2026-06-13
1,061
ما تكتبه الصحف عن الطوالع: حقيقة، أم خيال؟
تخصص كثير من الصحف والمجلات جانبًا منها ـ صفحة أو جزءًا من صفحة ـ تحدث النَّاس فيه عمَّا ينتظرهم في يومهم أو غدهم، من خير أو شر، تحت عنوان «حظك اليوم» أو ماذا تقول الطوالع؟ أو أنت والنجوم، أو نحو ذلك من العناوين.
وهي في العادة تخبر النَّاس بحظوظهم حسب تواريخ ميلادهم، الَّتي تتوزع على البروج المعروفة، وعددها اثنا عشر.
ومن النَّاس من يصدق ما تكتبه هذه الصحف، فيفرحون ويتفاءلون إذا بشرتهم بسرور، ويحزنون ويتشاءمون إذا أنبأتهم بسوء ينتظرهم. وقد تصدق هذه في بعض الأحيان؛ فيزدادون تصديقًا بهذه الطوالع والأخبار، واعتقادًا بصحتها.
وبعض النَّاس يقرؤها لمجرد التسلية، وإن كان لا يصدقها ولا يؤمن بها.
وقد طلبت إليَّ إدارة مدرسة قطر الإعدادية إبداء الرأي في هذا الموضوع وبيان حكم الشَّرع فيه.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جاء الإسلام ليحرر النَّاس من الأوهام والأباطيل في أي صورة كانت، وفي سبيل ذلك ربط النَّاس بسنة الله تعالى في خلقه، وأمرهم باحترامها ورعايتها، إن هم أرادوا السعادة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.
ومن أجل هذا شن الإسلام حملة واسعة على ما أشاعته الجاهليَّة من خرافات وأوهام، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها برهان، وشدد النكير على أصحابها والمتجرين بها في سوق التضليل والاستغلال، للغافلين من العوام وأشباه العوام، الَّذين لا يخلو منهم مجتمع في أي عصر كان.
ومن ذلك: السحر والكهانة، والعرافة والتنجيم، وادعاء معرفة الغيب المستور، بوسائط علوية أو سفلية تخرق حجاب الغيب، وتنبئ عمَّا يكنه صدر الغد المجهول، عن طريق النجوم أو الاتصال بالجن، أو الخط في الرمل، أو غير ذلك من أباطيل الجاهليات: شرقيها، وغربيها.
وحسبنا أن نقرأ بعض آيات القرآن الكريم، وبعض أحاديث النَّبيّ الكريم، لنتبين ضلال هؤلاء الأفاكين.
يقول الله تعالى في سورة النمل:﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾[النمل: 65]. فقد نفى عن أهل السماوات والأرض علم الغيب، الَّذي خص به نفسه سبحانه.
وفي سورة الأعراف:﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ﴾[الأعراف: 188]. فقد أمر خاتم رسله هنا أن يعلن أنه لا يعلم الغيب المستور، ولهذا يصيبه ما يصيب غيره من البشر، ولو كان في قدرته معرفة الغيوب المكنونة؛ لاستكثر من الخير، وما مسه السوء.
وفي سورة الجنِّ يقول تعالى:﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًۭا﴾[الجن: 26 ـ 27]. وحده عالِم الغيب، وأنَّه لا يطلع على هذا الغيب أحدًا من خلقه، إلَّا من ارتضى من رسول، وأنَّه يعلمه منه بقدر ما تقتضيه مشيئته وحكمته.
وتقرأ في أحاديث رسول الله ﷺ :
«من أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاةً أربعين ليلة»(1).
«من أتى كاهنًا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمَّد»(2).
«من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا، يؤمن بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمَّد»(3).
والعرَّاف والكاهن والمنجم؛ كلهم من فصيلة واحدة، وهم الَّذين يدعون معرفة الغيوب والمضرات، عن طريق الجنّ والنجوم وغيرها.
وقد كان لكثير من الأمم اعتقادات في النجوم وتأثيرها في أحداث الكون، حتَّى ألّهها بعضهم وعبدوها من دون الله، أو أشركوها مع الله تعالى، ومن لم يعبدها صراحة أضفى عليها من التقديس ما يجعلها في حكم المعبود!
ومن بقايا ذلك: الاعتقاد بأن ما يجري في عالمنا الأرضي من أموره، له صلة بتلك النجوم العلوية، إيجابًا أو سلبًا، وأن السعود والنحس، والسرور والحزن، والغلاء والرخص، والسلم والحرب، مرتبطة بحركات الأفلاك وسير النجوم.
