ للإسلام وأهله، فكيف يُطلَب من المسلم أن يُظهِر له الود والمحبَّة؟
ولو كانت مودَّة غير المسلم ممنوعة في الإسلام بصفة مطلقة: ما أجاز الشرع الإسلامي للمسلم أن يتزوَّج الكتابية، والزوجية في نظر الإسلام تقوم على أسس وأركان، منها: المودَّة والرحمة، كما قال تعالى:﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً﴾[الروم: 21].
ولذا قال ابن عبَّاس: لا يجوز زواج الكتابية إذا كانت من قوم معادين للمسلمين، واستدلَّ العلماء لقوله بهذه الآية: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ [المجادلة: 22].
والمفروض في الحياة الزوجية ما أثبتته الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فآية:﴿مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾، تعني: الأعداء المحاربين للمسلمين.
يؤكِّد هذا آية الممتحنة:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ﴾[الممتحنة: 1]. فالآية قد عبَّرت عنهم بأنَّهم أعداء الله، وأعداء المسلمين: ﴿عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ﴾، وليس مقبولًا أن يعادوا الله ورسوله والمؤمنين، ويقابل المسلمون معاداتهم بالولاء لهم، وإلقاء المودَّة إليهم.
وليس هذا لمجرَّد كفرهم بالإسلام، بل ضمُّوا إليه إيذاء المسلمين وحصارهم، وتعذيبهم وفتنتهم في دينهم، حتَّى أخرجوهم من ديارهم بغير حقٍّ إلَّا أن يقولوا: ربنا الله. ولذا قالت الآية:﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ﴾[الممتحنة: 1].
وقد ذكرت السُّورة قاعدة من أعظم قواعد السُّلوك والتعامل مع المخالفين، ولو كانوا أعداء، وهي: أن العداوة ليست أمرًا دائمًا وأبديًّا بالضرورة، فقد تستحيل العداوة إلى مودَّة، ودوام الحال من المحال، وهذا ما قرَّرته السّورة بصيغة الرجاء، حيث قال تعالى: ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةًۭ ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾[الممتحنة: 7] . أي والله قدير على تحويل القلوب من كراهية إلى مودَّة، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾، يعفو عمَّا سلف، ويسامح عباده فيما مضى.
كما قرَّرت سورة الممتحنة «دستورًا» في التعامل مع غير المسلمين، المسالمين منهم والمحاربين، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8، 9]، فالمسالمون لهم من المسلمين البرُّ والقسط الَّذي يحبُّه الله، والمحاربون يحرم موالاتهم.
وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ﴾[المائدة: 51]. يجب أن يُفهم في ضوء السِّياق وأسباب النُّزول للآيات، فالآية الَّتي تليها تشير إلى أن اليهود والنَّصارى كانوا معادين للمسلمين، وكانوا في حالة من القوة والمنعة، بحيث أصبح كثيرٌ من المنافقين ومرضى القلوب يحاولون التقرُّب إليهم، والموالاة لهم، على حساب دينهم وأمتهم وجماعتهم. وهذا لا ينازع منصف في أنَّه خطر على سيادة الأُمَّة ووحدتها وتماسكها، ولا سيَّما في مرحلة تكوينها، وتأسيس بنيانها.
تقول الآية الكريمة التالية للآية المذكورة:﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَٰسِرِينَ﴾[المائدة: 52، 53].
فالواضح من هذه الآية الأخيرة: أنَّنا أمام جماعة من المنافقين الانتهازيين المخادعين، الَّذين يخونون جماعتهم، ويوالون أعداءها، ويحلفون لهم كاذبين: إنهم لمعكم! ولذا يقول القرآن:﴿حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ﴾.
ولا غرو أن مَن يوالي الأعداء وينضم إليهم، ويلقي إليهم بالمودة على حساب أمته: لا يشك أحد في أن عمله أمر مجرَّم ومحرم وطنيًّا ودينيًّا، ولا سيَّما في أوقات الصراع والحروب، فهو في نظر الوطنية: خيانة، وهو في نظر الدين: ردة، وهي معنى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
ومن هنا جاءت الآية التالية تقول:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ﴾[المائدة: 54].
كأن الآية تقول: إن هؤلاء الَّذين خانوا قومهم وانضمُّوا إلى أعدائهم، وارتدُّوا عن دينهم، سيعوِّض الله الأمة خيرًا منهم، بجيل جديد، أو أجيال جديدة على نقيض هؤلاء.
