هل يجتهد الرسول؟ وهل يخطئ الرسول في اجتهاده؟

❓ هل يجتهد الرسول؟ وهل يخطئ الرسول في اجتهاده؟

📅 2026-06-13 👁 991 مشاهدة

نص السؤال:

اتَّهمتْكم جماعةُ الأحباش بأنَّكم قلتم في إحدى حلقاتكم في برنامج «الشريعة والحياة»: إنَّ الرسول يخطئ كما يخطئ غيره من النَّاس، فهل هذه التُّهمة صحيحة؟ وما معناها؟ وهل هذا لا يتنافى مع ما نؤمنُ به نحن المسلمين، من عصمة الأنبياء؟
نرجو بيان هذا الأمر بأدلَّته الشرعيَّة، حتَّى تتَّضح الأمور، ولا تضيع الحقيقة بتشويش المشوِّشين، وأقاويل المتحاملين.
سدَّد الله قلمكم ولسانكم، وهدانا وإيَّاكم سواء السبيل.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ آفة العلم خَصلتان هما أسوأ الرذائل، أعاذنا الله وإيَّاكم منهما:
الأولى: هي اتِّباع الظنِّ، وإنَّ الظنَّ لا يغني من الحقِّ شيئًا، وهو أكذب الحديث، كما قال . وكما قال تعالى:﴿وَمَايَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا[يونس: 36].
والثانية: هي اتِّباع الهوى، والهوى يُعمي ويُصمُّ، وهو شرُّ إلٰه عُبد في الأرض، كما قال ابن عبَّاس ^ (1).﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ[الجاثية: 23].
فإذا اجتمعت الآفتان في شخص أو في فئة من النَّاس كانت الطَّامَّة، كما قال تعالى في شأن المشركين الَّذين اتخذوا اللَّاتَ والعزى ومناة الثالثة الأخرى آلهة لهم:﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ[النجم: 23].
وهؤلاء النَّاس الَّذين ذكرهم السائل في سؤاله يتَّبعون الظنون الَّتي لا تُغني من الحقِّ شيئًا، ويخلطون معها الهوى الَّذي يُضِلُّ الإنسان عن سبيل الله،﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ[القصص: 50].
فهؤلاء يأخذون بعض الكلام دون بعض، ويقطعون الكلام عن سياقه، فيحرفون الكَلِم عن مواضعه، على طريقة «لا تقربوا الصلاة» وعلى نحو ما كان يفعله اليهود في عهد النبوَّة.
فهم يقولون متبجِّحين: القرضاوي يُخطِّئ رسول الله ، فداه أبي وأمي. بهذه العبارة الخشنة الجافية الموهمة.
لقد دلَّت الأدلَّة الكثيرة الناصعة على أنَّه كان يجتهد، بل هو سيِّد المجتهدين وإمامهم، كما أنَّه إمام أُمَّتِه في كلِّ فضيلة، والاجتهاد لاستنباط الأحكام من النصوص هو من أجل الفضائل، وأعظم المكارم، فينبغي أن يكون أسوة فيها، كما في غيرها.
والاجتهاد معناه: بذل الوُسع لنيل حُكم شرعيٍّ عمليٍّ بطريق الاستنباط. أي أنَّه عمليَّة بشريَّة عقليَّة، يشحذ المجتهد ذهنَه ليستنبط الحُكم من مظانِّه الشرعيَّة المعتبرة.
ومقتضى هذا: أنَّ الرسول حين يجتهد يُعمِل عقلَه كما يعمل البشر، ويُفكِّر كما يُفكِّر البشر، وما دام في هذه الحالة البشريَّة، فلا غرو أن يقع منه الخطأ كما يقع من سائر البشر، وإلَّا لم يكن هناك فرقٌ بين الاجتهاد البشريِّ والوحي الإلٰهيِّ.
إلَّا أنَّ الَّذي يميِّزه هنا عن غيره ! : أنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ، ولا يُسْكت عليه، حتَّى لا يأخذه النَّاس عنه على أنَّه الحقُّ والصواب الَّذي شرعه الله تعالى.
ومن الأدلَّة البيِّنة على ذلك: عددٌ من الوقائع الَّتي ذكرها القرآن الكريم، وعاتب فيها الله تبارك وتعالى نبيَّه ومصطفاه محمَّدًا .
