2026-06-13
1,025
ما يجب على المفتي والمستفتي
نسأل في شأن الرجل يستفتي عالمًا مفتيًا ورعًا ذا ثقة وعلم، فيفتيه في الموضوع، فهل على المستفتي أن يستفتي عالمًا آخر ليستيقن من صحَّة الفتوى أم يكتفي بالمفتي الأول؟
وإذا اختلف أهل الفتوى المعتبرون شرعًا ورسميًّا في الموضوع الواحد، فبأيِّ الآراء يأخذ المستفتي؟ هل يرجِّح الجانب الَّذي يتماشى مع مصلحته أم يأخذ بالأحوط؟ أقصد ماذا يفعل إذا اختلفت الفتاوى في الموضوع الواحد؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأخ السائل يسأل عن أمر مهمٍّ، وهو أمر واقع، ما له من دافع، أنَّ الإنسان قد يستفتي عالمًا فيفتيه، ثمَّ يسأل آخر فيفتيه بغير ما أفتاه الأول!
نقول: إذا كان العالم بهذه الصفات الَّتي وصفها الأخ السائل ـ أي: عالم ورع تقي ثقة ذو علم ـ وأفتاه، واطمأنَّ قلبه إلى ما أفتاه به، فليس مطلوبًا منه أن يستفتي عالمًا آخر، لكن إذا لم يسترح قلبه إلى الفتوى، فعليه أن يسأل عالمًا آخر، أو إذا وجد آخرين يقولون هذه الفتوى خطأ، فيسأل عالمًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا، ليزداد اطمئنانًا.
علم الفقه أشبه بعلم الطبِّ:
وأقول للأخ السائل: اختلاف المفتين مشكلة لا مخلص منها، فهناك أمور يتفق عليها العلماء، وأمور يختلف فيها العلماء.
وأنا أشبِّه علم الفقه هنا بعلم الطبِّ، فكما يعالج الطبيب المرض، يعالج المفتي ما في قلب المستفتي من حيرة أو شبهة أو جهل بالحكم.
الإنسان قد يُصاب بمرض، ويعرض نفسه على الأطبَّاء، فيتَّفقون أحيانًا، ويختلفون أحيانًا، ماذا يفعل المريض إذا اختلف الأطباء؟ لا بدَّ أنه يرجِّح قول أحد هؤلاء.
أحيانًا يذهب المريض إلى طبيب مشهور ويعرض نفسه عليه، وما يقوله الطبيب هذا ينفذه وينتهي الأمر؛ لأنَّه أهل الاختصاص وأهل الثقة وأهل الشهرة، تسامع النَّاس عنه أنه لا نظير له، فلا يحتاج المريض إلى طبيب آخر، وأحيانًا يظلُّ في النفس شيء بعد كلام هذا الطبيب الثقة، فيحتاج المريض أن يعرض نفسه على طبيبٍ ثانٍ وثالث، وهكذا، حتَّى يصل إلى درجة الاطمئنان.
أحيانًا يأخذ بالأكثر عددًا، أحدهم قال رأيًا، وأربعة قالوا رأيًا آخر. فيأخذ برأي الأربعة، ويقول: رأي الأربعة هو الأرجح عندي. وأحيانًا يأخذ برأي الأوثق عنده؛ لأنَّه الأدقُّ تخصُّصًا والأكثر خبرة بموضوع المرض، أمَّا البقية فليسوا مثله في دقَّة التخصُّص. وأحيانًا يقول: هذا الطبيب أشهر، هذا طبيب عالمي، النَّاس عرفوه في الشرق والغرب، ويذهب النَّاس إليه من هنا ومن هناك.
المهمُّ أنَّه لا بدَّ أنه يجد في نفسه مرجِّحًا قويًّا من المرجِّحات يجعله يأخذ بهذا الرأي أو ذاك، ويحكم أن هذا الطبيب أفضل من غيره.
وما يقال في مجال الطبِّ يقال في مجال الفقه، فعلى المستفتي أن يحسن اختيار من يستفتيه، وأن يصل إلى درجة الاقتناع والطمأنينة والثقة بقوله، فإذا لم يصل إلى هذه الدرجة يسأل غيره، حتَّى يصل إلى هذه الدرجة من الطمأنينة القلبية واليقين إلى صحَّة ما أفتي به.
روى الإمام أحمد، عن أبي ثَعْلبة الخُشَني، قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني بما يحلُّ ويحرم. فصعَّد النبيُّ ﷺ فيَّ النظر وصوَّبه، ثمَّ قال: «البِرُّ ما سكنت إليه النَّفْسُ، واطمأنَّ إليه القلب، والإثمُ ما لم تسكنْ إليه النَّفْس، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون»(1).
فإذا اطمأنَّ إلى قول عالم، وظهر بعد ذلك أنَّه خطأ، يكون قد استفرغ جُهده في الوصول للحقِّ، ولا شيءَ عليه.
اجتهاد العلماء واجتهاد العوام:
يقولون: اجتهاد العلماء في الأدلَّة، واجتهاد العوام في العلماء.
أي: إنَّ اجتهاد العالم أن يوازن بين الأدلَّة، وينظر دليل كل قول، ويرجِّح بين الأقوال وأدلتها، ويختار منها، هذا عمل العالم المجتهد.
