2026-06-13
1,025
حول تحضير الأرواح
شُغل النَّاس في بلدنا هذا وفي أيامنا هذه بالأرواح وتحضيرها، وسؤالها عمَّا يخبئه صدر الغد من غيوب، وما استعصى على الأطباء من علاج، وما أعضل على النَّاس من مشكلات. شُغل النَّاس بهذا شغلًا جعل التلاميذ والتلميذات ينصرفون عن الكتب والدروس إلى سِلال القمامة في الفصول يستحضرون الأرواح ويخاطبون المجهول.
وما روج في النَّاس هذه البدعة الجديدة إلَّا صحافتنا البارعة الماهرة، الَّتي تستطيع بقدرة قادر أو بسحر ساحر أن تجعل من الحبَّة قُبَّة، ومن القطِّ جملًا، ومن زُور القول وتافه الأشياء ما يشغل الأفكار والقلوب والألسنة. والمهم أن النَّاس يتجهون إلى الدين وعلمائه يسألونهم الرأي والقول الفصل فيما يرونه أو يسمعونه أو يقرؤونه.
ما هذا الشيء الخفي الَّذي يحرك السلال والأقلام ويخط على الورق إجابات تصيب وتخطئ؟ هل هي أرواح موتى، أم أرواح عفاريت، أم خفة يد وشغل حواة؟ هل يمكن استحضار أرواح الموتى من عالم البرزخ؟!
وهل يجوز سؤالها عن الغيوب؟ وهل يصح لنا تصديق ما تخبر به من غيب؟ وهل يمكنها معرفة الغيب؟
وهل لنا أن نلجأ إلى الأرواح نستوصفها علاج أمراضنا، أو ما استعصى علينا منها؟ نرجو البيان الشافي في ضوء الأدلَّة الشرعيَّة.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا ريب أن النَّاس في حيرة أمام هذه الأسئلة، وهم يسمعون من هذا ما يناقض ذاك، وهم يريدون أن يخرجوا من هذه الحيرة والبلبلة برأي ديني صحيح صريح، يضع الحق في نصابه، ويرد النَّاس إلى الصراط المستقيم.
والذي لا نستطيع أن ننكره، أنَّ هناك أشياء خفية تحضر في جلسات التحضير رآها الكثيرون رأي العين تحرك السلال والأقلام تكتب وتجيب، أحيانًا بالخطأ وأحيانًا بالصواب، وإنكار هذا مكابرة في نظر من شاهدوا تلك الظاهرة، وهرب من مواجهة المشكلة بما يزيد الإشكال.
والذي نعتقده كذلك نحن المؤمنين بالأديان أن في الكون قوى غير منظورة، وعوالم كثيرة غير محسوسة، منها:
1 ـ أرواح الموتى: فعقيدتنا أنَّها باقية بعد الموت، وأنَّها لا تفنى بفناء الجسد، وأنَّها تنعم أو تعذب، وأن القرآن أخبرنا عن الشهداء، أنهم: ﴿أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[آل عمران: 169، 170]. وهذا طبعًا بالنسبة لأرواحهم أمَّا أجسادهم فقد تكون عظامًا نخرة، أو ترابًا مبعثرًا.
وقد أخبر النَّبيُّ أنَّ الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه(1).
وقد شرع النَّبيّ ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور، أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقولون: «السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون»(2). وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد. قال ابن القيِّم في كتاب «الروح»: «والسلف مجمعون على هذا، وقد توافرت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له، ويستبشر به»(3).
وهذا بناء على أن الروح ذاتٌ قائمة بنفسها، كما هو مقتضى أصول أهل السُّنَّة، وقد تظاهرت على ذلك أدلة القرآن والسُّنَّة، والآثار والاعتبار، والعقل والفطرة، وأقام ابن القيِّم 5 على ذلك أكثر من مائة دليل. وقد خاطب الله النفس بالرجوع والدخول والخروج، ودلت النصوص الصريحة على أنَّها تصعد وتنزل، وتقبض وتمسك، وترسل وتنفتح لها أبواب السماء، وتسجد وتتكلم، إلى آخر ما ورد.