من هذه الوقائع: موقفه ! من ابن أم مَكتوم، المسلم الأعمى، الَّذي شُغل عنه الرسول الكريم، بلقاء كبار قريش، عسى الله أن يشرح صدورهم للإسلام، فعُني بهم، ووكله إلى إيمانه، اجتهادًا منه، ولكن الله تعالى غار له، وأنزل فيه قرآنًا يُتلى:﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ ٤ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ[عبس: 1 ـ 10].
ومن ذلك: قبوله أعذار المنافقين المنسحبين من عبء الجهاد في غزوة تبوك (غزوة العسرة)، دون أن يتبيَّن حقيقة موقفهم. قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ❁ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِم وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ❁ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 43 ـ 45].
والقضيَّة عندي واضحةٌ تمام الوضوح، لنصاعة أدلَّتها من كتاب الله، ومن سُنَّة رسوله .
فإذا نظرنا إلى القرآن نجده ينسب إلى الأنبياء أشياء قالوها أو فعلوها أو حكموا بها، اجتهادًا منهم، فمنهم من أصاب، ومنهم من أخطأ، ولم يلُمِ الله تعالى المخطئ على خطئه؛ لأنَّه وقع منه بعد تحرٍّ واجتهادٍ منه.
وأبرز مثل لذلك قوله تعالى عن الرسولَين الكريمين داود وسليمان اللَّذين أثنى عليهما القرآن ثناءً عاطرًا، في أكثر من سورة، ولا سيَّما في النمل وفي سبأ و(صۤ)، وفي سورة الأنبياء:﴿وَدَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَٰهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمْنَٰهَا سُلَيْمَٰنَ ۚ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا[الأنبياء: 78، 79].
وموسى 0 : حين صحب الخَضِر وشارطه ألَّا يسأله عن شيء حتَّى يحدث له منه ذكرًا، وقبل هذا الشرط، ومع هذا خالف الشرط وسأله سؤال المنكِر لما رأى، حين خرق السفينة قال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًۭا، وقال حين قتل الغلام: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍۢ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًۭٔا نُّكْرًۭا، إلى آخر القصَّة، إنَّما قال ما قال اجتهادًا منه، وبحكم ظاهر هذه الأمور الَّذي يقتضي الإنكار. لولا أنَّه فسَّر له بعد ذلك لماذا فعل ما فعل، ثمَّ قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا، إلى آخر القصَّة في الكهف[71 ـ 82].
ويونس 0 : ذهب عن قومه وتركهم مُغاضبًا لهم، وليس بوحيٍ من الله تعالى، فأصابه ما أصابه من التقام الحوت وهو مُلِيم. ونادى في الظلمات:﴿أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ[الأنبياء: 87].
وأمَّا نبيُّنا محمَّد ، فقد ثبت اجتهاده في قضايا كثيرة، ذكرها العلماء، بعضُها ثبت بصريح القرآن الكريم، وبعضها ثبت بالحديث الصحيح عنه ، بعضها في أمور الدنيا المحضة، وبعضها في أمور الدِّين والتشريع.
اجتهاده في أمور الدنيا:
فأمَّا ما اجتهد فيه وأخطأ في أمور الدنيا، فأشهر مثال له: قضية تأبير النخل في المدينة، حين رآهم يلقحون النخيل كما هي عادة أهلها، فسألهم عن ذلك فأجابوه بما عرفوه من عادتهم، فقال: «ما أظنُّ ذلك يُغني شيئًا». ولم يكن ذلك بوحيٍ من الله، بل اجتهادًا منه بحكم خبرته البشريَّة، وقد نشأ بوادٍ غير ذي زرع، فلا معرفة له بهذه الأمور، ولكنَّ الأنصارَ ظنُّوه وحيًا، فتركوا التأبير، فلم تثمر النخيل في ذلك الموسم ثمرها المعتاد، ورآها النبيُّ 0 : فأنكرها، فسألهم عمَّا أصابها، فأخبروه بأنَّهم أنفذوا مشورته حين قال لهم ما قال، فقال ! : «إنَّما ظننتُ ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكنْ ما حدَّثتكم عن الله، فلن أكذبَ على الله، أنتم أعلم بأمر دُنياكم»(2).