وهذا ما يرفضه الإسلام جزمًا، فالنجوم ما هي إلَّا جزء من مخلوقات الله تعالى في هذا الكون العريض، والعلوية والسفلية بالنسبة لها أمور نسبية، وهي كائنات مسخرة لخدمتنا كما قال تعالى:﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ﴾[الأنعام: 97].
وقال سبحانه:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ﴾[النحل: 12].
وقال:﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُومًۭا لِّلشَّيَٰطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾[الملك: 5].
ومن هنا كان علم «التنجيم» القائم على ادعاء معرفة الغيب علمًا جاهليًّا مرفوضًا في الإسلام، ومعتبرًا من ضروب السحر كما في حديث ابن عبَّاس عن النَّبيِّ ﷺ : «من اقتبس شُعبة من النجوم، اقتبس شُعبة من السِّحْر، زاد ما زاد»(4).
قال العلماء: والمنهي عنه من علم النجوم، هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان، مثل تغير الأسعار، ووقوع الحروب ونحو ذلك، ويزعمون أنَّهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها، وظهورها في بعض الأزمان. وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه أحد غيره. فأما ما يُعرف عن طريق المشاهدة من علم النجوم الَّذي يعرف به الزوال وجهة القبلة... إلخ؛ فإنه غير داخل في النهي.
ومثل هذا ما يقوم عليه علم الفلك المبني على الملاحظة والتجربة والقياس. فهذا محمود، وقد كان لعلماء المسلمين فيه اليد الطُّولى.
ومن هنا تكون فكرة ربط حظوظ النَّاس وما يحدث لهم بالطوالع والنجوم حسب تواريخ ميلادهم: فكرة جاهليَّة، لا يؤيدها نقل ولا عقل، ولا تقوم على أساس من دين ولا علم. ومن جادل في شأنها جادل بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير.
والحقيقة أنَّ وجود هذه الظاهرة وانتشارها، واهتمام الصحف بها، وحرص كثير من النَّاس على قراءتها، بل تصديقها في بعض الأحيان، ليدل على عدَّة حقائق هامة:
1 ـ وجود فراغ في حياة النَّاس في هذا العصر، ولا أعني بالفراغ فراغ الوقت، بل فراغ الفكر والنفس: الفراغ العقائدي والروحي، والفراغ دائمًا يتطلب ملؤه بأي صورة من الصور، ولهذا قيل: من لم يشغل نفسه بالحق، شغلته نفسه بالباطل.
2 ـ غلبة القلق النفسي وفقدان الشعور بالأمان والسكينة، أعني الأمان الداخلي والسكينة النفسية، وهما سر السعادة. وهذا أمر يسود العالم كله، حتَّى أولئك الَّذين بلغوا أرقى مستويات المعيشة المادية، وسخر لهم العلم أزِمّة الأشياء، يحيون في توتر واضطراب ومخاوف.
3 ـ وهذا القلق وذاك الفراغ، هما في الواقع نتيجة لفقدان شيء مهم غاية الأهمية في حياة الإنسان، وفي تقرير مصيره، وهذا الشيء هو: الإيمان، فالإيمان هو مصدر الأمن والطمأنينة. وصدق الله إذ يقول:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾[الأنعام: 82]، ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾[الرعد: 28].
4 ـ وأمر آخر وراء هذه الظاهرة، وهو ضعف الوعي الديني السليم، وأعني به الوعي المستمد من الينابيع الصافية للإسلام: من محكم القرآن والسُّنَّة، كما فهمها السلف الصالح، بعيدًا عن الشوائب والبدع والانحرافات. هذا الوعي هو الَّذي تصفو به العقيدة، وتصح العبادة، ويستقيم السلوك، ويستنير العقل، ويشرق القلب، وتتجدد الحياة.
ولو وعى النَّاس وفقهوا أن الغيب لا يعلمه إلَّا الله، وأن نفسًا لا تدري ماذا تكسب غدًا، وأنَّ التهجُّم على ادعاء الغيب ضرب من الكفر، وأن تصديق ذلك ضرب من الضلال، وأنَّ العرَّافين والكهنة والمنجِّمين وأشباههم كذبة مضللون ـ ما نفقت سوق هذا الباطل، ولا وجد من يكتبه أو يقرُّه بين المسلمين، وبالله التوفيق.
(1) رواه مسلم في السلام (2230)، وأحمد (16638)، عن بعض أزواج النبي ﷺ .
(2) سبق تخريجه صـ 516.
(3) رواه أبو داود الطيالسي (381)، والبزار (1873)، وأبو يعلى (5408)، والطبراني في الكبير (10/76)، والأوسط (1453)، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (4615)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3048)، عن ابن مسعود موقوفًا.
(4) رواه أحمد (2840)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في الطب (3905)، وابن ماجه في الأدب (3726)، وصححه إسناده النووي في رياض الصالحين (1671).