المقالات

❓ أيُّ الرأيين أصحُّ في أُمِّيَّة النَّبيِّ ورفع اليدين في الصلاة ونصاب الزروع والثمار؟

📅 2026-06-03 👁 757 مشاهدة

نص السؤال:

اختلف عالمان من العلماء عندنا في عدة مسائل إسلامية، فالرجاء من فضيلتكم أن تفيدونا بإيضاح الحقِّ والصواب في ضوء الكتاب والسُّنَّة.
يقول الشيخ عبد السَّلام ديانت ابن القاضي محمَّد ديانت:
1 ـ إنَّ النَّبيَّ كان في البداية أميًّا لا يعرف الكتابة، أما بعد فترة فقد علمه الله الكتابة والقراءة، حتَّى كتب تعاويذ بيده.
2 ـ كان رفع اليدين في الصلاة مشروعًا في أوَّل الإسلام، لأنَّ المنافقين كانوا يحملون معهم أصنامًا إلى الصلاة، فالرفع كان مشروعًا لتبيين أمرهم، أما بعد فترة فقد نُسخ رفع اليدين، وصار حكمه منسوخًا إلى الأبد.
3 ـ أنّ العُشر يجب فيما أخرجته الأرض قليلًا كان أو كثيرًا، وما جاء في السّنة مقدار معين. أما الخمسة أوسق الَّتي جاءت في الحديث، فهي للتجَّار الَّذين يشترون الزرع. انتهى كلام الشيخ عبد السَّلام.
وقد خالف هذا الشيخ عالم آخر من العلماء وهو الشيخ عبد الله ريكي، وهو يقول:
1 ـ إنَّ النَّبيَّ كان أُميًّا إلى أن انتقل إلى رحمة ربه، ولا بأس بالأُمِّيَّة، ولا تعد الأُمِّيَّة نقصًا في رسالته.
2 ـ رفع اليدين في الصلاة سُنَّة، وليست بمنسوخة ويعمل بهذه السُّنَّة إلى يوم القيامة.
3 ـ العشر لا يجب في أقلِّ من خمسة أوسق، وهي ما يقارب (650) كيلو جرام وقيل (665).
نرجو البيان الشافي، نفع الله بكم، وجزاكم الله خيرًا.
2 ـ رفع اليدين في الصلاة سُنَّة، وليست بمنسوخة ويعمل بهذه السُّنَّة إلى يوم القيامة.
3 ـ العشر لا يجب في أقلِّ من خمسة أوسق، وهي ما يقارب (650) كيلو جرام وقيل (665).
نرجو البيان الشافي، نفع الله بكم، وجزاكم الله خيرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فالذي أراه وأرجِّحه في ضوء الأدلَّة الشرعيَّة، هو رأي العالم الثاني، وغفر الله للعالم الأول، وإن وافق في آرائه هذه بعض العلماء السَّابقين؛ ولكن بعض تعليلاته لم تُعرف من قبل، وليست مقبولة منطقيًّا، ونرجو له أن يرجع إلى الحقِّ إذا تبيَّن له.
1 ـ أمية النَّبيِّ :
أمَّا أُمِّية النبيِّ، فلا ريب أنَّ النَّبيَّ كان «أميًّا» من بداية حياته إلى نهاية العهد المكي، والصحيح أنَّه ظلَّ أميًّا إلى نهاية حياته، فعاش ومات أميًّا، والأميَّة معجزة بالنسبة إليه، وصفة نقص؛ بالنسبة لنا.
وقد دلَّت على أُمِّيَّته النُّصوص المتوافرة، وحقائق السّيرة والتاريخ.
فأمَّا النُّصوص، فقد قال تعالى في أهل الكتاب:﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ[الأعراف: 157].
وقال:﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[الأعراف: 158].
وقال تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ[الجمعة: 2].
والأمِّيُّ في هذه الآيات له معنيان:
الأول: من لا يقرأ ولا يكتب.
والثاني: من ليس له كتاب ديني مثل التوراة والإنجيل.
وهذا المعنى الثاني محتمل في هذه الآيات، ولكن يرجح المعنى الأول آية كريمة وحديث شريف.
فأما الآية فقوله تعالى:﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ[العنكبوت: 48].