2 ـ الملائكة، وهم خلق نوراني غير محسوس، يقومون بوظائف شتَّى، منها حفظ الإنسان، وكتابة أعماله وتوفي روحه: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍۢ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌۭ﴾ [الطارق: 4]، ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ [الرعد: 11]، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامًۭا كَٰتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10، 11]، ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11]، ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: 32]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].
وعالم الملائكة عالم مفطور على طاعة الله، ليس له شهوة تفتنه عن ذكره:﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾[الأنبياء: 20]، ﴿عَلَيْهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌۭ شِدَادٌۭ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم: 6].
3 ـ الجن، وهم عالم روحي آخر، ولكنهم مكلفون كالإنسان، ولذلك يوجه القرآن الخطاب إلى الفريقين: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُواْ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾[الرحمن: 33]. وفي القرآن سورة كاملة عن الجنّ تحدثوا فيها عن أنفسهم، وعن علاقتهم برجال من الإنس، وأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين، ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَٰسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًۭا ١٤ وَأَمَّا ٱلْقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًۭا﴾[الجن: 14، 15]، والكفرة من هؤلاء الجنّ هم الشياطين، وهم ذرية إبليس وجنوده، وقد قال الله عنهم:﴿إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾[الأعراف: 27].
إذا عرفنا هذا فمن أي هذه العوالم الثلاثة تلك الأرواح الخفية الَّتي تحرك السلال والأقلام؟!
لا نستطيع أن نقول: إنَّها أرواح الموتى الَّذين كانوا معنا بالأمس، فإن كثيرًا من هذه الأرواح المستحضرة، تدخل فيما لا يعنيها، وتفتي بما لا تعلم وتقول ما لا تعرف، وتكذب في أشياء، وتتطاول على الغيب الَّذي استأثر الله به، وما نظن أرواح الموتى فارغة لهذا العبث، فهي إمَّا في نعيمها أو عذابها، في روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النَّار. والعجيب أنَّنا لم نسمع عن روح واحدة لكافر أو فاجر صدقت النَّاس ما تعانيه من عذاب الله الَّذي أخبر القرآن أنَّها تلقاه بمجرد الموت: ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: 50]، ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ﴾ [الأنفال: 50]، ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ٨٧ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌۭ وَرَيْحَانٌۭ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ ٨٩ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩٠ فَسَلَٰمٌۭ لَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩١ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢ فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ٩٥ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 83 ـ 96].
فهذه منازل الأرواح عقب الموت، وقد صرحت الآية بأن أرواح المكذبين الضالين لها نُزلٌ من حميم وتصليةُ جحيم.
فهل يمكن أن تكون أرواح الكفَّار والملحدين العصاة طليقة من كل قيد؛ بحيث تذهب حيث تشاء وتستجيب لكل من يطلبها لا رقيب عليها ولا حسيب؟!
وفي الصحيحين، أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتلى بدر من المشركين فأُلقوا في قليب ـ بئر ـ ثمَّ جاء حتَّى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: «يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنَّكم أطعتم الله ورسوله، فإنَّا قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا؟». قال: فقال عمر: يا رسولَ الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : «والذي نَفْسُ محمَّدٍ بيده، ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم»(4).
فإذا كانت هذه الأرواح لا تستطيع مجاوبة النَّبيّ الكريم، وهو أعمق البشر حاسة روحية، وأوصل النَّاس بعوالم الغيب، فكيف بغيره من بني الإنسان؟
وقد استدلَّ بعضهم على جواز استحضار الموتى بقراءة القرآن بقوله تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا﴾[الرعد: 31].
والحق أنَّ في الآية دلالة واضحة على أن تكليم الموتى بالقرآن ممتنع، فقد ورد في سبب نزولها أن مشركي مكة اقترحوا على النَّبيّ تعنتًا أن يسير بقرآنه الجبال عن مكة فتتسع لهم، ويتخذوا فيها البساتين، وأن يفجر بقرآنه الأرض عيونًا وأنهارًا، وأن يتلوه على موتاهم فيخاطبوهم ويخبروهم بصدقه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. أي لو أن قرآنًا سيرت به الجبال، إلى آخره لكان هذا القرآن. وكلُّنا يعلم أنَّ «لو» تفيد امتناع جوابها لامتناع شرطها.
