2026-06-13
1,011
هل يجوز العمل بما يخالف المذاهب الأربعة؟
سؤال وجَّهه بعض القراء إليَّ منذ أكثر من ثلث قرن، بمناسبة ما ينشر في مجلة «نور الإسلام» ـ كانت هذه المجلة تعبِّر عن علماء الدعوة والإرشاد في الأزهر الشريف ـ من بحوث فقهية اتخذ لها كاتبها عنوان «غريب الأحكام».
س: هل يجوز العمل بهذه الأحكام الغريبة، وإن خالفت المذهب الَّذي ارتضاه القارئ وقلّد إمامه؟ على أن في هذه الأحكام ما خالف المذاهب الأربعة المعتمدة جميعًا، فكيف تطمئن النفس للعمل به؟ وهل يليق بمجلة شعبية عامَّة أن تنشر مثل هذه الغرائب، وتثير بين قرائها الجدل والخصام، وهي تدعو إلى الوحدة والإخاء والوئام؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فللإجابة على هذا التساؤل في وعي وإنصاف؛ يجدر بكل قارئ يعنيه أمر دينه، ويبحث عن الحق المجرد: أن يضع أمام عينه الحقائق التالية:
أولًا: كثرة الأئمَّة المجتهدين:
إنَّ مذاهب الفقه الإسلامي ليست محصورة في أربعة، كما يظن من لا علم له، وإن الأئمَّة ليسوا هم مالكًا وأبا حنيفة والشافعي وأحمد فحسب، فقد عاصر هؤلاء أئمَّة كانوا في مثل مرتبتهم من العلم والاجتهاد، إن لم يكونوا أفقه وأعلم.
كان الليث بن سعد معاصرًا لمالك، وقد قال فيه الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلَّا أن أصحابه لم يقوموا به»(1).
وكان في العراق سفيان الثوري الَّذي لا يقل في مرتبته الفقهية عن أبي حنيفة.
وقد عدَّه الغزالي أحد الأئمَّة الخمسة في الفقه، فضلًا عن إمامته في علم السُّنَّة، حتَّى لُقِّب بـ «أمير المؤمنين في الحديث».
وكان الأوزاعي إمام الشام غير منازع، وقد ظل مذهبه معمولًا به هناك أكثر من مائتي عام.
وكان هناك من آل البيت الإمام زيد بن علي، وأخوه الإمام أبو جعفر محمَّد بن علي الباقر، وابنه الإمام جعفر الصادق، وكل منهم إمام مجتهد مطلق، معترف بإمامته عند أهل السُّنَّة جميعًا.
وكان الطبري بعد هؤلاء مجتهدًا مطلقًا، وإمامًا في الفقه، كما هو إمام في التفسير والحديث والتاريخ، وكان لمذهبه أتباع ثمَّ انقرضوا.
وقبل الأئمَّة الأربعة كان هناك أئمَّة وأساتذة لهم، بل لشيوخهم وشيوخ شيوخهم، يشار إليهم بالبنان: بحور علم ومصابيح هدى. وأي دارس للعلم يجهل مثل: سعيد بن المسيب، والفقهاء السبعة بالمدينة، وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والأسود، وعلقمة، وإبراهيم، ومسروق، ومكحول، والزهري، وغيرهم من فقهاء التابعين الَّذين تخرجوا في مدرسة الصحابة رضوان الله عليهم؟ والَّذين كان الأئمَّة بعدهم عيالًا عليهم.
وقبل هؤلاء كان فقهاء الصحابة الَّذين تخرجوا في مدرسة النبوة، وشاهدوا أسباب تنزيل القرآن وورود الحديث، وكانوا أصفى فهمًا للدين، وأعلم بمقاصد القرآن، وأدرى بدلالات اللغة وألفاظها. ومن يجهل فقه أبي بكر وعمر، وعلي وعثمان، وابن مسعود وابن عبَّاس، وابن عمر وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعائشة، وغيرهم من أئمَّة الصحابة الَّذين بهم يُقتدى فيُهتدى؟
ثانيًا: الأئمَّة الأربعة لم يدَّعوا لأنفسهم العصمة:
إنَّ الأئمَّة الأربعة ـ كغيرهم من المجتهدين ـ لم يدَّعوا لأنفسهم العصمة، ولم يزعمها لهم أحد من العلماء، وغاية الأمر أنَّهم مجتهدون يتحرّون الصواب، ما وسعتهم طاقتهم البشرية؛ فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر، ولهذا كانوا كثيرًا ما يرجعون عن آرائهم، ويختارون غيرها تبعًا لما ظهر لهم من الدليل، وهذا سرُّ ورود أكثر من رواية في المسألة الواحدة عن الإمام الواحد، وقد عُرف أن الشافعي كان له مذهبان: مذهب قديم في العراق، ومذهب جديد في مصر، ولا تكاد تخلو مسألة مهمة من الفقه إلَّا ولمالك وأحمد فيها أكثر من رواية، وقد رجع أبو حنيفة عن بعض آرائه قبل موته بأيام.
