2026-06-02
275
نزول المطر من السَّماء
يقول العلماء بأنَّ المطر يأتي من تبخر ماء البحر، والقرآن يقول:﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾[المؤمنون: 18]، أليس هناك تناقض؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أخي السَّائل، ليس هناك تناقض؛ فالقرآن يقول: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ﴾ [الرعد: 17] ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ﴾ [المؤمنون: 18]؛ لأنَّ المطر ينزل من جهة السَّماء، كما قال المفسرون الأقدمون منهم والمحدثون. فهؤلاء يفسرون «السماء» بالجهة العليا، وليست السَّماء هي السّماوات البعيدة فقط، فكلمة السَّماء في اللغة العربية تعني: كلّ ما علاك، أي كلّ ما كان فوقك فهو سماء. حتَّى يقال أحيانًا عن السّقف: سماء. فما أظلك فهو سماء. وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْأَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15]، أي بحبل إلى سقف بيته. إذا انتحر، سخطًا، على ما قدَّر الله 8 ، أو على أن الله لم ينصره، أو لم يجب دعوته، أو كذا أو كذا. هل يذهبن كيده ما يغيظ.
فالسماء في هذه الآية هي السَّقف. فإذا قال الله تعالى: «من السَّماء» أي من الجهة العليا. وهذا صحيح، فإنَّ المطر ينزل من السَّحاب، يسوق الله هذا السَّحاب، ثم ينزل هذا السَّحاب ماء، بعد أن يتبخر من البحار، فلعلَّ الأخ السَّائل يعلم أنَّ البحار تكون حوالي ثلاثة أرباع هذه الكرة. فنسبة (71 %) من مساحة هذه الأرض الَّتي نعيش عليها مياه: محيطات وبحار. وتتسلط على هذه البحار أشعة الشمس القوية، فتبخرها. والتبخر شيء نراه: نراه على القدر فوق النار، ونراه في البحار، ونراه في آثار الرطوبة الَّتي نُحسُّها.
فالمساحات الضخمة هذه، أين يذهب بخارها؟ يذهب بخارها إلى أعلى، حتَّى يلامس جوًّا باردًا، أو يحتك بقمم الجبال أو نحو ذلك، ممَّا يشرحه الشارحون ويعرفه الدارسون، فينزل المطر فعلًا، ويسلكه الله ينابيع في الأرض، ويجريه أنهارًا فيها، فأصل المطر في الحقيقة من الأرض، أصل الماء الَّذي يجري في الأرض نهرًا، أو يفيض منها عيونًا، أصله من الأرض. فقد خلق الله الأرض، وخلق فيها كمية المياه اللازمة لها، ليخرجها منها. فهذا ثابت في سورة النازعات، حيث يقول الله 4 : ﴿وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا﴾[النازعات: 30، 31]. كيف يقول: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا﴾. مع أنَّ الماء ـ أو معظمه ـ نازل من فوق، وليس خارجًا من الأرض؟ إنَّما قال ذلك، لأن أصله من الأرض.
وقد أدرك هذا العرب والمسلمون من قديم، حتَّى قال الشاعر يصف السّحب:
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ
مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ(1)
ويقول شاعر آخر في ممدوحه:
كَالبحْرِ يُمْطِرُه السَّحَابُ ومَا لَهُ
فَضْلٌ عَلَيْهِ لأنَّه مِنْ مَائِهِ(2)!
فهم قد أدركوا هذا وقالوه، وأسهبوا فيه، فكيف ـ ونحن في عصر العلم والنور ـ ننكر هذا ولم ينكره أسلافنا؟
إنَّ الشيء الَّذي يخلقه الله بتدبير علوي سماوي يصح أن نقول فيه: «أنزله الله» وهكذا جاء القرآن، فقال: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ﴾[الزمر: 6]. هل نزلت الأنعام من السَّماء؟ ويقول: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾[الحديد: 25]. فهل أنزل الله الحديد؟ أم نستخرجه من باطن الأرض؟ إن معنى الإنزال هنا أن الله خلق ذلك بتدبير علوي سماوي فوقي. فهذا هو المقصود.
فليطمئن الأخ السَّائل المسلم، على أنَّه ليس هناك أبدًا تناقض بين العلم والدين ـ كما قلت ـ ، وإن كان ـ للأسف ـ كما أخبرني بعض الزملاء من النَّاس ممَّن ينتسبون إلى علم الدين من ينكر هذا ويقول: إن الماء لا ينزل من السَّحاب، إنَّما السَّحاب غربال فقط، وإنَّما ينزل من السَّماء. وهذا شيء لا يصح أن يقال، ولا يصح أن يعارض به العلم، ولا أن يقال أبدًا؛ إن القرآن يناقض هذا، فالقرآن كما قلت واضح في هذا، وحسبنا قوله:﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا﴾[النازعات: 31].
1. البيت لأبي ذؤيب يصف السحابات، كما في تاج العروس مادة (ش. ر. ب). والنئيج: الصوت والحركة، كما في لسان العرب مادة (ن. أ. ج).
2. من شعر عبد الله الأسطرلابي. انظر: النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (5/275)، نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي، نشر دار الكتب، مصر.