ومن تلك الوقائع والمواقف: موقفه من أُسارى بدر، وقد استشار فيهم أصحابه فاختلفوا عليه، وأخذ برأي أبي بكر ومن وافقه، ونزلت الآيات في سورة الأنفال تعاتبهم على ذلك(3).
ومن هذه الوقائع ما ذكره الشيخ عبد الجليل عيسى من علماء الأزهر البارزين في كتابه «اجتهاد نبيِّ الإسلام»: «روى البخاري، عن أبي هُرَيْرة 3 ، أنَّ رسول الله قال: «والذي نَفْسي بيدِه لقد هممتُ أن آمُرَ بحطبٍ فيُحطب، ثمَّ آمُرَ بالصَّلاة فيؤذَّن لها، ثمَّ آمُر رجلًا فيؤمُّ النَّاس، ثمَّ أُخالف(4) إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم(5) بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أن يجد عَرْقًا(6) سمينًا، أو مِرْمَاتَيْن(7) حسنتين، لشهد العشاء»(8). وفي رواية مسلم: أخَّر العشاء ليلة فخرج فوجد النَّاس قليلًا فغضب... فذكر الحديث(9).
ولكنَّه لم يفعل ما همَّ على فعله، إمَّا باجتهادٍ آخر، أو بوحيٍ من الله في ذلك.
ويروي مسلم، عن عائشة # ، عن جُدامة بنت وهبٍ الأسَديَّة، أنَّها سمعت رسولَ الله يقول: «لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلَة(10)، حتَّى ذكرتُ أنَّ الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضرُّ أولادهم»(11).
قال العلماء: وسبب همِّه بالنهي عنها خوف الضرر على الولد الرضيع. وكانوا يقولون: إنَّ الأطباء ترى هذا اللبن داء، إذا شربه الولد ضَوِي واعتلَّ. فلذا كانت العرب تكرهه وتتَّقيه بقدر الطاقة.
والنووي يُعلِّق على هذا الحديث بقوله: وفي الحديث جواز اجتهاده ، وبه قال جمهور أهل الأصول(12).
وأيضًا هنا في صورة العزم وعدم الفعل يشقُّ على الإنسان تحديد وقت العدول عن تنفيذه ما همَّ أن يفعله، للسبب الَّذي ذكرناه فيما سبق.
وروى البخاري عن أبي هُرَيْرة 3 أنَّه قال: بعثنا في بعثٍ، فقال: «إنْ لقيتم فلانًا وفلانًا ـ لرجلين من قريش سمَّاهما ـ فحرِّقوهما بالنار، ثمَّ أتيناه نودِّعه حين أردنا الخروج، فقال: إنِّي كنتُ أمرتكم أن تحرِّقوا فلانًا وفلانًا بالنَّار، وإنَّ النَّار لا يعذِّب بها إلَّا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما»(13). وفي رواية ابن إسحاق: «ثمَّ رأيتُ أنَّه لا ينبغي أن يُعذِّب بالنَّار إلَّا الله»(14).
ويعلق الحافظ ابن حجر بقوله: وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادًا، ثمَّ الرجوع عنه(15).
ويروي مسلم في صحيحه عن أبي هُرَيْرة أنَّه قال: كنَّا قعودًا حول رسول الله معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخَشِينا أن يُقتطع دونَنا، وفزعنا، فقمنا، فكنتُ أوَّل من فَزِعَ حتَّى أتيت حائطًا للأنصار لبني النَّجَّار، فدرتُ حوله حتَّى دخلته، فوجدتُ رسول الله ، فقال: «أبو هُريرة؟» فقلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما شأنُك؟» قلتُ: كنتَ بين أظهرنا... وذكر ما حصل. فقال : «يا أبا هريرة‍، اذهب، فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إلٰه إلَّا الله مستيقنًا بها قلبُه، فبشِّره بالجنَّة».