وقبلهم كان عمر يفتي برأي في عام، ثمَّ يفتي بما يخالفه في العام القابل، فإذا سُئل في ذلك قال: ذلك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم!
وقد خالف أبا حنيفة أصحابُه في مئات من المسائل لما لاح لهم من الأدلَّة، أو وصل إليهم من الآثار، أو أدركوا من مصالح النَّاس وحاجاتهم بعد إمامهم، ولهذا كثيرًا ما يقول بعض علماء الحنفيَّة في المسائل الخلافيَّة: «هذا اختلافُ عصرٍ وزمان، لا اختلافُ حُجَّةٍ وبرهان»(2).
وحين اجتمع أبو يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة وأفضلهم بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مقدار الصاع ومسألة الأحباس ـ الوقف ـ وصدقة الخضراوات، فأخبره مالك بما دلَّت عليه السنة في ذلك، فقال: «رجعتُ لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ـ يعني أبا حنيفة ـ ما رأيتُ، لرجع كما رجعتُ»(3). وهذا هو الإنصاف الَّذي يثمره العلم الراسخ، والاجتهاد الصحيح. وكل ما جاء عن الأئمَّة رحمهم الله يؤكِّد هذه الحقيقة الناصعة.
قال أبو حنيفة: «هذا رأيي، وهذا أحسنُ ما رأيت، فمن جاء برأيٍ خيرٍ منه قبلناه»(4).
وقال مالك: «إنَّما أنا بشرٌ أُصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسُّنَّة»(5). وقال الشافعي: «إذا صحَّ الحديث بخلاف قولي، فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجَّة موضوعة على الطريق فهي قولي»(6).
ومن روائع ما يُروى عنه قوله: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب».
ثالثًا: لا دليل على وجوب تقليد مذهب بعينه:
إنَّ اتِّباع مذهب من هذه المذاهب، وتقليد إمامه في كل ما يقول ليس فرضًا ولا سُنَّة، فقول بعض المؤلفين: «إنَّ تقليد إمامٍ معيَّن واجب»، قول مرفوض.
1 ـ فقد ثبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع: أن الله تعالى إنَّما افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلَّا رسول الله ﷺ . واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما أمر به ونهى عنه إلَّا رسوله ﷺ . ولهذا جاء عن ابن عبَّاس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس أنَّهم كانوا يقولون: ما من أحد إلَّا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلَّا رسول الله ﷺ .
وإذن فاتباع غير المعصوم في كل ما يقوله ضلال بيِّن؛ إذ يجعل كل إمام في أتباعه بمنزلة النبيّ في أمته، وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله به النَّصارى في قوله:﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾[التوبة: 31].
وما ذاك إلَّا أنَّهم كانوا يطيعونهم فيما يُحلُّون ويحرِّمون، كما جاء عن الرسول ﷺ .
2 ـ على أن الأئمَّة أنفسهم قد نهوا عن تقليدهم، ولم يزعموا يومًا أنَّهم يشرعون للناس دينًا يجب أن يتبع، وحذروا من أخذ أقوالهم بغير حجة، فقال الشافعي: «مثل الَّذي يطلب العلم بلا حُجَّة، كمثل حاطبِ لَيْل، يحمل حُزمةَ حطبٍ وفيه أفعى، تلدغه وهو لا يدري»(7).
وقال المُزَني في أوَّل مختصره: «اختصرت هذا من علم الشافعيِّ ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده ـ مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره ـ لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه».
وقال أحمد: «لا تقلِّدني ولا تقلِّد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا» وقال: «من قلَّة فقه الرجل أن يقلِّد دينَه الرجالَ». وقال أبو يوسف: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا، حتَّى يعلم من أين قلنا»(8).