فقوله:﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟نفي للقراءة، وقوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَنفي للكتابة.
وقوله:﴿إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَبيان للعلة الَّتي جعله الله من أجلها أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، حتَّى لا يرتاب ويتشكك المبطلون، ويقولوا: إنَّما قرأ كتب الأقدمين وجاء منها بهذه الأشياء. فأميته المحققة نفت هذه الريبة بلا نزاع.
وأما الحديث الشريف، فما رواه الشيخان عن ابن عمر أنه ! قال: «نحن أُمَّة أُمِّيَّة، لا نكتبُ ولا نحسُب»(1). فقد فُسِّر أُمِّيَّة الأُمَّة بنفي الكتابة والحساب عنها، وهذا تعريف معتبر عند الكثيرين من التربويين اليوم للأمِّيِّ: وأنَّه هو الَّذي لا يكتب ولا يحسُب، أي لا يعرف الحساب.
وهذه الأُمِّيَّة ـ كما قلنا ـ مأثرة ومعجزة للنَّبيِّ إذ كيف يصدر عن هذا الأميِّ كلَّ هذه العلوم النافعة، وهذه الحكم البالغة، وهذه الكلم الجامعة، وهذه التشريعات العادلة، وهذه الآداب الباهرة، وهذه التوجيهات الرشيدة.
وقد قال البُوصِيري 5 في بردته:
كفاكَ بالعلمِ في الأميِّ مُعْجزةً
في الجاهليَّةِ والتأديبِ في اليُتُمِ(2)!
وقد توهَّم بعض العلماء أنَّ النَّبيَّ 0 : في آخر حياته عرف الكتابة، بدليل أنَّه محا اسمه ! من وثيقة صلح الحديبية؛ حين رفض عليٌّ 3 أن يمحوَها.
ولا يستبعد من فعله ! أنه يعرف صورة اسمه وصفته «محمَّد رسول الله» ويمحو الكلمة الَّتي بعد الاسم، أو يكون معنى «محاها» أنه أمر بمحوها، كما يقال: كتب السّلطان لفلان بكذا، أي أمر به، وكما نقول: بنى أبو جعفر المنصور مدينة بغداد، والمراد: أمر ببنائها.
وممن ذهب إلى أنَّه 0 : عرف الكتابة في أواخر حياته: أبو الوليد الباجي، أحد أعلام المالكية المغاربة، وشارح «الموطأ»، ولما قال ذلك طُعن فيه ورُمي بالزَّندقة، وسُبَّ على المنابر، وقد دافع عن نفسِه بالمناظرة، والكتابة إلى علماء الأطراف(3).
وجلُّ ما اعتمد عليه الباجي ومن وافقه أو وافقهم: حديث البخاري ومسلم في صلح الحُدَيَبية، وفيه: فأخذ رسول الله الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمَّد بن عبد الله» الحديث(4).
والحديث يعلن صراحة أنه «ليس يُحسِن يكتب». وأمَّا كتابته: هذا ما قضى عليه محمَّد بن عبد الله. بدلًا ممَّا كان كتبه علي: محمَّد رسول الله. فلا يدلُّ على أكثر من معرفته ببعض الكلمات مثل «محمد بن عبد الله» ولكنَّ هذه المعرفة محدودة لا تنقله من أميِّ إلى كاتب.
وقد رُوِيَت لنا حياته وسيرته مفصَّلة، فلم يعرف أنه كتب إلى ملك أو أمير أو ما هو دون ذلك، أو كتب شيئًا من القرآن المنزل عليه.
وممَّا استدلُّوا به، ما رواه ابن ماجه مرفوعًا: «رأيت ليلة أسري بي مكتوبًا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر»(5). والقدرة على القراءة فرع الكتابة.
والحديث ممَّا تفرد به ابن ماجه عن أصحاب السُّنن، وذكر البُوصيري في زوائد ابن ماجه، أن في إسناده راويًا ضعيفًا، وقال الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير: ضعيف جدًّا(6)، فلا يعوَّل عليه. على أنَّ المتن مخالف للعقل؛ إذ كيف يكون القرض الَّذي يرد أفضل من الصدقة الَّتي لا ترد.
على أنَّ الحديث يمكن تأويله.