فكان أوَّل من لقيت عمر، فسألني، فقلتُ: بعثني رسول الله من لقيتُ يشهد أن لا إلٰه إلَّا الله مستيقنًا بها قلبه بشَّرتُه بالجنَّة. فضرب عمر بيده بين ثدييَّ، فخررتُ لاستي. فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله فأَجْهَشْتُ بكاءً، وركبني عمر، فإذا هو على إثري. فقال رسول الله : «ما لك يا أبا هريرة؟». قلتُ: لقيتُ عمر، فأخبرته بالَّذي بعثتني به فضرب بين ثدييَّ ضربةً خررْتُ لاستي. قال: ارجع. فقال رسول الله : «يا عمرُ، ما حملَك على ما فعلتَ؟». قال: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأُمِّي، أبعثت أبا هُرَيْرة من لقي يشهد أن لا إلٰه إلَّا الله مستيقنًا بها قلبه بشَّره بالجنَّة؟! قال: «نعم». قال: فلا تفعلْ، فإنِّي أخشى أن يتَّكل النَّاس عليها، فخلِّهم يعملون! قال رسول الله : «فخلِّهم»(16)»(17).
والحقيقة الَّتي قلتها، ولا زلت أقولها هي: أنَّ الرسول الكريم قد يجتهد في بعض الأمور الَّتي ليس فيها وحي، وقد يخطئ فيها، كما هو شأن المجتهد دائمًا، ولكن مزيته على غيره: أنَّ الله تعالى لا يقرُّه على الخطأ، فسرعان ما ينزل عليه الوحي يستدرك عليه، ويصحِّح له خطأه؛ لأنَّه لو تُرك الخطأ دون تصحيح وتصويب، لأصبح شرعًا للنَّاس، عليهم أن يتَّبعوه وينفذوه؛ لأنَّ الله لم يرسله إلَّا ليطاع بإذن الله.
وأنا أعلم أن في هذه القضيَّة خلافًا بين علماء الأصول، وأنَّ منهم من لم يقلْ بجواز الاجتهاد للرسول ولا للرسل من قبله، وإذا لم يكن الاجتهاد جائزًا له، فلا يتصوَّر الخطأ منه. وأنَّ من الأصوليِّين من رجَّح هذا القول.
ولكنِّي رجَّحت القول الآخر الَّذي قال به عدد من الأصوليِّين المعتبرين، من أمثال الآمدي، وابن الحاجب، وابن الهُمام.
وهو ما اختاره العلَّامة الشوكاني من المتأخِّرين في كتابه «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقِّ من علم الأصول» وقال: إنَّه قول الجمهور(18).
ترجيح الآمدي:
قال العلَّامة الآمدي في «الإحكام»: اختلفوا في أنَّ النبيَّ 0 : ، هل كان متعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نصَّ فيه؟
فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف: إنَّه كان متعبَّدًا به.
وقال أبو عليٍّ الجبَّائي وابنه أبو هاشم (من المعتزلة): إنَّه لم يكن متعبَّدًا به.
وجوّز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع. وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبد الجبَّار وأبو الحسين البصري (من المعتزلة).
ومن النَّاس من قال: إنَّه كان له الاجتهاد في أمور الحروب، دون الأحكام الشرعيَّة.
والمختار جواز ذلك عقلًا، ووقوعه سمعًا.
أمَّا الجواز العقليُّ، فلأنَّا لو فرضنا أن الله تعالى تعبَّده بذلك، وقال له: «حُكمي عليك أن تجتهد وتقيس» لم يلزم عنه لذاته محالٌ عقلًا، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك.
وأمَّا الوقوع السمعيُّ، فيدلُّ عليه: الكتاب، والسُّنَّة، والمعقول.
أمَّا الكتاب فقوله تعالى:﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ[الحشر: 2]. أمر بالاعتبار على العموم لأهل البصائر، والنبيُّ 0 : أجلُّهم في ذلك، فكان داخلًا في العموم، وهو دليل التعبُّد بالاجتهاد والقياس، على ما سبق تقريره في إثبات القياس على منكريه.
وأيضًا قوله تعالى:﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ[النساء: 105]. وما أراه يعمُّ الحكم بالنصِّ، والاستنباط من النصوص.
وأيضًا قوله تعالى:﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ[آل عمران: 159]. والمشاورة إنَّما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد، لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي.
وأيضًا قوله تعالى بطريق العتاب للنبيِّ 0 : في أُسارى بدر، وقد أطلقهم: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67].
فقال 0 : : «لو نزل من السماء إلى الأرض عذابٌ، ما نجا منه إلَّا عمر»(19). لأنَّه كان قد أشار بقتلهم، وذلك يدلُّ على أنَّ ذلك كان بالاجتهاد، لا بالوحي. وأيضًا قوله تعالى: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، عاتبه على ذلك ونسبه إلى الخطأ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، فلم يبقَ سوى الاجتهاد.