3 ـ إنَّ تقليد هذه المذاهب والتعصُّب لها أمرٌ مبتدَع في هذه الأمَّة، مخالفٌ لهديِ السلف والقرون الثلاثة الأولى. يقول صاحب «تقويم الأدلَّة»:
«كان النَّاس في الصدر الأوَّل ـ أعني الصحابة والتابعين والصالحين ـ يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثمَّ السنة، ثمَّ بأقوال من بعد رسول الله ﷺ ما يصح بالحجة، فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ثمَّ يخالفه بقول عليّ في مسألة أخرى. ولم يكن المذهب في الشريعة عمريًّا ولا علويًّا، بل النسبة كانت إلى رسول الله ﷺ فكانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله ﷺ بالخير، فكانوا يرون الحجة؛ لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبت التقوى عن عامَّة القرن الرابع، وكسلوا عن طلب الحجج، جعلوا علماءهم حجَّة واتبعوهم، فصار بعضهم حنفيًّا، وبعضهم مالكيًّا وبعضهم شافعيًّا، ينصرون الحجة بالرجال، ويعتقدون الصحَّة بالميلاد على ذلك المذهب»(9).
وقال الشيخ الإمام عزُّ الدِّين بن عبد السلام: «لم يزل النَّاس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصِّبوها من المقلِّدين؛ فإنَّ أحدهم يتبع إمامه مع بُعد مذهبه عن الأدلَّة مقلِّدًا له فيما قال، كأنَّه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحدٌ من أولي الألباب»(10).
وإذن فالواجب على المسلم إذا تعذر عليه إدراك الأحكام من أدلَّتها أن يسأل أهل الذكر، ولا يجب عليه التزام مذهب معين؛ إذ لا واجب إلَّا ما أوجبه الله ورسوله، وهما لم يوجبا على أحدٍ أن يكون حنفيًّا أو شافعيًّا أو غير ذلك، قال شارح «مُسلَّم الثبوت»: «فإيجابه تشريعُ شرعٍ جديد»(11).
رابعًا: مخالفة إمام ليست طعنًا في إمامته:
إن مخالفة الأئمَّة الأربعة كلهم أو بعضهم ليست طعنًا في إمامتهم، ولا حطًّا من شأنهم، ولا قدحًا في سَعَة علمهم، وصحَّة اجتهادهم، وصدق تحرِّيهم للحق، ومن ظنَّ ذلك فقد جهل حقيقة هذه الأمة وتاريخها.
بل إنَّ حبَّ هؤلاء الأعلام وتوقيرهم والثناء عليهم، من صميم دين الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة كتابه: «رفع الملام عن الأئمَّة الأعلام»: «يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الَّذين هم ورثة الأنبياء، والَّذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ فإنَّهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا..»(12).
قال ابن القاسم: «سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : ليس كما قال ناس فيه توسعة(13)، ليس كذلك، إنَّما هو خطأ وصواب. وقال مالك أيضًا في اختلافهم: مخطئ ومصيب، وعليك بالاجتهاد»(14).
فإذا كان الصحابة الكرام ـ في نظر مالك والليث ـ منهم المخطئ والمصيب، فما بالك بغيرهم؟!
خامسًا: ابن حزم يحرِّم التقليد:
إننا اخترنا أخف العبارات في شأن التقليد، فذكرنا أنه ليس واجبًا ولا سُنَّة. ولكن أمانة العلم توجب علينا أن نطلع القارئ المسلم، على ما ذكره فقيه قوي الحجة كابن حزم حيث قال: «إنَّ التقليد حرام، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يأخذ قول أحدٍ غير رسول الله ﷺ بلا برهان:1 ـ لقوله تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ﴾[الأعراف: 3]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ﴾[البقرة: 170]. وقال مادحًا لمن لم يقلِّد:﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾[الزمر: 17، 18].2 ـ وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾[النساء: 59]. فلم يبح الله تعالى الردَّ عند التنازع إلى أحدٍ دون القرآن والسُّنَّة، وحرم كذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل؛ لأنَّه غير القرآن والسُّنَّة.3 ـ وقد صحَّ إجماع الصحابة كلهم، أولهم عن آخرهم، وإجماع التابعين كلهم، أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين، أولهم عن آخرهم، على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو من قبلهم، فيأخذه كله. فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة، أو جميع أقوال مالك، أو جميع أقوال الشافعي، أو جميع أقوال أحمد @ ؛ ولم يترك قول من اتبعه منهم أو من غيرهم إلى قول إنسان بعينه، أنه قد خالف إجماع الأمة كلها، أولها عن آخرها، بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفًا ولا إنسانًا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة؛ فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، نعوذ بالله من هذه المنزلة.4 ـ وأيضًا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليدهم، فقد خالفهم من قلَّدهم.5 ـ وأيضًا فما الَّذي جعل رجلًا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يُقلَّد من عمر بن الخطاب، أو علي بن أبي طالب، أو ابن مسعود، أو ابن عمر، أو ابن عبَّاس، أو عائشة أم المؤمنين @ ؟ فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق أن يتبع من غيره»(15) اهـ .
