2026-06-13
1,035
تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة
ما قولكم فيما ذهب إليه الإمام الكبير: العز بن عبد السلام، في كتابه القيم «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» من تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، حسب الأحكام الشرعيَّة الخمسة. فهناك بدعة واجبة، وبدعة مستحبَّة، وبدعة محرَّمة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. وضرب مثلًا لكل واحدة من هذه البدع، فقال 5 :
البدعة: فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله ﷺ . وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة.
وللبدع الواجبة أمثلة:
أحدها: الاشتغال بعلم النحو الَّذي يفهم به كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلَّا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.
المثال الثاني: حفظ غريب الكتاب والسُّنَّة من اللغة.
المثال الثالث: تدوين أصول الفقه.
المثال الرابع: الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم.
وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية، فيما زاد على القدر المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلَّا بما ذكرناه.
وللبدع المحرمة أمثلة. منها: مذهب القدرية، ومنها مذهب الجبريـة، ومنها مذهب المرجئة، ومنها مذهب المجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبـة.
وللبدع المندوبة أمثلة. منها: إحداث الرُّبُط والمدارس، وبناء القناطر.
ومنها كل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها: صلاة التراويح، ومنها الكلام في دقائق التصوف، ومنها الكلام في الجدل في جمع المحافل للاستدلال على المسائل إذا قصد بذلك وجه الله سبحانه.
وللبدع المكروهة أمثلة. منها: زخرفة المساجد، ومنها تزويق المصاحف، وأما تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، فالأصح أنه من البدع المحرمـة.
وللبدع المباحة أمثلة. منها: المصافحة عقب الصبح والعصر، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام.
وقد يختلف في بعض ذلك، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله ﷺ فما بعده، وذلك كالاستعاذة في الصَّلاة والبسملة(1).
وقد خالفه في ذلك العلامة المالكي الإمام أبو إسحاق الشاطبي، ورأى أن البدعة لا تنقسم إلى هذه الأقسام، فالبدعة لا تكون إلَّا محرمة، ومشى على دلالة الحديث الظاهرة: «كل بدعة ضلالة»(1).
فإلى أيِّ الرأيين تميل؟ وما دليلك على هذا؟ وفقكم الله.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ الحكم بين اثنين من فحول الأمَّة، ومن الراسخين في علم الشريعة، وممن أصّلوا فقه مقاصد الشريعة، وقيامها على مصالح الناس؛ ليس بالأمر الهيّن، ومن أنا حتَّى أحكم بين علمين من أعظم أعلام الإسلام، من الربانيين الَّذين علِموا وعملوا وعلَّموا؟!
كل ما أستطيع قوله هنا: إنَّهما متفقان على النتائج، وإن اختلفوا في التسميات والمصطلحات.
ويمكننا أن نقول: إن خلافهما في «المنهج» وإن اتفقا في نتائج الأحكام.
فليس هناك شيء ممَّا يعتبره ابن عبد السلام حرامًا، يعتبره الشاطبي حلالًا، وليس هناك شيء ممَّا يعتبره الأول فرضًا يعتبره الثاني مباحًا أو مستحبًّا. إنَّما خلافهما في تحديد مفهوم البدعة عند كليهما.
فابن عبد السلام يعتبر كل ما لم يكن في عهد رسول الله، فهو بدعة، وهو مفهوم أقرب ما يكون إلى البدعة اللغوية، وهي الَّتي تقسم إلى الأقسام الخمسة الَّتي ذكرها الشيخ الإمام عز الدين.
على حين نظر الشاطبي إلى «البدعة الشرعيَّة» الَّتي قال فيها الحديث: «كلُّ بدعة ضلالة»(3). فعرَّفها تعريفًا يُخرج كثيرًا ممَّا ذكره عز الدين أن يكون منها، وإن لم يتغير حكمها.
فتعلُّم النحو والعربية، وتدوين أصول الفقه والفقه نفسه، إلى غيرها من العلوم الشرعيَّة واللغوية وغيرها، كلها فرض كفاية على الأمَّة، ولكنَّها لا تدخل في البدعة عند الشاطبي؛ وذلك أنه عرف البدعة بأنَّها «طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعيَّة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبُّد لله سبحانه»(4). وسنشرح فيما يلي هذا التعريف.
1 ـ فأوَّل أركان البدعة ومقوماتها: أن تكون في الدين، أمَّا ما كان في أمور العادات وشؤون الدنيا، فلا يدخل فيه الابتداع، بل أقول: إن الابتداع والابتكار مطلوب فيه. وفيه جاء الحديث الصحيح: «مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر مَن عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنَّ في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعده: كُتب عليه مثل وزر مَن عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»(5).
ولهذا مَدَحوا عمر بما كان في عهده من ابتكارات سمَّوها «الأوليات» فهو أوَّل من مصَّر الأمصار، وأول من دوَّن الدواوين، وأول من اتَّخذ تاريخًا خاصًّا بالمسلمين، وأول من اتخذ دارًا للسجن، إلخ.
