2026-06-13
1,027
الأخذ بالأقوى دليلًا من الآراء
ما رأي فضيلتكم فيمن يأخذ من كل مذهب الأسهل له؟ فهل هذا جائز أو لا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يجوز للإنسان أن يتَّبع هواه في الأخذ من المذاهب، فينظر ما يحلو له وما يرى فيه مصلحته العاجلة، فيأخذه، فإذا كان يريد ـ مثلًا ـ أن يأخذ من جاره بالشفعة يقول: الشفعة للجار، على مذهب الأحناف. وإذا كان الجار هو الَّذي يريد أن يأخذ منه بالشفعة يقول: لا، الشفعة ليست إلَّا للشريك، على مذهب الجمهور.
يجعل الدين تبعًا لهواه، يأخذ ما يحلو له. لا. المفروض يأخذ المذهب الأقوى والأرجح، إذا كان من أهل الاجتهاد أو من أهل العلم، ويستطيع ترجيح الأدلَّة، فيرجح بين الأدلَّة، أما إذا كان من العوام غير المشتغلين بالعلم، فيبحث عن العالم الَّذي يطمئن إليه، ويطالبه أن يفتيه بالرأي الأرجح والأقوى دليلًا، ولا يتّبع الرخص، أو يبحث عن الأسهل فقط.
من ضوابط الأخذ بالرخص:
والحق أن الأخذ بالرخص له ضوابط، حتَّى لا يتحوَّل إلى تلاعب بالدين، منها: ألا يكون الأخذ بالرخصة لغرض فاسد.
ومن هنا جاء منع تتبع الرخص، لكفِّ النَّاس عن الجري وراء الأسهل من غير دليل، والأصل أنه يجوز للعامي أن يأخذ في كل مسألة بقول مجتهد يكون أخف عليه من مجتهد آخر، لما روي عن عائشة # أنَّ النبيَّ ﷺ كان يحبُّ ما خفف على الناس(1).
وألَّا يجمع بين رخص من عدَّة مذاهب، ليخرج بصورة جديدة تخالف الإجماع، وهو ما يسمى: «التلفيق»، كمن تزوَّج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، أخذ عدَّة رخص من عدَّة مذاهب لفَّقها وجمعها، فأتى بصورة لم يقل بها أحد من العلماء.
أقول: وليس من الضروري أن يبحث الإنسان عن الأشد والأثقل، فبعض النَّاس يظن أنه لكي لا يأخذ الأسهل يبحث عن الأصعب والأشد، لا؛ لأنَّ كثيرًا ما يكون الأرجح دليلًا هو الأيسر، وهذا بتجربتي، وجدتُ أن أيسر الآراء الأقوى في الدليل؛ لأنَّ هذا الدين قائم على اليسر، وليس على العسر، ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾[البقرة: 185]. وما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا(2). فأكثر الآراء تيسيرًا هي أقواها دليلًا في الجملة.
فالإنسان يبحث عن الأرجح وإن كان هو الأيسر، وإذا كانت الأدلَّة متكافئة يرجِّح الإنسان الأيسر، وخصوصًا عند الحاجة، فقد يُفتي بالرأي الأيسر لشدة الحاجة إليه، ولعموم البلوى، فيراعي حاجة الناس، ولذلك العلماء قالوا: ما حرُم لذاته يباح للضرورة، وما حرُم لسد الذريعة يباح للحاجة، والضرورات تبيح المحظورات، وما يشقُّ الاحتراز منه يعفى عنه، والمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع... إلى آخر ما قالوه من قواعد في هذا الأمر.
(1) رواه أحمد (24559)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط البخاري. والحديث في الصحيحين بنحو ذلك رواه البخاري في التهجد (1128)، ومسلم في صلاة المسافرين (718).
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري في المناقب (3560)، ومسلم في الفضائل (2327)، عن عائشة.