وأولى من يوجه إليهم هذا الكلام هم العلماء الَّذين قرؤوا القرآن والحديث، والفقه والأصول، ودرسوا اللغة والأساليب، ومع هذا لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والمقارنة والتمحيص، إخلادًا إلى الكسل، وركونًا إلى الدعة، فإذا قام منهم من يبحث ويوازن ويرجح ـ كما هو شأن العالم الحق ـ قالوا له: قف، من أنت؟ ودع النَّاس على ما نشؤوا عليه، وثاروا عليه كأنَّما يدعو إلى شيء منكر!
أما عوام الناس، فلا نسلم بقول ابن حزم أن التقليد بالنسبة لهم يكون حرامًا، ولعلنا نناقشه في مناسبة أخرى.
سادسًا: غرابة الأحكام نسبيَّة:
إنَّ غرابة الحكم أمرٌ نسبيٌّ، فرُبَّ حكمٍ غريب في بيئة تراه متعالَمًا مشهورًا في بيئة أخرى، ورُبَّ حُكم يثير الغرابة والدهشة في عصر، يصبح في عصر آخر مسلَّمًا مُتلقًّى بالرضا والقَبول، ويصبح خلافه هو الغريب. فالغرابة ليست مطلقة، كما أنَّها ليست ثابتة، بل تتغيَّر بتغيُّر المكان، كما تختلف باختلاف الزمان.
ونضرب لذلك بعض الأمثلة: فالمجتمع الَّذي يتعبد أبناؤه على مذهب «الشافعي» يجدون من الغريب الشاذِّ أن يصلِّي قوم الجمعة دون ركعتين قبلها، على حين يرى المجتمع «المالكي» عكس ذلك.
والبيئة الشافعيَّة تستغرب أشدَّ الغرابة أن يقرأ المصلِّي الفاتحة دون «بسم الله الرحمٰن الرحيم» خلافًا للمالكيَّة الَّذين لا يقرؤونها أصلًا، والحنفيَّة الَّذين لا يجهرون بها. وتستغرب البيئة الشافعيَّة صلاة المسلم إذا مسَّ المرأة ولم يتوضأ، وصلاة من أصابته أبوال الإبل والبقر والغنم وأرواثها دون أن يغسلها، خلافًا للمالكيَّة وغيرهم ممَّن يقرِّر: أن كل ما أكل لحمه فبوله وروثه طاهر. بل تستغرب جدًّا أن يصلي المرء وقد مسَّه كلب مبلَّل، عكس مذهب مالك الَّذي يرى طهارة الكلب، وهكذا.
وفي عصرنا نجد بعض الأحكام الَّتي أفتى بها بعض الأئمَّة قد استُقْبلت في بدء أمرها بموجة من الدهشة، بل الاستنكار والاستياء، وما لبثت أن شقَّت طريقها إلى العقول والقلوب، فاتَّضحت حُجَّتُها، وأضاءت وجهتها، وظهر لجمهور الأُمَّة موافقتها لحكمة الشريعة الَّتي جاءت بكلِّ ما يجلب المصالح، ويدرأ المفاسد، فأصبحت مقبولةً بعد ردٍّ، ومعروفةً بعد إنكار.
ومن ذلك تلك التعديلات الضخمة الَّتي أدخلت على تشريعات الأسرة الَّتي تُسمَّى بالأحوال الشخصية، مثل عدم إيقاع الطلاق المعلَّق، والذي يُراد به الحمل على فعل شيء أو المنع منه، وإيقاع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة طلقة واحدة، ومثل قانون الوصية الواجبة الَّذي سلمت بها ذرية الأب المتوفَّى من قسوة الأعمام، وإهمال الأجداد، وقد استغربه النَّاس أوَّل الأمر، ثمَّ أصبح في غاية القبول عند الأمة، وكيف لا، وأصله مأخوذ من القرآن؟
إنَّ كلمة «الغريب» ليس لها من مدلول محدَّد، فإن كان المراد من الأحكام ما يخالف قول جمهور العلماء، فقد قال ابن حزم: «لقد أخرجنا على أبي حنيفة والشافعي ومالك مئات كثيرة من المسائل، قال فيها كل واحد منهم بقول لا نعلم أحدًا من المسلمين قاله قبله، فاعجبوا لهذا»(16).