وقد ألَّف الشيخ أحمد بن حجر قاضي المحكمة الشرعيَّة الأولى في قطر كتابًا فنَّد فيه دعاوى القائلين بمعرفته للكتابة، سماه «الرد الوافر على من نفى أُمِّيَّة سيد الأوائل والأواخر». فليُرجع إليه.
وأمَّا ما قيل من أنَّه كتب تعاويذ بيده، فهذا لم يثبت عنه ، وإنَّما كان يستعيذ بالله تعالى، وصحَّت عنه استعاذات كثيرة وفيرة، وكان يعوِّذ بعض النَّاس ـ وخصوصًا الأطفال ـ بالله تبارك وتعالى، كما كان يقول للحسن والحسين: «أعيذكما بكلمات الله التامَّة، من كلِّ شيطان وهامَّة، ومن كلِّ عين لامَّة»(7).
ولا أعرف مصدرًا معتمدًا قال: إنَّه ! كتب تعاويذ بيده. وكأنَّما يريد هذا القائل أنَّ يضمه ! إلى زمرة الَّذين يروِّجون هذه الأشياء بين العوامِّ، وهو ! قد أعلن حربًا على الَّذين يتاجرون بالكهانة والعرافة، والتمائم والرُّقى الشركيَّة ونحوها. كما صحَّت بذلك الأحاديث.
2 ـ رفع اليدين في الصلاة
رفع اليدين في الصلاة متَّفق عليه بين جميع المذاهب في تكبيرة الإحرام، ومختلف فيه في التكبير عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام إلى الركعة الثالثة.
فالحنفيُّون يرون أنَّه لا يشرع رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام، اتِّباعًا لما رواه ابن مسعود 3 ، في وصف صلاة الرسول (8).
والجمهور يرون أنَّ رفع اليَدَيْن سُنة عند الركوع وعند الرفع منه، خلافًا للأحناف، ودليلهم على ذلك ما رواه عدد من الصحابة في وصف صلاة الرسول (9).
ولا أعرف للتعليل الَّذي ذكره الأخ في سؤاله أصلًا، ولا وجهًا. والمنافقون إنَّما كانوا في المدينة، ولم ينقل قط أنَّهم كانوا يحملون الأصنام معهم إلى الصلاة، كلُّ ما ذكره القرآن عنهم: أنَّهم﴿وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا[النساء: 142].
وهل يُعقل أن يحمل المنافقون الأصنام وهم يصلُّون مع الصحابة الكرام، خلف رسول الله ؟! وكيف يمكن ذلك وهم يدعون الإسلام ويتظاهرون به أمام المسلمين؟!
ثم ما علاقة ذلك برفع اليدين؟ لم أفهم حقًّا وجه الارتباط بين هذه الدعوى الزائفة وبين رفع اليدين؟
أمَّا بالنسبة إلى تكبيرة الإحرام؛ فما أظن قائل هذا الكلام الغريب ينكرها، لأنَّها ثابتة بالسنة القولية والعملية المستفيضة عن النبيِّ ، وعن أصحابه وخلفائه الراشدين، وتناقلتها الأمة جيلًا بعد جيل.
فقد روى ذلك عن النبيِّ نحو خمسين رجلًا من الصحابة منهم العشرة المبشَّرون بالجنة، ورواه كثير من الأئمَّة عن جميع الصحابة من غير استثناء. وقال الشافعي: روى الرفع جمع من الصحابة. لعلَّه لم يرد قط حديث بعدد أكثر منهم(10). وقال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله كان يرفع يديه(11). وقال البخاري في جزء رفع اليدين: روى الرفع سبعة عشر نفسًا من الصحابة(12). وسرد البيهقي في «السنن» وفي «الخلافيات» أسماء من روى الرفع نحوا من ثلاثين صحابيًّا. وقال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله يرفعون أيديهم، ولم يستثنِ أحدًا منهم. كذا في التلخيص(13). وقال النووي في شرح مسلم: أجمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام، وإنَّما اختلفوا فيما عدا ذلك وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري وأبو الحسن أحمد بن سيار والنيسابوري والأوزاعي والحميدي وابن خزيمة(14).