على خلاف أمر الدين فهو قائم على الاتباع، وهذا ما صرح به الحديث المتفق عليه عن عائشة مرفوعًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ»(6)، ومعنى «أمرُنا» أي أمر ديننا، ومعنى «فهو ردٌّ» أي مردود عليه غير مقبول منه.
ولهذا لم يكن مقبولًا من بعض النَّاس أن يرفضوا وسيلة «الانتخابات» لمعرفة أصلح النَّاس لينوب عنهم في مجلس النواب، أو الشورى، بأنَّ هذه بدعة محدثة، لم تكن على عهد رسول الله، وإنَّما كان عدم قبول ذلك الرأي؛ لأنَّ الموضوع ليس في أمور الدين والعبادات، بل من أمور الدنيا والعادات.
2 ـ الركن الثاني، أو المقوّم الثاني للبدعة: أن تكون هذه الطريقة مضاهية للطريقة الشرعيَّة، بحيث يمكن أن تلتبس بها، وتلحق بزمرتها، لشبهها بها بوجه من الوجوه.
كأن يضاف إلى الآذان جملة أو جُمَلًا ليست منه، كالذين أضافوا شهادة ثالثة، بعد الشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة، وقالوا: وأشهد أنَّ عليًّا ولي الله، وهو لا شكَّ ولي الله بشهادة رسول الله له، وشهادة الأمَّة، والشهادة للأولياء بالولاية قريبة الشبه من الشهادة للرسول بالرسالة، فهذا وجه الالتباس، ولكنها مرفوضة لأن الأصل في العبادات الشعائرية هو المنع والتضييق فيها، إلَّا ما أذن به الشارع فيها، وحدد صورته وكيفيته، حتَّى لا يشرع النَّاس في الدين ما لم يأذن به الله.
ومثل أن يشرع الله في الصَّلاة التكبير للانتقال بين الأركان، ويحوله النَّاس إلى التسبيح أو التهليل أو التحميد، باعتبار كلٍّ منها ذكرًا لله، وهذا مردود على من فعله أو ارتآه؛ لأنَّ الله لم يشرعه في كتابه ولا على لسان رسوله.
3 ـ والركن الثالث في البدعة كما عرفه الشاطبي: أن يقصد بها المبالغة في التعبد والتقرب إلى الله تعالى.
وهذا يؤكد صلة البدعة بالجانب الديني، ولهذا يقصد أصحابها من هذه «الزوائد» الَّتي يلصقونها بالدين، ويضيفونها إليه، المبالغة في التعبد: كأنما لم يكفهم ما شرع الله لهم، فاستحسنوا بهواهم أن يزيدوا على ما شرعه من عند أنفسهم أشياء أخرى، تشبع نهمهم فيما ظنوا، وفتحوا على أنفسهم باب «الزيادة في الدين»، وهذا باب شر إذا فُتح لم يغلق، بل ظل من دخله يتوسع فيه فيصبح الدين شيئًا آخر غير ما شرع الله، وألحق النَّاس به من الأحكام والتكاليف ما تنوء به الظهور، وتضيق به الصدور، وما تعجز طاقة الإنسان العادي عن حمله إلَّا بمشقة غير معتادة، ولذا علّم الله المسلمين أن يدعوا ويقولوا:﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾[البقرة: 286].
وهؤلاء كأنَّما يعاكسون ما جاء به محمَّد 0 : من التيسير في التكاليف، وتشريع الرخص، وإباحة المحظور عند الضرورات، واستثناء أصحاب الأعذار وغيرها، ولذا كان عنوان رسالته في كتب الأقدمين أنه: ﴿يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].
وهكذا زُمر المبتدعين في دين الله؛ يناقضون ما جاء به محمَّد ﷺ ، فهو ييسر وهم يعسّرون، وهو يقلل التكاليف وهم يُكثرون، وهو يخفف عن الخلق وهم يُثقلون، وقد قال تعالى:﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا﴾[النساء: 28].
أعتقد أنَّ منهج أبي إسحاق الشاطبي في بحث قضية البدعة وتحديدها: كان أدق وأضبط من منهج الإمام عز الدين، ولكل فضيلة ونية.
ولقد أدار الشاطبي كتابه الفريد «الاعتصام» كله حول موضوع البدعة وتأصيله وتحقيقه، وإن لم يكمله 5 .
(1) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/204، 205).
(2) رواه مسلم في الجمعة (867)، وأحمد (14334)، عن جابر بن عبد الله.
(3) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(4) انظر: الاعتصام للشاطبي (1/47).
(5) رواه مسلم في الزكاة (1017)، وأحمد (19156)، عن جرير بن عبد الله.
(6) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الصلح (2697)، ومسلم في الأقضية (1718)، عن عائشة.