سابعًا: لا تلازم بين الصواب وشهرة الرأي:
إنَّ الصواب ليس لازمًا للمشهور من الآراء، والخطأ ليس لازمًا للغريب، فالصواب والخطأ لا يتبعان الشهرة ولا الغرابة عند المحققين من العلماء، فكم من حكم مشهور إذا نوقشت أدلته تهاوت دعائمه، وخارت قواه. وكم من حكمٍ غريبٍ يبدو بأدلَّته في وضوح الشمس ليس دونها سحاب.
والمسلم الَّذي يتحرى لدينه يجب أن يكون معياره لمعرفة الحق هو قوَّة الحجة ونصاعة الدليل، لا شهرة الرأي، أو كثرة القائلين به والذاهبين إليه.
ولو كان مقياس الحق هو اتِّباع الأغلبية له، وإيمان الأكثرية به، لكان الإسلام باطلًا بين الأديان الضالة والنحل المضلة، الَّتي يعد أتباعها مئات الملايين، وقد قال تعالى:﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾[يوسف: 103]، ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾[الأنعام: 116]، ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الرعد: 1]، ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الأنعام: 37]، ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾[الحجرات: 4]، ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾[يونس: 60].
وقد خالف عبد الله بن مسعود جمهور النَّاس في بعض المواقف والآراء، فسأله بعض أصحابه: ألا يتبع الجماعة؟ فقال: الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك(17)!
وقد حذّر ابن مسعود من زمان تختل فيه الموازين؛ فيألف النَّاس الباطل، ويستغربون الحق، ويعرفون المنكر، وينكرون المعروف. قال: كيف إذا لبستكم فتنة يشب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، تجري على الناس، يتخذونها سنة، حتَّى إذا غيرت قيل: غُيِّرت السُّنَّة، أو هذا منكر!
ويكفي دليلًا على أن الغرابة ليست دليل الخطأ أن بعض الآيات المحكمة من كتاب الله قد هجر العمل بها، حتَّى في عهد الصحابة، بحيث أصبح حكمها غريبًا على النَّاس، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[النساء: 8]. وقد ظنَّ بعض العلماء أنَّها منسوخة لذلك ترك العمل بها. وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ﴾[النور: 58]. وقد قال ابن عبَّاس: إنَّ الشيطان غلب النَّاس على هذه الآيات فلم يعملوا بها(18).
ثامنًا: الاختلاف في الفروع لا يؤدي إلى تفرق:
إنَّ الخلاف في المسائل الاجتهاديَّة الَّتي لم يرد فيها نصٌّ قاطعُ الثبوت والدلالة لا يجوز أن يؤدي إلى تفرق أو تنازع، وقد خالف الصحابة بعضهم بعضًا، ولم يُحدِث ذلك بينهم فرقة ولا عداوة ولا شحناء.
وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرأ، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ ممَّا مسَّته النار، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ومع هذا فكان يصلي بعضهم خلف بعض؛ مثلما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم @ يصلُّون خلف أئمَّة المدينة من المالكيَّة وغيرهم، وإن كانوا لا يقرؤون البسملة، لا سرًّا ولا جهرًا.
وصلى هارون الرشيد إمامًا، وقد احتجم، فصلى الإمام أبو يوسف خلفه، ولم يعد، وكان قد أفتاه الإمام مالك بأنَّه لا وضوء عليه.
وكان الإمام أحمد يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل تصلي خلفه؟ قال: كيف لا أصلِّي خلف مالك وسعيد بن المسيب؟!
وصلَّى الشافعيُّ قريبًا من مقبرة أبي حنيفة، فلم يقنتْ تأدُّبًا معه، وقال: ربَّما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق.
وفي البزازيَّة ـ من كتب الحنفيَّة ـ عن الإمام الثَّاني أبي يوسف: أنَّه صلَّى يوم الجمعة مغتسلًا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا، ثمَّ أُخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام. فقال: إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا(19).
وما ذلك إلَّا أن هذه المسائل وأشباهها محتملة مرنة، وكثيرًا ما يكون كلا الوجهين في المسألة مشروعًا، فإن لم يكن فالصواب غير مقطوع به، والخطأ معذور صاحبه بل مأجور. ولهذا كان الأئمَّة في هذه المواضع يصحِّحون القول، ويثبتون خلافه. يقول أحدهم: هذا أحوط، وهذا هو المختار. وهذا أحبُّ إليّ، أو يقول: ما بلغنا إلَّا ذلك. وهذا كثير في المبسوط، وآثار محمد، وكلام الشافعي، رحمهم الله(20).