وأمَّا الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه، فقد رواه زيادة على عشرين رجلًا من الصحابة عن النبيِّ . وقال محمَّد بن نصر المروزي: إنَّه أجمع علماء الأمصار على ذلك، إلَّا أهل الكوفة.
وأمَّا الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة، فهو ثابت في الصحيح من حديث ابن عمر(15)، وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والتِّرْمِذيّ وصحَّحه(16)، وصحَّحه أيضًا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب(17)، عن النبيِّ (18).
وفي «حجة الله البالغة»: «فإذا أراد أن يركع رفع يديه حذو منكبيه، وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السُّجود، وهو من الهيئات الَّتي فعلها النَّبيُّ مرَّة، وتركها أخرى، والكلُّ سُنَّة، وأخذ بكلِّ واحدٍ جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهذا أحد المواضع الَّتي اختلف فيها الفريقان: أهل المدينة وأهل الكوفة، ولكلِّ واحدٍ أصل أصيل؛ والحق عندي في مثل ذلك أنَّ الكل سُنَّة، ونظيره الوتر بركعة واحدة أو بثلاث. والَّذي يرفع أحبُّ إليَّ ممَّن لا يرفع، فإنَّ أحاديث الرفع أكثر وأثبت، غير أنَّه لا ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده، وهو قوله : «لولا حِدْثانُ قومِكِ بالكُفر، لنقضتُ الكعبة»(19).
ولا يبعد أن يكون ابن مسعود 3 ظنَّ أنَّ السُّنة المتقرِّرة آخرًا هو تركه؛ لما تلقَّن من أنَّ مبنى الصلاة على سكون الأطراف، ولم يظهر له أن الرفع فعلٌ تعظيمي، ولذلك ابتدئ به في الصلاة، أو لما تلقَّن من أنه فعل يُنبئ عن الترك، فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة، ولم يظهر له أن تجديد التنبُّه لترك ما سوى الله تعالى عند كلِّ فعلٍ أصلي من الصلاة مطلوبٌ، والله تعالى أعلم»(20). انتهى.
وهذا كلام إمام مجدِّد مصلح حكيم، يجب الاعتناء به، وخصوصًا قوله: لا ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور أن يُثير على نفسه عوامَّ بلده.
وأذكر أنَّ الداعية الإسلامي الكبير الشيخ أبا الحسن النَّدْوي في أوائل اتِّصاله بالعالم الإسلامي خارج الهند، وهو في شَرْخ الشباب، كان قد اقتنع بأنَّ رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه سُنَّة، وبعد عودته إلى بلده شرع يطبِّق ذلك ويحرص عليه، وهو يؤم النَّاس في الصلاة، فلم يلبث أن انصرف النَّاس عنه، وأساؤوا الظنَّ به، ولهذا قرَّر الشيخ أن يعمل بنصيحة الحكيم الدَّهْلوي، ويتجنَّب فتنة إثارة العوامِّ، حتَّى يجنِّدهم لما هو أهم من هذا الأمر، الَّذي ليس أكثر من مستحب عند من قال به.
وفي «التكميل» للشيخ رفيع الدين الدهلوي ولد صاحب «الحجَّة البالغة»: اختلفوا في سنيَّة رفع اليدين في الصلاة بعد التحريمة، مع اتفاقهم على أنه لم يصح فيه أمر باستحباب، ولا بيان فضيلة، ولا نهي عن الصحابة عنه قط، وعلى أنه ثبت عنه فعله مدَّة، إلَّا أنه زاد ابن مسعود فقال: ألَا أصلي بكم صلاة رسول الله ، فلم يرفع يديه إلَّا في أوَّل مرة(21). وظاهرٌ أنه لم يرد تركه أبدًا، وإنَّما أراد تركه آخرًا، كما يشعر به بعض ما ينقل عنه: أنَّ آخر الأمرين ترك الرفع. ولا يُدرى مدَّة الترك، فيحتمل أنه تركه في أيام المرض للضعف، فظنَّ قوم أن سنيَّته كانت بمجرد الفعل، فبطلت بالتَّرك. وقوم أن الترك بعذر وبغير نهي لا ينفي السُّنِّيَّة، كترك القيام للفرض بالعذر، فهي إذا باقية.
