2026-06-02
585
قُل خيرًا أو اصمُت
قال رسول الله ﷺ : «قل خيرًا أو اصمت». فهل الكلام الكثير حرام على ضوء هذا الحديث؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جاء عن النبيِّ ! أحاديث عديدة، تحذر من آفات اللسان: منها: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمُتْ»(1).
وجاء عنه: «رحم الله امرأً قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم»(2) فالكلام الكثير يؤدِّي إلى أن يتورَّط الإنسان في أخطاء كثيرة، فاللسان له آفاتٌ بلَّغها الإمام الغزالي عشرين آفة(3) من الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والخوض في أعراض
النَّاس، والكلام فيما لا يعنيه، والاستهزاء بالآخرين، والسخرية منهم، وغير ذلك كثير.
بل إن الشيخ عبد الغني النابلسي وصَّل آفات اللسان إلى اثنتين وسبعين آفة، وجاء بتفصيلات كثيرة على ذلك.
فإذا أكثر المرء من الكلام، فهو معرض لأن يخطئ، وأن يتناول الأعراض، وأن ينهش لحوم النَّاس في غيبتهم، ولهذا كانت السّلامة في الصمت. وليس معنى هذا أن يطبق الإنسان شفتيه، ولا ينبس ببنت شفة، لا.. وإنَّما ليحرص على ألا يتكلم إلَّا بالخير، وبما يرضي الله عز وجل. ومن هنا قال النَّاس من قديم: إذا كان الكلام من فضة، كان السّكوت من ذهب. وقال الشاعر:
احفظْ لسانَكَ أيُّها الإنسانُ
لا يلدغنَّكَ إنَّه ثُعْبَانُ
كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه
كانت تهابُ لقاءَه الشُّجعانُ(4)
حتَّى في الدنيا، وليس في الآخرة فقط، يجد الإنسان نتيجة أخطاء اللسان، فيؤذَى ويصاب بالأضرار الجسيمة بسبب لسانه. ففلتات اللسان هذه ينبغي الحذر منها. ولهذا قيل:
يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانِه
وليس يموتُ المرءُ من عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فعثرتُه من فِيه ترمي برأسِه
وعثرتُه بالرِّجل تُشفى على مهلِ(5)
وقالوا: أنت مالك الكلمة، فإذا قلتها ملكتك.
ولهذا ينبغي ألَّا يكون الإنسان ثرثارًا.
وأكثر النَّاس الَّذين يكثرون الكلام يُخطئون، ويصبحون مضغة في الأفواه، ولهذا يجب على المؤمن الَّذي يراقب الله ويخشاه، أن يعلم أن كلامه من عمله، محسوب له أو عليه. فإن قلم التسجيل الإلهي لا يعدو كلمة يتفوه بها الإنسان، إلَّا ويدونها في كتاب.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ١٦ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌۭ ١٧ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ﴾[ق: 16 ـ 18].
فمن علم أنَّ كلامه مثل عمله تمامًا، مكتوبٌ ومحسوبٌ ومحصًى عليه، قلَّ كلامه إلَّا فيما يعنيه، وهذه هي السَّلامة.
فقلْ خيرًا تغنم، واسكتْ عن شرٍّ تسلم.
1. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6018)، ومسلم في الإيمان (47)، عن أبي هريرة.
2. رواه ابن المبارك في الزهد (380)، وابن أبي الدنيا في الصمت (64)، وابن أبي عاصم في الزهد (9)، عن خالد بن أبي عمران.
3. إحياء علوم الدين (3/108) وما بعدها.
4. روى البيتين البيهقي عنه أنَّه قال: كنت باليمن فقرأت على باب صنعاء أو عدن مكتوبًا. فذكرهما. انظر: في مناقب الشافعي (2/87)، تحقيق السيد أحمد صقر، نشر مكتبة دار التراث، القاهرة، ط 1، 1390هـ ـ 1970م.
5. من شعر جعفر الصادق، كما في العقد الفريد لابن عبد ربه (2/303)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1404هـ .