ورضي الله عن الإمام مالك ما كان أفقهه؛ فقد حكى السيوطي: أن الرشيد شاوره أن يعلق كتاب «الموطَّأ» في الكعبة، ويحمل النَّاس على ما فيه. فقال: لا تفعل فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلُّ سُنَّةٌ مضت. قال الرشيد: وفَّقك الله يا أبا عبد الله! وحكى مثل هذه القصَّة مع المنصور أيضًا(21).
وبعد: فلست أكتب هذا دفاعًا عن كاتب «غريب الأحكام» ولست مؤيده في كل الجزئيات الَّتي يعرض لها، ولكنما أؤيد منهج البحث والمقارنة وتمحيص الأقوال. وعلى المسلم أن يجعل نفسه أسير الدليل والحجة، فأيُّ حكمٍ قَوِيَ عنده دليله، واقتنع به عقله، واطمأن إليه قلبه، فعليه أن يعمل به. ولا حرج عليه أن يكون من «غريب الأحكام».
ولا يخوفه أن يكون في هذا الحكم تيسير على الناس؛ فإن ديننا لم يجئ إلَّا باليسر والتخفيف والرحمة. قال ! : «إنَّما بُعِثْتُ بالحنيفيَّة السَّمْحة»(22). وقال لأصحابه: «يسِّروا ولا تعسِّروا»(23)، «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين»(24)، وقال تعالى:﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾[البقرة: 185]، ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا﴾[النساء: 28]، ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[المائدة: 6].
(1) سير أعلام النبلاء (8/156)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، ط 3، 1405هـ ـ 1985م.
(2) قد عقد ابن القيم فصلاً ممتعًا عن: تغير الفتوى بتغير الأزمان. ينبغي أن يراجع في إعلام الموقِّعين (3/11) وما بعدها.
(3) مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/306، 307)، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ ـ 1995م.
(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/211).
(5) المصدر السابق.
(6) مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/211).
(7) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (263).
(8) إعلام الموقِّعين لابن القيم (2/139، 140).
(9) تقويم الأدلة في أصول الفقه لأبي زيد الدبوسي صـ 399، تحقيق خليل محيي الدين الميس، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1421هـ ـ 2001م.
(10) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/371)، نشر دار القلم، دمشق، ط 1، 2000م، وحجة الله البالغة (1/264)، تحقيق السيد سابق، نشر دار الجيل، بيروت، ط 1، 1426هـ ـ 2005م.
(11) انظر: مقدمة مقارنة المذاهب للأستاذ الأكبر الشيخ شلتوت والشيخ محمد السايس، نشر مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1953م.
(12) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام صـ 8، نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، 1403هـ ـ 1983م.
(13) بلى، فيه توسعة ورحمة، كما جاء ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، كما نقل ذلك ابن عبد البر وغيره؛ لأنهم كانوا أسوة لمن بعدهم في التسامح وتقدير رأي الآخرين، وإن كان أحد الرأيين خطأ، انظر كتابنا: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم صـ 59 وما بعدها، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 3، 1427هـ ـ 2007م.
(14) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/178).
(15) انظر: النبذة الكافية في أحكام أصول الدين لابن حزم صـ 71، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1405هـ ، والإنصاف في بيان أسباب الاختلاف للدهلوي صـ 97 ـ 99، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، نشر دار النفائس، بيروت، ط 2، 1404هـ .
(16) الإحكام في أصول الأحكام (4/179).
(17) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (160)، تحقيق أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، نشر دار طيبة، السعودية، ط 8، 1423هـ ـ 2003م.
(18) انظر: تفسير ابن كثير (6/82).
(19) القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد لابن تيمية صـ 142، نشر دار الدعوة، الكويت، ط 1، 1988م.
(20) حجة الله البالغة (1/270).
(21) المرجع السابق، وانظر كتابنا: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم صـ 59 وما بعدها.
(22) رواه أحمد (22291)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والطبراني (8/222)، وحسن إسناده ابن حجر في تغليق التعليق (2/43)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9441): رواه أحمد والطبراني وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف. وقال المناوي في فيض القدير (3150): إنه لا ينزل عن رتبة الحسن. عن أبي أمامة.
(23) متَّفَق عليه: رواه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، عن أنس.
(24) رواه البخاري في الوضوء (220)، عن أبي هريرة.