فلا مناقشة للمجتهدين في أصل سنِّيته في الجملة، ولا في بقاء جوازه، وإن منعه بعض المتعصبة؛ إذ ليس ممَّا يخالف أفعال الصلاة لبقائه في التحريمة والقنوت والعيدين، فلا نكير على فاعله لأحد، بل في بقاء سنيَّته بناء على الظنِّ، فلا نزاع إلَّا في المواظبة والرجحان، وحيث واظب عليه جمع بلغوا حد الاستفاضة فوق الشهرة، ولم يتعرض لفعلهم، كما تعرض لرفع اليد في السّلام حيث قال: «ما بال أيديكم، كأنَّها أذنابُ خيلٍ شُمُس؟»(22). وهو كان يرى خلفه كما يرى أمامه، فثبت بقاء سنِّيته، وتركه أحيانا، كما رواه ابن مسعود والبراء بن عازب، وعدم التعرض لتاركه يقضي بسقوط تأكيده، ولم يبلغ أبا حنيفة 5 خبر هذا الجمع، إنَّما روى له الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر ^ ، فرجح عليه أبو حنيفة حمادًا، عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، بكثرة الفقه لا بكثرة الحفظ، فكأنَّه ظنَّ أنَّه تفطن ابن مسعود للنسخ دون ابن عمر، حيث لم يرفع إلَّا في التحريمة، بناء على أن السُّكوت في معرض البيان يفيد الحصر، وما يُذكر عن الشافعي من عدم الرفع عند قبره مشعر بعدم التأكيد. انتهى.
وفي «تنوير العينين» للشيخ محمَّد إسماعيل الشهيد الدهلوي حفيد صاحب «حجة الله البالغة»: أنَّ رفع اليدين عند الافتتاح والركوع والقيام منه والقيام إلى الثالثة سنَّة غير مؤكدة من سُنَن الهَدْي، فيُثاب فاعله بقدر ما فعل، إنْ دائمًا فبحسبه، وإنْ مرَّة فبمثله، ولا يُلام تاركه وإن تركه مدَّةَ عُمُره، وأما الطاعن العالم بالحديث ـ أي من ثبت عنده الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة ـ فلا إخاله إلَّا فيمن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى.
ونريد بسُنَّة الهَدْي هاهنا: فعل غير فرض، وغير مختص بالنَّبيِّ ؛ فعله هو والخلفاء الراشدون @ ، أو أمروا به وأقرُّوا عليه قربة، ولم ينسخ ولم يترك بالإجماع.
وبغير المؤكَّدة: ما فعلوه مرَّة وتركوه أخرى، فبقولنا: فعل خرج به عدم الرفع؛ فإن العدم ليس بفعل؛ نعم إذا كان العدم مستمرًّا في زمان النَّبيّ والخلفاء الراشدين @ ، فقطعه يكون بدعة. وليس في مفهوم البدعة إزالة السُّنَّة، حتَّى يلزم كون العدم سُنَّة، بل مفهومها فعل لم يفهم في زمنهم.
وبقولنا: غير فرض، خرجت الفرائض كلِّها.
وبقولنا: غير مختصٍّ، خرجت النوافل المختصة بالنَّبيِّ ، كالوصال في الصوم.
وبقولنا: لم ينسخ، خرجت السُّنن المنسوخة، كالقيام للجنازة.
وبقولنا: لم يُترك بالإجماع، خرجت السّنن المتروكة به كالرفع بين السّجدتين. انتهى. وفيما لا بدَّ منه أن رفع اليدين عند الإمام الأعظم ليس بسنة، ولكن أكثر الفقهاء والمحدثين يثبتونه انتهى.
وفي «سفر السَّعادة» أنَّ الأخبار والآثار الَّتي رويت في هذا الباب تبلغ إلى أربعمائة انتهى. قال شارحه الشيخ عبد الحقِّ الدهلوي: إنَّ الرفع وعدم الرفع كلاهما سُنَّة انتهى. وقد مرَّ الجواب عنه، وفي «سفر السَّعادة» ـ العربي ـ : وقد ثبت رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة؛ ولكثرة رواته شَابَه المتواتر، فقد صحَّ في هذا الباب أربعمائة خبر وأثر. رواه العشرة المبشَّرة، ولم يزل على هذه الكيفية حتَّى رحل عن هذا العالم ولم يثبت غير هذا. انتهى بعبارته.