أمَّا العاميُّ الَّذي لم يصل إلى درجة الاجتهاد ولا النظر في الأدلَّة، فماذا يفعل؟ يسأل العلماء، واجتهاده فيمن يسأل، فيجتهد ليسأل من هو أكثر علمًا، وأوسع أفقًا، وأكثر ورعًا، وليس عليه أكثر من هذا.
قال الإمام القرطبي في تفسيره: «فرضُ العاميِّ الَّذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته، فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه: أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده، فيسأله عن نازلته، فيمتثل فيها فتواه، لقوله تعالى: ﴿فَسْـَٔلُوٓاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل: 43، الأنبياء: 7]. وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته، بالبحث عنه، حتَّى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس»(2).
فإذا اجتهد فيمن يسأله، وأداه اجتهاده إلى عالم، واستفتاه: خرج من الإثم، فقد سأل أهل الذكر، كما قال الله تعالى: ﴿فَسْـَٔلُوٓاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل: 43]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ﴾[فاطر: 14]، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾[النساء: 83]. فقد أرجع الأمر إلى أهله، وردَّ الشأن إلى أصحابه، وعمل ما عليه، وإذا عمل ما عليه فقد برئ من الإثم، والذي يتحمل المسؤولية هو من يفتيه، وفي الحديث: «ومن أُفْتِي بفُتيا غيرِ ثَبْتٍ، فإنَّما إثمُه على من أفتاه»(3).
تسرُّع المفتي في الفتوى:
وعلى المفتي ألَّا يتسرع فيفتي بفتوى غير مدقَّقة ولا محقَّقة، وإنَّما عليه إذا استُفتي أن يتحقَّق ويفتي بما يعلم، وإذا لم يعلم يقول: لا أدري. فلا أدري نصف العلم، ومن قال: لا أدري فقد أجاب.
والنبيُّ ﷺ كان أحيانًا يُسأل، فينتظر حتَّى يسأل جبريل، وكما في القرآن الكريم:﴿يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ﴾[الأحزاب: 63]، ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾[الإسراء: 85].
إذا كان هذا شأن الرسول ﷺ أعلم خلق الله: أنَّه أحيانًا يُسأل فيقول: لا أدري. فما بالكم بمن دونه؟!
فالعالم الثقة يفتي فيما يحسن العلم به، وما لا يحسن العلم به يؤجله، أو يقول: الله أعلم. أو يقول: انتظروني حتَّى أكوِّن رأيًا في المسألة.
وهذا ما أفعله والحمد لله، أحيانًا لا أُكوِّن رأيًا في المسألة فأتركها، وقد أتركها شهورًا، وأحيانًا أتركها سنين عددًا، وفي بعض المسائل لم أكوِّن فيها رأيًا إلى الآن، فالإنسان يقول ما يعلمه، وما لا يعلمه يقول فيه: الله أعلم.
والخطر كلُّ الخطر أن يفتي بعض النَّاس بغير علم، فعن ابن عبَّاس: أنَّ رجلًا أصابه جرح في عهد رسول الله ﷺ ، ثمَّ أصابه احتلام، فأُمر بالاغتسال، فمات، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألم يكنْ شفاءُ العِيِّ السؤال؟!»(4). اعتبرهم قتلة، ودعا عليهم فقال: «قتلهم الله»؛ لأنَّهم دخلوا فيما لا يعنيهم، وأفتوا بما لا يعلمون، فتسبَّبوا في قتل الرجل. بعض الفتاوى قاتلة، قد تقتل جماعة وليس فردًا فقط.
وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من أن يصير المتصدِّرون للفتوى ليسوا أهلًا لها، ففي الحديث الصحيح المتَّفق عليه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء، حتَّى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ النَّاس رؤوسًا جهَّالًا، فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا»(5).
الرؤوس الجهَّال هؤلاء هم الَّذين يُهلكون الناس، يُسألون، فلا يقولون: لا نعلم، لا ندري. يتجرؤون على الفتوى، وقد ورد في الأثر: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النَّار»(6). يُفتون بغير علمٍ فيَضلُّون ويُضلُّون، وهذا ـ والعياذ بالله ـ مؤذِن بخراب الدنيا، نسأل الله السلامة.
(1) رواه أحمد (17742)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. والطبراني (22/319)، وجوَّد إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (2684)، عن أبي ثعلبة الخشني.
(2) تفسير القرطبي (2/212).
(3) سبق تخريجه صـ 127.
(4) رواه أحمد (3056)، وقال مخرِّجوه: حسن. وأبو داود (337)، وابن ماجه (572)، كلاهما في الطهارة.
(5) سبق تخريجه صـ 126.
(6) رواه الدارمي في المقدمة (159)، وقال العجلوني في كشف الخفاء (113): رواه ابن عدي عن عبد الله بن جعفر مرسلًا. وذكره ابن بطة في رسالته في الخلع صـ 30، موقوفًا على عمر، وضعفه الألباني في الضعيفة (1814). والأولى أنه ليس بحديث مرفوع، ولذا قلنا: في الأثر.