وليس ذلك خاصًّا بالنبيِّ 0 : ، بل كان غيره أيضًا من الأنبياء متعبَّدًا بذلك. ويدلُّ عليه قوله تعالى:﴿وَدَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ[الأنبياء: 78]، وقوله:﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَٰنَ ۚ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا[الأنبياء: 79]. وما يذكر بالتفهيم إنَّما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي.
وأمَّا السُّنَّة، فما روى الشعبيُّ أنَّه كان رسول الله ، يقضي القضيَّة، وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضى به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلَّا باجتهاد(20).
وأيضًا ما روي عنه أنَّه قال في مكة: «لا يُختلى خَلَاها، ولا يُعضَدُ شجرُها». فقال العبَّاس: إلَّا الإِذْخِر؟ فقال 0 : : «إلَّا الإذخر»(21). ومعلوم أنَّ الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد.
وأيضًا ما روي عنه 0 : أنَّه قال: «العلماء ورثة الأنبياء»(22). وذلك يدلُّ على أنَّه كان متعبَّدًا بالاجتهاد، وإلَّا لما كانت علماء أُمَّته وارثة لذلك عنه، وهو خلاف الخبر.
وأمَّا المعقول، فمن وَجْهَيْن:
الأوَّل: أنَّ العمل بالاجتهاد أشقُّ من العمل بدلالة النصِّ لظهوره، وزيادة المشقَّة سببٌ لزيادة الثواب، لقوله 0 : لعائشة: «ثوابُكِ على قَدْرِ نَصَبِكِ»(23). فلو لم يكن النبيُّ 0 : عاملًا بالاجتهاد مع عمل أُمَّته به. لزم اختصاصهم بفضيلةٍ لم توجد له، وهو ممتنعٌ، فإنَّ آحاد أُمَّة النبيِّ لا يكون أفضل من النبيِّ في شيءٍ أصلًا.
الثاني: أنَّ القياس هو النَّظر في ملاحظة المعنى المستنبَط من الحُكم المنصوص عليه، وإلحاق نظير المنصوص به، بواسطة المعنى المستنبط، والنبيُّ 0 : أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره، وبُعده عن الخطأ، والإقرار عليه. وإذا عرف ذلك فقد ترجَّح في نظره إثبات الحُكم في الفرع ضرورة؛ فلو لم يقضِ به، لكان تاركًا لما ظنَّه حكمًا لله تعالى على بصيرة منه، وهو حرام بالإجماع(24).
هذا وقد ذكر الإمام الآمدي مشاغبات المخالفين في هذه القضيَّة من النصوص ومن المعقول، وفصَّلها، ثمَّ ردَّ عليها بما يبيِّن تهافتها وضعفها، فثبت ما رجَّحه الآمدي والحمد لله.
ترجيح الإمام الشوكاني:
وذكر الإمام الشوكاني في كتابه «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقِّ من علم الأصول» في «جواز الاجتهاد للأنبياء» خلاصة الأقوال في هذه المسألة، فقال رحمه الله تعالي:
اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء، صلوات الله عليهم، بعد أن أجمعوا على أنَّه يجوز عقلًا تعبُّدهم بالاجتهاد كغيرهم من المجتهدين، حكى هذا الإجماع ابن فورك، والأستاذ أبو منصور‎. وأجمعوا أيضًا على أنَّه يجوز لهم الاجتهاد فيما يتعلَّق بمصالح الدُّنيا، وتدبير الحروب، ونحوها، حكى هذا الإجماع سليم الرازي، وابن حزم(25).
وذلك كما قلت وقع من نبيِّنا ﷺ  ، من إرادته بأن يصالح «غطفان» على ثلث ثمار المدينة(26)، وكذلك ما كان قد عزم عليه من ترك تلقيح ثمار المدينة(27).
اجتهاد الأنبياء في الأحكام الشرعيَّة:
فأمَّا اجتهادهم في الأحكام الشرعيَّة والأمور الدينيَّة، فقد اختلفوا في ذلك على مذاهب:
الأوَّل: ليس لهم ذلك، لقدرتهم على النصِّ بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 4]. والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقول: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ [النجم: 3].