فهذه الآيات ليست في مطلق يهود ونصارى عاديين مسالمين للمسلمين، بل في يهود ونصارى معادين لهم، محاربين لدعوتهم، كاليهود الَّذين نقضوا عهد رسول الله، وانضمُّوا إلى أعدائه من الوثنيين المشركين، الَّذين أغاروا على المدينة، وأرادوا القضاء على الرسول وأصحابه، واستئصال شأفة المسلمين، واقتلاع الإسلام من جذوره.
والآيات التالية في سياق النهي عن الولاء لليهود والنَّصارى تؤكِّد ذلك. يقول تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٥٧ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ﴾[المائدة: 57، 58].
فهؤلاء قوم أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله، وهزؤوا بعقيدته، وسخروا من شعائره، وأعظمها الصلاة، واتخذوها هزوًا ولعبًا.
أما اليهود والنَّصارى العاديون المسالمون، فهم في نظر المسلمين: أهل كتاب، أجاز القرآن مؤاكلتهم كما أجاز مصاهرتهم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5].
وإذا كان أهل الكتاب لهم مكانة خاصة، ومعاملة خاصَّة لدى المسلمين، فإن النَّصارى منهم يعتبرهم القرآن أقرب مودَّة للمسلمين من اليهود الَّذين بارزوه بالعداوة، برغم مبادرة الرسول ! بعقد الاتفاقية معهم بُعَيد هجرته إلى المدينة، وقد جعلهم فئة من أهل الدار، يتناصرون في السِّلم والحرب، ويتواسون في السَّراء والضَّراء: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾[المائدة: 82]، ولا غرو أن وجدنا الرسول الكريم ـ منذ العهد المكي ـ يأمر أصحابه الَّذين اضطهدهم المشركون: أن يهاجروا إلى الحبشة، الَّتي كان ملكها ملكًا نصرانيًّا، لشعوره بقربه من الإسلام، وقد كان عند حسن الظنِّ به، وأبى أن يفرِّط في المسلمين، أو أن يستجيب لطلب قريش: إعادتهم إلى موطنهم الَّذي فرُّوا منه.
ولعلَّ الآيات الَّتي صُدِّرت بها سورة الروم تدلُّنا بجلاء على قرب النَّصارى من المسلمين، فقد قامت حرب بين الدولتين العظيمتين في ذلك الزمن: الفرس في الشرق، والروم في الغرب، وانتصر الفرس على الروم في أوَّل الأمر، فحزن لذلك المسلمون، وفرح المشركون، لأن الفرس مجوس يعبدون النار، ويعبدون إلهين: للخير والشر، أو للنور والظلمة، فهم أقرب إلى مشركي العرب عبدة الأوثان، والروم كانوا نصارى أهل كتاب، فكانوا أقرب إلى المسلمين.
وتجادل الفريقان وتراهنوا حول مستقبل الأمتين، ولمَن تكون الغلبة بعد؟ وكان المسلمون بطبيعة الحال مع الروم، والمشركون مع الفرس، فنزل قوله تعالى: ﴿الٓمٓ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ﴾ [الروم: 1 ـ 5].
فانظر كيف بشَّر القرآن المسلمين بنصر الروم، وكيف عبَّر عن مشاعر المسلمين بقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ﴾.
فهذا هو موقف الإسلام المبدئي من أهل الكتاب عامَّة، ومن النَّصارى خاصة.
وهذا لا يمنع أن تأتي آيات من القرآن تنقد اليهود أو النَّصارى أو أهل الكتاب عامَّة، فيما حرَّفوا من كتبهم، وما بدَّلوا من عقائد موسى وعيسى، ومن مِلَّة إبراهيم، وما غيَّروا من شرائع أنبيائهم، فالقرآن قد جاء مصدِّقًا ومتمِّمًا للتوراة والإنجيل، كما أعلن ذلك في آيات كثيرة، كما جاء أيضًا «مصحِّحًا» لها، أو بتعبير آخر: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾[المائدة: 48].
كما ينقد القرآن مواقف أهل الكتاب ـ وخصوصًا اليهود ـ من دعوة الإسلام، ورسول الإسلام، وأمة الإسلام، ومع هذا يأمر الرسول والمسلمين بالعفو والصفح، كما في قوله تعالى في سورة البقرة:﴿وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ﴾[البقرة: 109].
ومعنى:﴿حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾، أي حتَّى يشرح الله صدورهم للإسلام، ويدخلوا فيه اختيارا، أو يروا انتصار الإسلام وعلو كلمته أمام أعينهم.
