2026-06-02
341
قراءة البسملة في أثناء السُّورة
لقد منَّ الله عليَّ وقدَّر لي أن أقرأ جزءًا من القرآن كلَّ يوم بعد صلاة الصبح، فإذا بدأت وردي من وسط السُّورة لا من أولها: هل أبدأ بالبسملة أو التعوذ أو بهما جميعًا؟ وإن كنتُ أقرأ سورة براءة من وسطها، فهل يجوز لي أن أبدأ بالبسملة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نهنئ الأخ الكريم على حرصه على تلاوة القرآن الكريم، فتلاوة القرآن من أهم العبادات، وأعظم القربات إلى الله 8 ، وله بكلّ حرف عشر حسنات، كما قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول:﴿الٓمٓ﴾، حرف لا حرف. ولكن ألِفٌ حرف، ولام حرف، وميم حرف»(1).
وأن يكون للإنسان ورد يومي من القرآن يتلوه، هذا شيء طيِّب يُحمد الله تعالى عليه.
أمَّا عن سؤال الأخ الكريم: هل يبدأ بالبسملة أو يبدأ بالاستعاذة؟ فأقول له: إذا كان يبدأ قراءته من أوَّل سورة، فليبدأ بالاستعاذة ثم بالبسملة؛ إلَّا سورة التَّوبة فيبدؤها بالاستعاذة فقط، لأن سور القرآن كلها مبدوءة بالبسملة غير سورة التَّوبة، وكذا إذا انتهى من سورة وبدأ في أخرى، يقرأ البسملة بينهما إلَّا إذا انتهى من الأنفال وبدأ في التَّوبة.
أما إذا كان يبدأ من وسط السّورة، فهل يستعيذ ثم يبسمل أم يكتفى بالاستعاذة؟
اختلف العلماء في ذلك، بعضهم يقول يبدأ القارئ قراءته بالاستعاذة فقط، ولا يبسمل، وهذا ما جاء في القرآن الكريم، يقول الله تعالى:﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾[النحل: 98].
وبعض العلماء قال: يستعيذ ويبسمل أيضًا، مستدلين بحديث: «كل كلام أو أمر ذي بال لا يُفتح بذكر الله، فهو أبتر» أو قال: «أقطع»(2).
والَّذي أرجِّحه هو الرأي الأول، القائل بأن القارئ إذا بدأ من أثناء السُّورة يكتفي بالاستعاذة من غير بسملة؛ لأننا نعلم أن سورة براءة لم تُبدأ بالبسملة، ولهذا أصبح المسلمون حينما يبدؤون قراءة سورة براءة لا يبدأ أحدهم بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وإنَّما يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1]. ولم يقل أحد: إنَّ البسملة مطلوبة في أولها. ولو كان في حديث: «كلُّ كلامٍ أو أمرٍ ذي بال...». حجة على بدء القراءة بالبسملة، لاحتجَّ به محتجٌّ على البسملة في أوَّل سورة التَّوبة.
فالراجح عندي، والَّذي أعمل به، إذا قرأ القارئ من وسط السُّورة أو من أثنائها أن يكتفي بالاستعاذة، سواء بدأ من أثناء سورة التَّوبة أو غيرها من السُّوَر.
وعلى كلِّ حال فالأمر موضع خلاف، والخلاف فيه سائغ، والإنسان في مثل هذا يأخذ بما يطمئن إليه قلبه، وبما قوي عنده دليله، ولا ينكر بعضنا على بعض في مثل هذه الأمور، ولا نجعلها مثار جدل ومعركة بين المختلفين. وكما قال الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
1. رواه الترمذي في فضائل القرآن (2910)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصحَّحه الألباني في الصحيحة (3327).
2. رواه أحمد (8712)، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف. وابن ماجه في النكاح (1894)، والنسائي في الكبرى في عمل اليوم والليلة (10255)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (8697)، عن أبي هريرة.