2026-06-13
991
العلاج بالتمائم والرقى
أنا شاب أبلغ من العمر نحو 27 سنة، وقد تزوجت فتاة، ومرَّ على زواجنا عام، ونحن على أسعد حال، وفجأة عرضت لزوجتي أعراض غريبة، فبعد ذلك الهدوء والسكينة الَّتي كانت من أوصاف بيتنا، انقلب الحال إلى عواصف وزوابع، فامتلأت سماء المنزل بالصراخ والكلام الَّذي لا فائدة منه، حتَّى ولو لأمر تافه، وبدأت أفكر وأفكر، ولكن بدون جدوى، وبعد عناء طويل نصحني أهلي وأقاربي، وألحوا في ذلك بأن أعرضها على «المطوع»، ومن كثرة هذا الإلحاح، لبيت طلب الأهل وعرضتها عليه، وأجابني بقوله: إنَّ في رأسها جنيًّا، وتحتاج إلى قراءة ومحو لمدة خمسة عشر يومًا. وبعد هذه المدة أعمل لها «جامعة» وتعلق في رقبتها. وبدأ عمله على الفور، ومضت المدة المقررة ولم يفلح، بل بقيت كما هي. فما رأيكم في هذه الأشياء، هل لها أصل في الدين، أم أنَّها من أبواب الحيل والتدجيل وعيش المحتالين؟!
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لقد جاءت الأحاديث تحذر المسلمين من مثل هذه الأمور، وتنهى أن يعتمدوا في علاجهم وتداويهم على مثل هذه التمائم؛ قد سماها الإسلام تمائم، وهي أشياء كانوا يعلقونها على الأولاد ونحو ذلك؛ لتدفع الجنّ أو تدفع العين، أو ما أشبه ذلك، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ الرُّقَى والتمائم والتِّوَلة(1) شِرْك»(2).
والرُّقى جمع رُقْية وهي أن يرقي الشخص ويعزم عليه بكلام لا يفهم. فهذه الرُّقى ممنوعة؛ إلَّا ما كان منها مأثورًا عن النَّبيِّ ﷺ ، مثل: «اللهمَّ رب النَّاس، أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلَّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا»(3).
وقد قال العلماء: إنَّ الرُّقى جائزة بثلاثة شروط:
أولًا: أن تكون بذكر الله تعالى وبأسمائه.
وثانيًا: أن تكون باللسان العربي وما يفهم معناه.
وثالثًا: أن يعتقد أنَّها لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
والتمائم الَّتي كانوا يعلقونها، ولا زال كثير من النَّاس يعلقونها، وقد سماها السائل «الجامعة» ويسميها البعض الآخر الحِرْز أو الحِجاب أو ما شابه ذلك. كل هذه نهى عنها الإسلام، وقد جاء رهط من عشرة أشخاص يبايعون النَّبيّ ﷺ ، فبايع تسعة منهم، وأمسك عن واحد، فلما سُئل في ذلك قال: إن في عضده تميمة. فأدخل الرجل يده فقطعها فبايعه رسول الله ﷺ ، وقال: «من علَّق تميمةً فقد أشرك»(4). أي علقها وتعلق بها قلبه. وروى الإمام أحمد، عن عمران بن حصين أنَّ النَّبيَّ ﷺ أبصر في عضد رجل حلقة من صُفْر، فقال: «ما هذه؟» ـ منكرًا عليه ـ قال: ألبسها من الواهنة (من مرض أصابه في منكبه)، فقال: «أما إنَّها لا تزيدك إلَّا وهنًا، انبِذْها عنك؛ فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحتَ أبدًا»(5).
ومن هنا كان الصحابة والتابعون ينكرون هذه التمائم أشد الإنكار حتَّى إن حذيفة رأى رجلًا معلقًا خيطًا من هذا النوع عليه، فقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾[يوسف: 106]. وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تَمِيمة من عنق إنسان كان كعدل رقبة(6). أي كأنه أعتق رقبة. وعن إبراهيم النخعي ـ من كبار التابعين ـ قال: كانوا يكرهون التمائم كلَّها، من القرآن ومن غير القرآن(7). حتَّى التمائم من القرآن. أي إذا علّق آية من القرآن ونحو ذلك. بعض النَّاس رخص فيها وآخرون منعوها، وهو الراجح: أنَّ التمائم كلها لا تجوز؛ لأدلَّة معتبرة:
أولًا: لأنَّ الأحاديث الَّتي جاءت بالنهي جاءت عامة، لم تفرق بين نوع من التمائم وآخر. وحينما أنكر النَّبيُّ ﷺ على الرجل التميمة الَّتي يلبسها، لم يقل له: هل فيها قرآن أو لا؟ وإنَّما أنكر التميمة من حيث هي.