وقد أكَّدت سورة المائدة ـ وهي من أواخر ما نزل من القرآن ـ ذلك في قوله تعالى في شأن بني إسرائيل، وقد نقضوا ما أخذ الله عليهم من ميثاق:﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُواْ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾[المائدة: 13].
فرغم ظهور الخيانة من أكثرهم أُمر الرسول أن يعفو عنهم ويصفح، فهذا من الإحسان الَّذي يحبُّه الله تعالى. وهذا في نفس السّورة الَّتي نهت عن اتخاذ اليهود والنَّصارى أولياء.
ونلاحظ أن القرآن حين دان بني إسرائيل قال:﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾، وذلك ليؤسس منهج العدل مع الخصوم في الرضا والغضب، ولذلك استثنى فقال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾.
وهذا هو نهج القرآن معهم، ففي سورة آل عمران بعد أن تحدَّث عن بعض مساوئهم التاريخية، وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ قال:﴿لَيْسُواْ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران: 113 ـ 115].
ويقرِّر القرآن: أن مَن أقام منهم الأركان الأساسية للدين، وهي: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالخلود والجزاء في الآخرة، والعمل الصالح، فإن الله لن يضيع أجره، ولن يخيِّب سعيه، كما قال تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة: 62].
وقد كرَّر القرآن هذا المعنى وأكَّده في آية أخرى من سورة المائدة:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[المائدة: 69].
وهذا ما لم تبلغه رسالة محمَّد بلوغًا صحيحًا، فيُعرض عنها، ويشاقها، مؤثرًا الدُّنْيا على الآخرة، كما قال تعالى:﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء: 115].
ومن الآيات الَّتي تذكر كثيرًا، ويُساء فهمها في العلاقة بين المسلمين من ناحية واليهود والنَّصارى من ناحية أخرى: قوله تعالى:﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾[البقرة: 120].
أرى كثيرًا من المتدينين المسلمين الَّذين لا يتدبَّرون الآيات، ولا يتأمَّلون النُّصوص بعمق وتأمُّل: يجدون في هذه الآية حائلًا دون التفاهم والتعايش والتصالح مع اليهود والنَّصارى.
وهذا ليس بصحيح، ولا ينبثق هذا التفكير عن فَهم سليم للآية الكريمة لعدَّة أمور:
أولًا: لأنَّ الآية خطاب خاصٌّ للرسول ﷺ :﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ﴾، ولم تجئ بلفظ عام من ألفاظ العموم المعروفة.
وثانيًا: لو سلَّمنا بأنَّها خطاب للجميع، فإنَّها لا تدلُّ على أكثر من عدم رضاهم عنَّا ـ الرضا الكامل، أو الرضا المطلق ـ حتَّى نتَّبع مِلَّتهم. وهذا شأن كلِّ ذي مِلَّة متمسِّك بمِلَّته، حريص عليها. ونحن كذلك لا نرضى عنهم تمام الرضا حتَّى يتَّبعوا مِلَّتنا. فهو موقف طبيعي ومتبادل بين أهل المِلل أو أهل الأديان جميعًا. وقد قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ﴾ [البقرة: 145].
وثالثًا: إنَّ هدفنا ليس إرضاء اليهود والنَّصارى، حتَّى يكون عدم رضاهم حجر عثرة في طريقنا، أو عائقًا دون تفاهمنا وتعايشنا، بل هدفنا هو إرضاء الله تبارك وتعالى قبل كلِّ شيء ـ وسواء رضي النَّاس عنَّا أم سخطوا ـ ولن نبيع رضوان الله تعالى برضا أيِّ مخلوق كان، ولا بأي ثمن مادي أو أدبي، ولو وضعوا الشمس في أيماننا، والقمر في شمائلنا، ما فرَّطنا مثقال ذرَّة في ابتغاء مرضاة ربنا.
ورابعًا: أنَّ الإسلام ـ برغم وجود هذه الآية ـ لم يمنع المسلم أن يؤاكل اليهودي أو النصراني، وأن يصاهره، فيتزوَّج ابنته أو أخته أو قريبته، وينجب منها أولادًا، يبرُّون أمهاتهم وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم، ويعاملونهم بما يجب لذوي الأرحام وأولي القربى من الحقوق والحرمات. كما قال تعالى:﴿وَأُو۟لُواْ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾[الأحزاب: 6]، ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾[النساء: 1].
والحمد لله أولًا وآخرًا.