2026-09-18
1,129
حكم الذهاب للعرافين والكهان
س
أنا إنسانة متدينة والحمد لله، وأفقه بعض أمور ديني، وأحرص على ذلك. وأعلم أنَّ الله تعالى حرَّم كل عمل أو تصرُّف يُخِلُّ بعقيدة التوحيد الَّتي أكرمنا الله بها، وقد نهى النَّبيّ ﷺ عن إتيان الكهان والعرافين والمنجِّمين، ومن يدعون معرفة الغيب.
لكن حدث لي أمر غريب؛ طلبتْ منِّي إحدى قريباتي ممَّن أحبُّهن أنْ أرسل لها أشياء طلبتْها منها العرَّافة لتُشفى من مرضها، وفي نظرها أنَّ العرَّافين أطبَّاء يعالجون المرضى، وقريبتي هذه مريضة، وقد أرسلت تطلب منِّي أن أوصل بعض الأشياء للعرَّافة، حيث إنِّي مقيمة في نفس بلد العرافة، وقريبتي تسكن في بلد آخر.
لا أدري ماذا أفعل؟ أريد أن أعرف حكم الدين في هذا الأمر، أنا أعرف أن هذا لا يجوز، ولكن أريد مزيدًا من الإيضاح ليطمئن قلبي.
ج
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأخت على حق في هذا الأمر، الإسلام جاء يبطل العرافة والكهانة والتنجيم، وادعاء معرفة الغيب، والنبي ﷺ يقول: «من أتى كاهنًا، أو عرَّافًا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمدٍ»(1). لأن الَّذي أنزل على محمَّد ﷺ يخالف ذلك، يقول الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾[النمل: 65]. الله الَّذي يعلم الغيب:﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾[الأنعام: 59]، ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ﴾[الأعراف: 188]. الرسول نفسه لا يعرف الغيب،﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ﴾[الجن: 26 ـ 27].
لكن هؤلاء العرَّافين والكُهَّان والمنجِّمِين والرمَّالين (من يضربون الرمل) ومن يفتحون الكتاب أو يقرؤون الكف أو الفنجان، كل هؤلاء يدعون معرفة الغيب، وهم كذَّابون، فلا يعرف أحد منهم الغيب، ويدعون أنَّهم يعالجون المرضى بهذه الأشياء.
والذي يعالج المريض هو الطبيب، الإسلام شرع الطب والدواء، وقال النَّبيُّ ﷺ : «ما أنزل الله داءً، إلَّا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله»(2). وقال: «تداووا عبادَ الله، فإنَّ الله 8 لم يضع داء، إلَّا وضع له دواء، غير داء واحد، الهَرَم»(3). فنحن نتداوى، والتداوي عند الطبيب، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ﴾ [فاطر: 14]. وجاء طبيبان عند النَّبيِّ ﷺ فقال: «أيُّكما أطَبُّ؟»(4). أي: أمهر وأحذق في الطب، يرشدنا إلى أن نختار الطبيب الأحذق والأمهر.
هذا هو الَّذي شرعه الإسلام، ولما سئل النَّبيّ ﷺ عن الأدوية: أرأيت رُقًى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتُقاة نتقيها، هل تردُّ من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قَدَر الله»(5). الداء من قدر الله، والدواء من قدر الله، فأنتَ تعالج قدَرًا بقدر.
أمَّا التمائم ممَّا يعلقه بعض النَّاس للتحصين أو دفع العين أو ما شابه، فهذا من الشِّرْك، النَّبيُّ ﷺ قال: «إنَّ الرُّقَى والتمائم والتِّوَلَة شِرْكٌ»(6). والرقى في هذا الحديث هي الَّتي فيها شرك أو استعانة بالجن وما شابه.
وقال ﷺ : «مَنْ علَّق تميمةً فقد أشرك»(7). والنبيُّ ﷺ أبصر على عضُد رجل حَلْقة فقال: «ويحَك، ما هذه؟». قال: من الواهنة. قال: «أما إنَّها لا تزيدك إلَّا وَهَنًا، انبذْها عنك، فإنك لو مِتَّ وهي عليك ما أفلحتَ أبدًا»(8).
فالإسلام يعتبر هذه الأشياء ضربًا من الشرك، وقد جاء النَّبيُّ ﷺ يحمي حمى التوحيد.
فلا يجوز للأخت أن تستجيب لقريبتها، ويجب عليها أن تعرِّفها أنَّ هذا أمر محرَّم، وأنَّه لا يجوز استخدام مثل هذه الأشياء، وأن عليها أن تلجأ إلى الأطباء وتستعين بالله.
والإسلام اعترف بالأدوية المادية وبالأدوية الروحية، الأدوية المادية نأخذها من الأطباء المتخصصين، والأدوية الروحية هي الأدعية والرُّقى بكتاب الله أو ما صحَّ عن رسوله، ترقي المريض بقراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذات وآية الكرسي، وبما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ مثل: «اللهمَّ ربَّ النَّاس، أذهِبِ الباس، اشفِ وأنت الشافي، لا شفاءَ إلَّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا»(9). ومثل: «باسم الله أرقيك، من كلِّ شيء يؤذيك، من شرِّ كلِّ نفس وعين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك»(10). هذه أشياء كلُّها جائزة.
فهذه من الأدوية الروحية، بجوار الأدوية المادية، أمَّا استخدام ما يقوله العرافون والكهنة فهذا مرفوض في الإسلام.
وأحبُّ أن أقول للأخت: من أراد أن يعالج نفسه فليعالجها عن طريق العلم والطب والسنن الَّتي أقام الله عليها هذا الكون، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا.
(1) رواه أحمد (9536)، وقال مخرِّجوه: حسن. وأبو داود في الطب (3904)، والتِّرْمِذي (135)، وابن ماجه (639)، كلاهما في الطهارة، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (522)، عن أبي هريرة.
(2) رواه أحمد (3578)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. والحاكم في الطب (4/399) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الضحايا (9/343)، وصححه الألباني في الصحيحة (451)، عن ابن مسعود.
(3) رواه أحمد (18454)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود (3855)، والتِّرْمِذي (2038) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (3436)، والحاكم (4/399) وصححه ووافقه الذهبي، أربعتهم في الطب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2930)، عن أسامة بن شريك.
(4) رواه مالك (3474) تحقيق الأعظمي. وقال الحافظ في فتح الباري (10/134): مرسل.
(5) رواه أحمد (15472)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف على خطأ فيه. والتِّرْمِذي (2065)، وقال: حسن. وابن ماجه (3437)، كلاهما في الطب، وحسَّنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (11)، عن أبي خزامة.
(6) رواه أحمد (3615)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود (3883)، وابن ماجه (3530)، كلاهما في الطب، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2845)، عن ابن مسعود.
(7) رواه أحمد (17422)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي. وصححه الألباني في الصحيحة (492)، عن عقبة بن عامر.
(8) رواه أحمد (20000)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن ماجه في الطب (3531)، وابن حبان في الرقى والتمائم (6085)، والحاكم في الطب (4/216)، وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1239): هذا إسناد حسن. وضعَّفه الألباني في غاية المرام (296)، وصحَّحه في الصحيحة (2195)، عن عمران بن حصين.
(9) رواه البخاري في الطب (5743)، عن عائشة.
(10) رواه مسلم في السلام (2186)، وأحمد (11534)، عن أبي سعيد الخدري.