2026-06-04
871
المقتول ميت بأجله
عندما يموت الإنسان هل يكون هذا هو الأجل، سواء أمات على فراشه حتف أنفه، أم قتل، أم كان موته في حادث سيارة، أو غرق، أو حريق، أم كان بسبب عدم اعتناء بنصائح الطبيب؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الإنسان لا يموت قبل أجله، هذا هو مذهب أهل السُّنَّة، وقالت المعتزلة: إنَّ الإنسان لو لم يمت بالقتل أو المرض لطال عمره! وهذا باطل ليس عليه دليل من كتاب ولا سنَّة، فالإنسان يموت بأجله الَّذي أُجِّل له، حتَّى وإن قُتِل أو انتحر، فالله تعالى يقول:﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[الأعراف: 34]. ويقول:﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[المنافقون: 11]. ويقول:﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[نوح: 4].
فالأجل لا يُقَدَّم ولا يؤخَّر، فكلُّ إنسانٍ يموت في موعده المحدَّد له، قد يموت مقتولًا، وقد يموت بحادث، وقد يموت بسبب عدم الاهتمام بنصائح الطبيب.
وليس معنى أنه يموت بأجله رفع المسؤولية عنه إن قصَّر، أو عن غيره إذا كان سببًا في موته، فالمقتول يموت بأجله، ولكن ليس معنى هذا أن القاتل لا تبعة عليه، أو لا ذنب عليه، أو لا يؤاخذ بهذا، أو أن يقول القاتل: هو مات بأجله، وأنا لم أقدِّم أجله. صحيح هو مات بأجله، ولكن أجله أيضًا مبنيٌّ على سبب، والإنسان مسؤول عن الأسباب الداخلة في الاستطاعة، فإذا مات بأجله مقتولًا، فالقاتل مسؤول عن هذا، ومحاسب على جريمة القتل.
وكذا لو قتل إنسان نفسه، سيحاسب على ذلك، قال رسول الله ﷺ : «ومن قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة»(1). فأرواحنا ليست ملكًا لنا، إنَّما هي ملك لله، هي وديعة وأمانة يجب أن نحافظ عليها، ولذلك حرَّم الإسلام الانتحار أشد التحريم وشدد في ذلك، يقول النَّبيّ ﷺ : «من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردَّى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسَّى سمًّا فقتل نفسه، فسمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا»(2).
وهناك نوع من الانتحار البطيء، الإنسان يقتل نفسه قتلًا بطيئًا بتناول أشياء مضرة، بتناول المسكرات والمخدرات والدخان (التبغ) والإدمان عليها، هذا أيضًا جانٍ على نفسه، ومسؤول أمام الله عز وجل، فالإنسان يجب أن يحافظ على نفسه، فنفسه ليست ملكًا له، وجسمه ليس ملكًا له، الله تعالى هو صاحب هذا كله.
والمجتمع له حق في الإنسان، والأسرة لها حق فيه، فالإنسان صاحب الزوجة، وصاحب العيال، أليس مسؤولًا عن زوجه، وعن عياله وعن أولاده؟ لذلك هم لهم حق في جسمه، ولهم حق في عقله، ولهم حق في نفسه، ولهم حق في ماله، فلا يجوز له أن يلغي عقله، أو يضعف جسمه، ولا يجوز له أن يبذر ماله، ولا يجوز له أن يقتل نفسه قتلًا سريعًا أو بطيئًا.
كلُّ هذا قرَّره الإسلام بوضوح، وينبغي للمسلم أن يرعاه وأن ينتبه له، وأن يعرف توجيه الله تعالى في هذه الأمور.
ومن مات بسبب مخالفته قوانين المرور، كأن يقود بسرعة زائدة عمَّا هو مقرر، أو بسبب أنه لم يقف عند الإشارة الحمراء، فاصطدمت سيارته بشيء فمات، فهو مسؤول عن هذا؛ لأنَّه قد ساعد على قتل نفسه.
وكذلك لو مات الإنسان؛ لأنَّه لم يعمل بأوامر الطبيب، وأهمل نصائحه.
فموت الإنسان في الأجل المحدد له، لا يمنع مسؤولية الإنسان، فإذا قصَّر تقصيرًا تسبب في موته فهو محاسب على تقصيره، وإذا فرَّط فهو مسؤول عن تفريطه.
