2026-06-02
121
حول بعض «الوقوف» في سورتي يوسف والحديد
أنا معْنيٌّ بدراسة علوم القرآن الكريم، وخصوصًا بالوقف والوصل فيه، وقد صليت خلفكم صلاة التراويح، وفي أكثر من رمـضان، أعجبني كثيرًا اختياركم لأماكن الوصل والوقف. وهي مبنية على مراعاتكم للمعاني القرآنيـة.
لهذا أحببت أن أسألكم عن بعض «الوقوف» في القرآن الكريم، اختلفت فيها مع بعض زملائي، فرأينا أن نستنير برأيك حولها.
1 ـ من ذلك قوله تعالى في أواخر سورة يوسف:﴿قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾. فمعظم المصاحف المطبوعة، تقف على قوله: ﴿أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ﴾ثم تستأنف بعده:﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾[يوسف: 108].
فهي بهـذا تجعـل فقرة:﴿أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾، جملتين اثنتين لا جملة واحدة، وأنا أرى خلاف ذلك.
2. وفي نفس السُّورة حدث خلاف حول الوقف في الآية الكريمة على لسان يوسف قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾[يوسف: 92]. وذلك بعد أن قال له إخوته:﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ﴾[يوسف: 91].
فهل الوقف عند قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، أو عند كلمة: ﴿ٱلْيَوْمَ﴾؟
3 ـ وفي سورة الحديد يقول الله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾[الحديد: 19].
فهل يوقف عند قوله: ﴿ٱلصِّدِّيقُونَ﴾، أم عند قوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾؟ وبعبارة أخرى: هل هما صنفان أو ثلاثة تتحدَّث عنهم الآية؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
1 ـ الَّذي أرجحه في الآية الكريمة من سورة يوسف: ﴿قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾، أن فقرة: ﴿أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾. جملة واحدة، وهي جملة تفسيرية للجملة قبلها،﴿هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ﴾. فهو يشرح هذه السَّبيل بأنها: الدعوة إلى الله على بصيرة، هو وكل من آمن به واتبعه. فضمير ﴿أَنَا۠﴾ في الآية تأكيد لفاعل ﴿أَدْعُوٓاْ﴾، وليس مبتدأ لخبر مقدم هو ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾، والصحيح أن تعرب ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ على أنَّها حال من فاعل ﴿أَدْعُوٓاْ﴾.
ولو جعلت هذه الفقرة جملتين: الأولى:﴿أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ﴾، والثانية:﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾؛ لأخل ذلك بمعنيين كبيرين:
الأول: ربط الدعوة بهذا الوصف الجميل: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾، وهذا الربط لا يتأتى إلاَّ بربط الفقرة كلها، وجعلها جملة واحدة، وعدم الوقف على قوله: ﴿إِلَى ٱللَّهِ﴾؛ لأن ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ ستكون خبرًا مقدمًا للمبتدأ بعدها، وهو الضمير والمعطوف عليه ﴿أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾.
الثاني: جعل الدعوة إلى الله على بصيرة من أوصاف الأتباع أيضًا، فكل من اتبع النَّبيَّ ﷺ فهو داع إلى الله، وداع على بصيرة، وبالوقف على: ﴿إِلَى ٱللَّهِ ۚ﴾، ينفصل الأتباع عن الدعوة، وتنفصل الدعوة عن البصيرة.
لهذا أرجح كلَّ الترجيح عدم الوقف على قوله:﴿إِلَى ٱللَّهِ﴾، وقراءة الفقرة كلِّها متَّصلة:﴿أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى﴾.
2 ـ كما أرجِّح في الآية الأخرى من سورة يوسف: الوقوف عند قوله:﴿ٱلْيَوْمَ﴾، وبهذا يرتبط هذا الظرف بالتثريب قبله، لا بالمغفرة بعده، فيوسف يقول لإخوته بعد اعترافهم بخطئهم وإثمهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾، ثم يدعو لهم بقوله: ﴿يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾.
ولو كان الوقف على قوله:﴿عَلَيْكُمُ﴾، لكان لفظ ﴿ٱلْيَوْمَ﴾ظرفًا لفعل﴿يَغْفِرُ﴾، وكان بذلك خبرًا لا دعاء، وكان هذا جزمًا من يوسف بأنّ الله يغفر لهم اليوم، مع أنَّ اللائق بالموقف أن يكون دعاء ورجاء منه، ويؤيده قولهم لأبيهم بعد ذلك: ﴿يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ٩٧ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ﴾[يوسف: 97، 98].
ولو كانت الجملة خبرًا لا دعاءً، لم يكن هناك معنى لطلب الاستغفار من أبيهم مرَّة أخرى، بعد أن أخبرهم الصديق بأن الله يغفر لهم اليوم.
قال الألوسي: وأنت تعلم أن أكثر القراء على الوقف على﴿ٱلْيَوْمَ﴾. وهو ظاهر في عدم تعلقه بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، وهو اختيار الطبري(1) وابن إسحاق وغيرهم، وهو الَّذي يميل إليه الذوق، والله أعلم(2) اهـ .
3 ـ وأما آية سورة الحديد:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾، فالذي أرجحه عدم الوقف على كلمة:﴿ٱلصِّدِّيقُونَ﴾؛ لأنَّ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ﴾معطوف عليها. هي خبر عن المبتدأ الثاني﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ﴾المشار به إلى﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وشبه الجملة:﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾حال.
فالله تعالى يخبر عن الَّذين آمنوا بالله ورسله بأنَّهم هم الصِّدِّيقون والشهداء عند ربِّهم، وبأنَّ لهم أجرَهم ونورَهم.
بخلاف الَّذين كفروا وكذبوا بآيات الله، فأولئك أصحاب الجحيم.
فالقسمة ـ إذن ـ ثنائية: المؤمنون بالله ورسله، وهم أصحاب الجنة، والكفرة المكذبون، وهم أصحاب الجحيم.
وقد استظهر أبو حيَّان في تفسيره كونَ الشهداء مبتدأً، وما بعده خبرًا، ورده الألوسـي قائلًا: ومن أنصـف يعلم أنه ليس كـما قـال، وأن الَّذي تقتضـيه جزالة النظم الكريم خلافه(3).
ومما يرجح ما قاله الألوسي قوله تعالى بعد ذلك بآية واحدة:﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾[الحديد: 21].
مما يدلُّ على أنَّ السُّورة تدور على فضل الإيمان بالله ورسله، وفضل المؤمنين وعظيم جزائهم ومنزلتهم عند الله، فهم الصديقون وهم الشهداء عند ربهم، وليس الشهداء قسـمًا آخـر.
على أنه لو قيل بالوقف على «الصِّدِّيقون»، واستأنف الكلام عن الشهداء على اعتبار ما لهم من منزلة خاصة، لاقتضى هذا أن يكون الشهداء أفضل من الصديقين، بدليل تخصيصهم بأن لهم وحدهم أجرهم ونورهم. والمعروف خلافه، وهو: أنَّ أفضل النَّاس بعد النبيين هم الصديقون، ويليهم الشهداء وهو الترتيب الَّذي يشير إليه قوله تعالى:﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء: 69].
1. تفسير الطبري (16/247).
2. روح المعاني للآلوسي (7/49)، تحقيق علي عبد الباري عطية، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415هـ .
3. روح المعاني (14/184).