2026-06-04
875
كتاب «عمر أُمَّة الإسلام»
قرأتُ منذ عدَّة سنوات عن قرب ظهور المهدي المنتظر، وفتنة الدجال، ونزول سيدنا عيسى 0 : ، ولكن عدتُ وقرأتُ قريبًا عن هذا الأمر كتاب: «عمر أمَّة الإسلام وقرب ظهور المهدي»، للكاتب المصري: أمين محمَّد جمال الدين، ويتحدث فيه عن قرب الفتن والملاحم، الَّتي تبدأ بمعركة في فلسطين وقتل معظم اليهود، وحرب أخرى بين المسلمين واليهود، وقتل اليهود بأكملهم.
وقد بيَّن الكاتب الإسلامي أنَّ النهاية المحتومة على وشك الحدوث في أشهر قليلة، وربَّما سنوات معدودة على أصابع اليد، وربَّما لا تبلغ السنة أو السنتين، والموضوع يحتاج إلى وقفة طويلة لكي يتنبه الغافل، وقد بيَّن الكاتب بالدليل القاطع أن عمر أُمَّة الإسلام لن يتجاوز ألف وأربعمائة وخمسين سنة بأي حال من الأحوال، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، والعاصفة سوف تبدأ بعد السكون والهدوء بين المسلمين واليهود، والكتاب مليء بالأدلة والبراهين من الكتاب والسُّنَّة وكلام الأئمَّة، وكتب أهل الكتاب: العهد القديم، والعهد الجديد.
أرجو من فضيلتكم تذكير أُمَّة الإسلام بالاستعداد ليوم الرحيل، والتزوُّد بالتقوى لمجابهة الدجال، فقوَّة الإيمان ستكون هي المعيار الرئيسي للنجاة.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الكلام على عمر أُمَّة الإسلام، وعن موعد قيام الساعة أو فناء الأمَّة، لا أصل له، ولا دليل عليه، بل الأدلَّة على خلافه، الله تعالى يقول لرسوله: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: 187]. فأي توقيت لقيام للساعة هراء وباطل، ولما سأل جبريل 0 : النَّبيّ ﷺ في الحديث المشهور عن الساعة؟ قال عليه الصَّلاة والسلام: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»(1). أي: كلانا في عدم العلم بهذا الأمر سواء.
الله تعالى وحده عنده علم الساعة، كما جاء في الحديث: «مفاتيح الغيب خمسٌ، لا يعلَمها إلَّا الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ﴾[لقمان: 34](2)». فمن أين جاء الكاتب بتحديد موعد الساعة؟
هذا كلام لا أصل له، أعجب من هذا الأخ كيف يصدق مثل هذا الأمر؟! مشكلة بعض النَّاس أنه كلما قرأ كتابًا تأثَّر به، وهو لا يعرف قيمة الكتاب، ولا قيمة كاتبه، ولا قيمة الأدلَّة الَّتي أوردها، ولا قيمة البراهين الَّتي تذكر في مثل هذا الأمر، وأي براهين وهذا مخالف للقرآن، ومخالف للسنة، والأخ يقول: إن الكاتب يعتمد على القرآن، أي قرآن؟! القرآن واضح أن الساعة لا يعلمها إلَّا الله.
ظهر واحد من عدَّة سنوات، وادعى أنه يعرف متى تقوم الساعة، وأنا رددتُ عليه في كتابي: «فتاوى معاصرة»، فيا أخي لا تشغل نفسك بهذا، النَّاس تتزوَّد للرحيل، ليس لأنَّ الساعة العامَّة ستقوم، كلُّ واحد ستقوم ساعته، فمن مات فقد قامت قيامته، كل واحد ساعته آتية، فلا بدَّ أن يتزوَّد الإنسان لساعة الرحيل، كما قال الشاعر(3):
تزوَّدْ للذي لا بدَّ منه
فإنَّ الموتَ ميقاتُ العبادِ
أترضى أن تكونَ رفيقَ قومٍ
لهم زادٌ وأنت بغيرِ زادِ؟
فأرجو من الأخ أن يصحِّح فكرته، ويزيل هذه الأوهام من رأسه، ولا يتأثر بأيِّ كتاب يقرؤه.
وأحبُّ أن أبيِّن أنَّ أهل الكتاب ليسوا حُجَّة، فكتبهم حُرِّفَت وبُدِّلت، خاصَّة إذا كان ما فيها يناقض ما في القرآن، الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو ما صحَّ عن رسول الله ﷺ ، الَّذي لا ينطق عن الهوى.
كلُّ ما قاله النَّبيُّ ﷺ أنه قال: «بُعثتُ أنا والساعةَ كهاتين». وأشار بالسبابة والوسطى(4). كما قال القرآن: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ﴾ [محمد: 18]، وقال: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]، ﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]، ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا﴾ [الإسراء: 51].
هذا يدلُّ على القرب صحيح، لكنَّ عمليَّة القرب هذه لا نستطيع أن نحدد مقدارها، علمها عند الله وحده، فالقرب هذا أمر نسبيٌّ، اليهود كانوا يقولون: عمر الدنيا سبعةُ آلاف سنة. وهذا كلامٌ لا أصل له، ليس عندنا أي شيء من هذا، بل هذا ضد العلم وضد الدين؛ لأنَّ المعروف من تاريخ البشرية أكثر من هذا بكثير، فكيف بالمجهول من التاريخ؟!
وهناك أشراط وعلامات لا بدَّ أن تظهر قبل أن تقوم الساعة، ومنها فتح رومية، وأنا أرى أن الفتح سيكون بالدعوة والتبشير والعمل السلمي، وليس من الضروري أن يكون بالحرب، وقد ذكر القرآن سورة «الفتح» المبين، ولم يكن فيها حرب بل كان صلح الحديبية. وبعد ذلك يجيء المسيح الدجال، وينزل المسيح عيسى فيقتله، وتظهر دابَّة من الأرض تُكلِّم النَّاس، ثمَّ تطلع الشمسُ من مغربها فلا يُقْبَل إسلام أحد ولا توبته.
1. سبق تخريجه صـ 129.
2. رواه البخاري في التفسير (4778)، وأحمد (4766)، عن ابن عمر.
3. ذكرهما ابن الجوزي في بستان العارفين صـ 146، نشر مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط 2، 1419هـ ـ 1998م.
4. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (6504)، ومسلم في الفتن (2951)، عن أنس.