وهذا داخل في القضاء والقدر، فالقضاء والقدر عامة لا ينافي مسؤولية الإنسان عن عمله، جيء بسارق إلى سيدنا عمر، فقال له: لم سرقتَ؟ قال: أمر قضاه الله عليَّ، فأمر عمر أن تقطع يده ويجلد. ثمَّ قال: أمَّا القطع لسرقته، وأما الجلد فلكذبه على الله(3).
فالموت له أجل محدد لا يتقدم ولا يتأخر، وله مسببات تتسبب فيه، والشرع ربط بين الأسباب والمسببات، لذا فقد شرع التداوي لعلاج الأمراض، كما جاء في الحديث: «تداووا، فإن الله ﷻ لم يضع داء إلَّا وضع له دواء، غير داء واحد: الهَرَم»(4). والهرم هو الشيخوخة. وقال: «ما أنزل الله داء، إلَّا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله»(5). وقد سُئل النَّبيُّ ﷺ : أرأيت رُقًى نسترقيها ودواء نتداوى به وتُقاة نتَّقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله»(6).
والأسباب من قدر الله، والمسببات من قدر الله، فلا يجوز أن ننظر إلى المسببات وحدها أنَّها من القدر، وننسى الأسباب، الأسباب جزء من القدر أيضًا، الله كتب أن يموت الإنسان في مكانٍ معيَّن، وكتب أيضًا أن يكون الموت بسببٍ معيَّن، هذا مكتوب وهذا مكتوب، فلا بدَّ أن نراعي هذا وذاك، وندفع قدرًا بقدر، كما قال المحقِّقون من العلماء، ونحافظ على حياتنا وعلى حياة الآخرين ما استطعنا، ومن هنا يقول الله:﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾[البقرة: 195]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا﴾[النساء: 29]. ويقول النَّبيُّ ﷺ : «لا ضرر، ولا ضرار»(7).
لا بد أن نراعي هذا كله، وبعد ذلك، إذا حدثت أمور ليست في حسابنا بعد أن أخذنا الاحتياط والحذر الكافيين، كما قال الله: ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾[النساء: 102]؛ نسلم لها، ونصبر عليها، كما علَّمنا رسول الله ﷺ : «وإن أصابك شيء، فلا تقلْ: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا. ولكن قلْ: قدر الله وما شاء فعل. فإن «لَوْ» تفتح عمل الشيطان»(8).
فالمؤمن يطمئنَّ في هذه الحالة أكثر من غيره؛ لأنَّه يعلم أن هناك أشياءَ ليس له تدبير فيها، هي من تدبير الله 8 :﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[التوبة: 51].
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6047)، ومسلم في الإيمان (110)، عن ثابت بن الضحاك.
2. سبق تخريجه صـ 137.
3. المنية والأمل للقاضي عبد الجبار صـ 19، تحقيق د. سامي النشار، نشر دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية.
4. رواه أحمد (18454)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود (3855)، والتِّرْمِذي (2038) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (3436)، والحاكم (4/399) وصححه ووافقه الذهبي، أربعتهم في الطب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2930)، عن أسامة بن شريك.
5. رواه أحمد (3578)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. والحاكم في الطب (4/399) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الضحايا (9/343)، وصححه الألباني في الصحيحة (451)، عن ابن مسعود.
6. سبق تخريجه صـ 15.
7. رواه أحمد (2865)، وقال مخرِّجوه: حسن. وابن ماجه في الأحكام (2381)، عن ابن عباس. ورواه الدارقطني في البيوع (3/77)، عن أبي سعيد الخدري، وقال النووي في الأربعين (الحديث الثاني والثلاثون): حديث حسن. رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فأسقط أبا سعيد. وله طرق يقوي بعضها بعضًا. وقال ابن الملقِّن: وصحَّحه إمامنا ـ أي الشافعي ـ في حرملة. خلاصة البدر المنير (2/438)، نشر مكتبة الرشد، ط 1، 1410هـ ـ 1989م. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه للحديث (2/210، 211): وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث. وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم.
8. رواه مسلم في القدر (2664)، وأحمد (8791)، عن أبي هريرة.