وإذا كانت هذه الأشياء الخفية الَّتي تحضر أو تستحضر ليست هي أرواح الموتى فإنَّا نعتقد كذلك أنَّها ليست ملائكة، فهي كما قلنا تكذب وتتناقض وتستطيل على الغيب، وتزعم لنفسها أسماء من البشر، وما هكذا تكون الملائكة، بل هم عباد لله مكرمون:﴿لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ﴾[الأنبياء: 27].
لم يبقَ بعد هذا إلَّا أن تكون هذه القوى الخفية من عامل الجنّ والشياطين، وفي العقيدة الإسلاميَّة متسع لمثل هذا، فوجود الجنِّ والشياطين حقيقة مقرَّرة، ومع كل إنسان قرينه من الشياطين، كما معه قرينه من الملائكة. وفي الحديث: «ما من أحدٍ إلَّا وله شيطان»(5). وفي القرآن:﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ﴾[ق: 27].
ومن حسن الحظ أنَّ هذا الَّذي نعتقده قد قاله سكرتير جمعية الأهرام الروحية الأستاذ حسن عبد الوهاب الَّذي استقال منها، وأعلن توبته ووزع منشورًا يذيع فيه رأيه على النَّاس، وقد نشرته صحيفة الجمهورية في 23 من رمضان سنة 1379هـ ، منه هذه الفقرات: «لقد أزال الله عن قلبي في شهر رمضان غشاوة الضلال، وثبت لي أخيرًا ثبوتًا قاطعًا لا شكَّ فيه أن الشخصيات الَّتي تحضر وتزعم أنَّها أرواح من سبقونا من الأهل والأحباب، ليست إلَّا شياطين وقرناء من الجن، يلبسون على النَّاس ما يلبسون، والآن وأنا أودع هذه الحقبة الشقية من عمري، أجدد إسلامي، وأستعيد إيماني، وأودع زملاء أعزاء، لا أحمل لهم في قلبي إلَّا كل عطف وإشفاق ورثاء، ملحًّا على الله في الدعاء أن ينير بصيرتهم، وينقذهم من أوحال هذه العقيدة الفاسدة».
ثم ما الغرض الَّذي من أجله تستحضر الأرواح؟ أهو سؤالها عمَّا كان وما يكون من شؤون غيبية؟!
ومن قال: إنَّ الأرواح ـ جنًّا أو ملائكة وغيرها ـ تطلع على الغيب المطلق وتخبر به؟ والله يقول في شأن الجنّ مع سليمان: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14]، ويقول على لسانهم: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًۭا﴾ [الجن: 10]، ويعلن عن موقف الخلق جميعًا بالنسبة للغيب فيقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [النمل: 65]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [الأنعام: 59]. ويقول على لسان خاتم الرسل: ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188].
وهل هذا الاستنطاق بالغيوب إلَّا من قبيل الكهانة والتكهن، الَّذي أعلن الإسلام الحرب عليه: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فسأله، فصدَّقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على محمَّد»(6)، «ليس منَّا من تَكهَّن أو تُكهِّن له»(7) إنَّها الكهانة القديمة في زي جديد.
وما يصدق أحيانًا من بعض ما تخبر به تلك الأرواح ليس غيـبًا حقيقيا، بل هو غيب نسبي ممَّا يعرفه بعض النَّاس عن بعض، ويعرفه قرناء الإنسان من الجنِّ والإنس. وما أقل ما يصدُق، وما أكثر الكذب والخلط في تلك التنبؤات، ولكن النَّاس عادة ينسون الكذب في 99 مرة، ويتذكرون الصدق مرة واحدة، ولعله صدفة من الصدف.
أم أنَّ الغرض من تحضيرها هو العلاج الروحي كما يقال؟!
وندع سكرتير الجمعية الروحية المستقيل يجيب عن هذا فيقول: «أما عن بدعة العلاج الرُّوحي، الَّذي تعلن عنه جمعية الأهرام الروحية بين حين وآخر، فهي عمليَّة إيحاء وهمي، وأنا شخصيًّا أنفقت نصف عمري في هذه العمليَّة، وكنت مريضًا طيلة هذه المدة بأكثر من مرض لازمني إلى اليوم، وكان من الأولى وأنا مؤسس الجمعية وصاحب أكبر مكتبة روحيَّة أن أعالج نفسي، أقولها بكل أسف: لم يحدث شيء من هذا».