ونقل ابن الجوزي في «نزهة الناظر للمقيم والمسافر» عن المُزَنِيِّ أنَّه قال: سمعتُ الشافعيَّ يقول: لا يحلُّ لأحدٍ سمع حديثَ رسول الله في رفع اليدين في افتتاح الصلاة، وعند الركوع والرفع من الركوع، أن يترك الاقتداء بفعله . وهذا صريح في أنَّه يوجب ذلك انتهى.
وبالجملة فقد ثبت رفع اليدين في المواضع الأربعة المذكورة بروايات صحيحة ثابتة، وآثار مرضية راجحة، ومذاهب حقة صادقة عن النبيِّ ، وعن كبراء الصحابة وعظماء العلماء والمجتهدين، بحيث لا يشوبها نسخ ولا تعارض، حتَّى ادعى بعضهم التواتر، ولا أقلّ من أن تكون مشهورة. كذا في «التنوير»(23).
3 ـ نصاب ما أخرجت الأرض:
ذهب بعض أئمَّة السَّلف إلى أنَّ العُشر أو الزكاة فيما أخرجت الأرض ليس له نصاب، فيجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره.
رُوِيَ ذلك عن عمر بن عبد العزيز 3 ، وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة، وداود الظاهري.
وخالف أبا حنيفة صاحباه أبو يوسف ومحمد، واتفقا مع ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ العشر لا يجب فيما دون خمسة أوسق(24)، مستدلِّين بالحديث الصحيح «ليس فيما دونَ خمسةِ أوسُقٍ صدقة»(25).
وقد رجَّحنا هذا المذهب في كتابنا: «فقه الزكاة»(26).
وإذا كنَّا رجَّحنا قول أبي حنيفة في إيجاب الزكاة في كلِّ ما أخرجت الأرض، فإنَّنا نخالفه في عدم اعتبار النصاب، وإيجابه العشر في القليل والكثير من الزرع والثمر، فإن هذا مخالف للحديث الصحيح الَّذي نفى وجوب الزكاة عمَّا دون خمسة أوسق، ومخالف لنظرية الشَّريعة ـ بصفة عامَّة ـ في إيجاب الزكاة على الأغنياء وحدهم، والنصاب هو الحد الأدنى للغِنَى، ولهذا اعتبر النصاب في سائر الأموال الزكوية.
ولا يجوز معارضة حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». بحديث: «فيما سقت السَّماء العشر...» بدعوى أن هذا عام، وقد عارضه ذلك الخاص، ودلالة العام قطعيَّة كالخاص، وإذا تعارض قدّم الأحوط، وهو الوجوب.
نعم، لا يقال ذلك، بل يقال ما قاله ابن القيِّم في هذا الموضوع:
«يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر ولا إلغاء أحدهما بالكلية؛ فإنَّ طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا. ولا تعارض بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: «فيما سقت السَّماء العُشْر» إنَّما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين؛ مفرقًا بينهما في مقدار الواجب، وأمَّا مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيَّنه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النَّصّ الصحيح الصريح المحكم، الَّذي لا يحتمل غير ما دلَّ عليه البتَّة إلى المجمل المتشابه، الَّذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يُقْصَد. وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النُّصوص؟»(27).
وقال ابن قدامة: لنا قول النَّبيّ  : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». متفق عليه. وهذا خاص يجب تقديمه، وتخصيص عموم ما رووه به، كما خصصنا قوله: «في كلّ سائمة من الإبل الزكاة»، بقوله: «ليس  فيما دون خمس ذُود صدقة». وقوله: «في الرقة ربع العشر»، بقوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». ولأنَّه مال تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره، كسائر الأموال الزكوية.
«وإنَّما لم يعتبر الحول؛ لأنَّه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره، لأنَّه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال، والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه، فلهذا اعتبر فيه».
«يحققه: أن الصدقة إنَّما تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغِنَى بدون النصاب كسائر الأموال الزكوية»(28).
← العودة لقسم السيرة النبوية