وثانيًا: سدًّا للذريعة، فإنَّ من يعلِّق القرآن يعلِّق غيره، والذي يراه لا يعرف إن كان هذا قرآنًا أو غير قرآن.
وثالثًا: إنَّ هذا يعرض القرآن للامتهان والابتذال؛ فهو سيدخل بها الأماكن النجسة، ويقضي حاجته ويستنجي، وقد تصيب الإنسان جنابة، أو المرأة الحيض، وهو لابس هذا الشيء الَّذي فيه آيات القرآن.
لهذا كان الصحيح أن التمائم كلها ممنوعة، وقد قال ﷺ داعيًا على أصحاب هذه التمائم: «من علَّق تميمة، فلا أتمَّ الله له، ومن علَّق وَدَعة، فلا ودع الله له»(8). أي لا تركه يعيش في دعة وسكون.
فهذه هي تعاليم الإسلام. وكان الواجب على هذا الأخ السائل أن يعرض زوجته حين وجد هذا المرض على طبيب، فإمَّا أن يعالجها، وإمَّا أن يحيلها على طبيب أخص منه بعلاج هذا النوع من الأمراض. فالذي يبدو من هذه الأعراض أنَّها مصابة بمرض عصبي: بالصرع أو نحو ذلك، فلا بدَّ أن تُعرض على الطبيب الَّذي يعالجها، وقد قال ﷺ : «تداووا عبادَ الله؛ فإنَّ الله تعالى لم يضع داء إلَّا وضع له دواء»(9).
وجاء في صحيح البخاري عنه عليه الصَّلاة والسلام: «إنَّما الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كي بنار»(10). فلم يجعل الشفاء في التمائم، ولا في القراءة ولا في نحو ذلك، وإنَّما جعلها في الأمور الطبيعية، وهي جوامع الطب، ما يتناول عن طريق الفم، ومثله الآن الإبر ونحوها، وشرطة المحجم: العمليات الجراحية، والكي، ومثله الآن الجلسات الكهربائية، فكل هذا من الطب الَّذي جاء به الإسلام، والذي شرعه الرسول عليه الصَّلاة والسلام، وقد تداوى عليه الصَّلاة والسلام واحتجم، وجيء له بالطبيب، وأمر أصحابه وأمته بالتداوي، فالأولى بنا أن نتبع سنة رسول الله ﷺ ، وأن نُعرض عن مثل هذه الأساليب، فإنَّها كما قال الأخ «عيش المحتالين».
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه رضاه. وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يفقّهنا في ديننا، حتَّى نتعلم الطريق القويم، والصراط المستقيم. إنه سميع قريب.
(1) التِّولة: بوزن عنبة: لون من السحر تلجأ إليه المرأة تتحبب به إلى زوجها، فيما تزعم.
(2) رواه أحمد (3615)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود (3883)، وابن ماجه (3530)، كلاهما في الطب، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2845)، عن ابن مسعود.
(3) رواه البخاري في الطب (5742)، وأحمد (12532)، عن أنس.
(4) رواه أحمد (17422)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي. وصححه الألباني في الصحيحة (492)، عن عقبة بن عامر.
(5) رواه أحمد (20000)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن ماجه في الطب (3531)، وابن حبان في الرقى والتمائم (6085)، والحاكم في الطب (4/216)، وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1239): هذا إسناد حسن. وضعَّفه الألباني في غاية المرام (296)، وصحَّحه في الصحيحة (2195)، عن عمران بن حصين.
(6) رواه ابن أبي شيبة في الطب (23939).
(7) المصدر السابق (23933).
(8) رواه أحمد (17404)، وقال مخرِّجوه: حديث حسن. وابن حبان في الرُّقَى والتمائم (6086)، والحاكم في الطب (4/416)، وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وضعَّفه الألباني في غاية المرام (295)، عن عقبة بن عامر.
(9) رواه أحمد (18455)، وقال مخرّجوه: حديث صحيح. وأبو داود (3855)، والتِّرْمِذي (2038) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (3436)، ثلاثتهم في الطب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2930)، عن أسامة بن شريك.
(10) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الطب (5702)، ومسلم في السلام (2205)، عن جابر.