إنَّ نبيَّ الإسلام قد اتخذ الأسباب الظاهرة في الوقاية والعلاج، وقال فيما رواه البخاري: «إنَّما الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، أو شرطة مِحْجَم، أو كيَّة بنار»(8). فحصر الشفاء فيما يعرفه النَّاس في زمنه وَفْق السنن المعتادة، وقد احتجم هو، وأمر بالحجامة لغيره، وبعث بطبيب إلى بعض الصحابة، وحارب تعليق التمائم والودع وغيرها، ممَّا يزعم النَّاس أثره الخفي في العافية والشفاء وقال: «من علَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن علَّق ودعة فلا ودع الله له»(9)، «من علَّق تميمةً، فقد أشرك»(10).
فما الغرض إذن من وراء هذه الظاهرة وإذاعتها، وشغل النَّاس بها في هذه الآونة، اللهمَّ إلَّا بلبلة الأفكار، واضطراب العقائد، وصرف النَّاس عن الجد باللعب واللهو، والحياة حولنا لا تلهو ولا تلعب؟! ولقد أثبت بعض الباحثين أن وراء ظاهرة تحضير الأرواح يد الصهيونية العالمية، الَّتي تستغله لتحقيق أهدافها في دنيا الناس(11).
ربما كان للغرب عذر إذا انشغل بمثل هذه الأشياء ليرفه عن نفسه ويخفف بها غلواء ماديته، فقد أغرقته المادية إلى أذنيه، فلا عليه إذا تسلى بالأرواح وتحضيرها، بعد أن حطّم الذرة وغزا الفضاء.
أمَّا نحن الَّذين نحفر الصخر بأظافرنا لنصل ما انقطع، ونتدارك ما فات، ونلحق بالركب بل نسبقه إن أمكن، فكيف نشغل أنفسنا بمثل هذا العبث، وعندنا من روحانية ديننا، وفلسفة عقائدنا، وخصوبة إيماننا ما يغذي أشواقنا الروحية ويشبع نهمنا الوجداني والفطري، وينير بصائرنا، ويفسر لنا حقيقة الكون والحياة والإنسان!
أمَّا إن كان في هذا الشر من خير، فهو ما تتضمنه هذه الظاهرة من شيء تغص به حلوق الماديين الملحدين، الَّذين ينكرون كل ما لا يحس، ويجحدون ما وراء المادة ولا يذعنون إلَّا لما يدخل المعمل، وما يخضع للمجهر والمخبار، فلا روح ولا جن ولا ملائكة فهل يستطيعون بمقاييسهم المادية أن يفسروا لنا هذه القوى الخفية المجهولة؟! كلَّا، إنَّهم يفرون من ذلك بالسكوت أو المكابرة والإنكار.
أمَّا المؤمنون فهم لا يغمضون أعين قلوبهم عمَّا في الكون من قوى وعوالم منظورة، حدثهم عنها قرآنهم العزيز، وصدق الله:﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍ﴾[الحاقة: 38 ـ 40].
(1) إشارة إلى الحديث المتفق عليه: «العبد إذا وُضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم...». رواه البخاري في الجنائز (1338)، ومسلم في الجنة وصفتها (2870)، عن أنس.
(2) رواه مسلم في الطهارة (249)، وأحمد (8878)، عن أبي هريرة.
(3) الروح لابن القيم صـ 5، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
(4) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في المغازي (3976)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (2875)، عن أنس.
(5) رواه مسلم في صفة القيامة (2814)، وأحمد (3648)، عن ابن مسعود.
(6) سبق تخريجه صـ 516.
(7) رواه البزار (3578)، والطبراني (18/162)، وجود إسناد البزار المنذري في الترغيب والترهيب (4606)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8480): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة. وقال الألباني في غاية المرام (289): حسن لغيره. عن عمران بن حصين.
(8) سبق تخريجه صـ 652.
(9) سبق تخريجه صـ 651.
(10) سبق تخريجه صـ 650.
(11) راجع: الروحية الحديثة دعوة هدامة للأستاذ الدكتور محمد محمد حسين، ففيه حقائق ومعلومات ذات خطر لا بدَّ أن تُعرف.