وقد حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي.
وقال القاضي في «التقريب»: كلُّ من نفى القياس أحال تعبُّد النبيَّ ﷺ  به.
قال الزركشي: وهو ظاهر اختيار ابن حزم(28).
واحتجُّوا أيضًا بأنَّه ﷺ  كان إذا سئل ينتظر الوحي، ويقول: «ما أُنزل عليَّ في هذا شيء». كما قال لما سئل عن زكاة الحمير. فقال: «لم ينزل عليَّ (في ذلك) إلَّا هذه الآية الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ شَرًّۭا يَرَهُۥ[الزلزلة: 7، 8](29)». وكذلك انتظر الوحي في كثيرٍ ممَّا سُئل عنه(30).
ومن الذاهبين إلى هذا المذهب: أبو علي، وأبو هاشم(31) (الجُبَّائيان من المعتزلة).
المذهب الثَّاني: أنه يجوز لنبيِّنا ﷺ  ، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور.
واحتجُّوا بأنَّ الله سبحانه خاطب نبيَّه ﷺ  كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبُّر والاعتبار، وهو أجلُّ المتفكِّرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين بها.
وأمَّا قوله:﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ[النجم: 3، 4]، فالمراد به القرآن؛ لأنَّهم قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ[النحل: 103]، ولو سلم، لم يدل على نفي اجتهاده؛ لأنَّه ﷺ  إذا كان متعبَّدًا بالاجتهاد بالوحي، لم يكن نطقًا عن الهوى، بل عن الوحي.
وإذا جاز لغيره من الأُمَّة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه معرَّضًا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.
وأيضًا قد وقع ذلك كثيرًا منه ﷺ  ، ومن غيره من الأنبياء.
فأمَّا منه، فمثل قوله: «أرأيتَ لو تمضمضتَ»(32). «أرأيتَ لو كان على أمِّك دَين»(33). وقوله للعباس: «إلَّا الإذخِر»(34). ولم ينتظر الوحي في هذا، ولا في كثير ممَّا سُئل عنه، وقد قال : «ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه»(35).
وأمَّا من غيره، فمثل قصَّة داود وسليمان(36).
وأمَّا ما احتجَّ به المانعون، من أنَّه ﷺ  لو جاز له الاجتهاد، لجازت مخالفته، واللازم باطل.
وبيان الملازمة: أنَّ ذلك الَّذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد، ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة؛ إذ لا قطع بأنَّه حكم الله، لكونه محتملًا للإصابة، ومحتملًا للخطأ، فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاد غيره، لعدم اقترانه بما اقترن به اجتهاده ﷺ  من الأمر باتِّباعه.
وأما ما احتجُّوا به من أنَّه لو كان متعبَّدًا بالاجتهاد لما تأخَّر في جواب سؤال سائل، فقد أجيب عنه بأنَّه إنَّما تأخَّر في بعض المواطن، لجواز أن ينزل عليه فيه الوحي الَّذي عدمه شرط في صحَّة اجتهاده، على أنَّه قد يتأخَّر الجواب لمجرد الاستثبات في الجواب، والنَّظر فيما ينبغي النَّظر فيه في الحادثة، كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين.
المذهب الثالث:
الوقف عن القطع بشيءٍ من ذلك، وزعم الصَّيْرفي في «شرح الرسالة» أنَّه مذهب الشافعي؛ لأنَّه حكى الأقوال، ولم يختر شيئًا منها. واختار هذا القاضي أبو بكر الباقلَّاني والغزالي(37).
قال الشوكاني:
ولا وجه للوقف في هذه المسألة، لما قدَّمنا من الأدلَّة الدالَّة على الوقوع، على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله 8 ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ[التوبة: 43]. فعاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه.
ومن ذلك ما صحَّ عنه   ، من قوله: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْت الهديَ»(38). أي: لو علمتُ أولًا ما علمتُ آخرًا ما فعلت ذلك، ومثل ذلك لا يكون فيما علمه  ﷺ  بالوحي، وأمثال ذلك كثيرة، كمعاتبته  ﷺ  على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67](39).
وكما في معاتبته  ﷺ  بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37](40)، إلى آخر ما قصَّه الله في ذلك في كتابه العزيز.
والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسطٍ طويل، وفيما ذكرناه يغني عن ذلك، ولم يأتِ المانعون بحجَّة تستحقُّ المنع، أو التوقُّف لأجلها(41).
والخلاصة هنا ما قاله الشيخ عبد الجليل عيسى:
الآن قد ذكرنا من الأمثلة والشواهد ما يدلُّ على وقوع الاجتهاد منه متنوِّعًا حسَب طبيعة الإنسان؛ فرأيناه اجتهد وعبَّر عن اجتهاده بالقول مرَّة، والعمل والفعل أخرى، وإقرار رأي بعض صحابته أو عدم إقراره إيَّاه ثالثة.
والاجتهاد منه ـ إذن ـ مؤكَّد الوقوع، سواء كان عن طريق القرآن الكريم أو السُّنَّة الصحيحة.
وموضوع اجتهاده 0 : لم يكن خاصًّا بموضوع معيَّن، ولا بوقتٍ ومكان، بل تناول عدَّة أمور من واقع حياته وحياة المؤمنين معه، وما لم يكن من واقع حياته وحياة المؤمنين معه كذلك، كما في حديث نسل الممسوخ(42)، وحديث عذاب القبر(43)، وامتدَّ إلى تعبير الرؤيا بل رأى بعض العلماء أنَّه تناول فهم القرآن ـ ونحن لا نقرُّ ذلك الرأي لما فيه من الخطورة ـ وحدث في أزمنة متعددة وأمكنة مختلفة.
كما لم يكن رأيه 0 : فيما اجتهد فيه، يمثِّل الصواب دائمًا، ولا محلَّ رضاء الله تعالى عنه دائمًا كذلك، كما أنَّ تصويب الخطأ في رأيه من المولى جل شأنه، أو منه 0 : ، أو من صحابته، لم يكن دائمًا أبدًا عقب ظهور الرأي مباشرة، بل قد كشفت الأيام عن خطأ هذا الرأي في بعض الأحايين، أو كان سببًا في أن عاتبه عليه مولاه جل شأنه، أو وقع التصويب بعد فترة زمنيَّة تقصر وتطول، ممَّا لا يدع شكًّا في أنَّ الرسول بشر يجوز عليه ـ عدا ما خصَّه به الله ـ ما يجوز على أيِّ بشرٍ آخر.
فالفصول الثلاثة من الباب الثَّاني تصوِّر في جملتها تنوع اجتهاده ، وبالتالي تصوُّر وقوع اجتهادٍ منه، وفي غير أمرٍ واحد، وغير زمانٍ واحد، وغير مكانٍ واحد.
وفيما أبداه 0 : من رأي في تلقيح النخل أظهرت الأيام عدم نفعه لمن أخذوا به، كما لم يجئ وحي بشأنه، والله 4 إذ يوافقه على ما رأى وطلب بقوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا[البقرة: 144]، لا يوافقه على ما رأى وطلب في ناحيةٍ أخرى، كما جاء في قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ[الأنعام: 33]. بل قد يعاتبه ـ وأحيانًا يشتدُّ في العتاب ـ على ما رأى 0 : مثل ما جاء في قوله تعالى:﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ[الأحزاب: 37]، وفي قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ[آل عمران: 128]، وفي قوله: ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ[الإسراء: 73]، وفي قوله:﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟[التوبة: 43].
وفيما نُقل عنه 0 : تعديلًا لرأيه الأوَّل في حديث التحريق بالنار(44) ـ في رواية البخاري عن أبي هُرَيْرة ـ وفيما أوحي إليه من الله جل شأنه في أمر عذاب القبر(45) ـ في رواية مسلم عن عائشة ـ وفيما ذكره تعالى اسمه إجابة لما رأى وطلب في شأن القِبْلة(46) ـ في سورة البقرة ـ يدلُّ على وجود فترة زمنية لا يُعرَف مقدارُها على وجه الدِّقَّة بين الرأي ومجيء الصواب به، أو بين الطلب وإجابته.
1 ـ فالاجتهاد جاز على الرسول صلوات الله عليه إذن؛ لأنَّه وقع منه.
2 ـ وموضوعه متنوِّع: ديني أو دنيوي، مغيَّب أو مشاهد، كما يؤخذ من الروايات المذكورة(47).
← العودة لقسم 1- أدلة الأحكام