2026-06-13
1,011
رسالة إلى تارك الصلاة
وصلتني رسالة من الابن خالد، يشكو فيها من كسل والديه وإخوته عن أداء فريضة الصلاة، رغم أنَّه يصف أسرته وصفًا يدلُّ على حبِّه وتقديره وتعلُّقه بهذه الأسرة، حتَّى إنِّي استغربتُ أن يوصف هؤلاء بهذا الوصف، ومع هذا يتركون الصلاة. تاركو الصلاة ـ عادةً ـ أناسٌ ليس لهم خُلُقٌ ولا دين، فالأخ يصف أباه وأمه وإخوته بكل فضيلة، وبكل مكرمة، وبكل عمل خير، وبالطيبة وبالكرم، وبالسخاء وبالبذل والعطاء، ولكنَّه يأخذ عليهم هذه النقيصة الَّتي لا تغتفر، نقيصة ترك الصلاة، ويناشدهم بحرقة وبحب وإخلاص أن يراعوا أداء حق الله تبارك وتعالى. ويطلب منِّي توجيه النصح لهم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أنا أحيِّي هذه الرُّوح من هذا الأخ السائل، الَّذي يحب أبويه وإخوته وأسرته، بل يحبُّ المسلمين جميعًا، ولا يحبُّ أن يدخل أحدٌ منهم النَّار بسبب تفريطه في جنْب الله 8 ، وهذا هو الحبُّ الحقيقي، من أحبَّ أباه وأمه وإخوته فليحبَّ لهم النجاة من النار، أن يُزحزحوا عن النار، وأن يدخلوا الجنَّة، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
الفوز الحقيقيُّ أن تُزحزح عن النَّار وتدخل الجنَّة، ليس الفوز أن تجمع الألوف والملايين، ليس الفوز أن تبني القصور وتشيِّد الفيلات الفخمة، ليس الفوز أن تركب السيارات الفارهة، ليس الفوز أن يكون لك في رصيدك ملايين الريالات أو الدولارات أو الجنيهات، ليس هذا هو الفوز، الفوز الحقيقي أن تدخل الجنة، وتزحزح عن النار.
فالأخ يريد لأبويه ولإخوته أن يزحزحوا عن النار، وأن يدخلوا الجنة، ولا يمكن أن يتمَّ لهم هذا وهم تاركو الصلاة، الصلاة عمود الدين، كما قال النبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبل: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذُرْوة سَنَامه؟». قال معاذ: فقلتُ: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذُروة سَنامِه الجهاد»(1). فالصلاة عمود الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
ولذلك أجمع العلماء على أن من ترك الصلاة استخفافًا بها، أو استهزاءً، أو إنكارًا لوجوبها فهو كافر مارق من الدين، مرق من الدين كما يمرق السهم من الرّمِيَّة، ليس له في الدين نصيب، هذا بالإجماع.
وأمَّا من تركها تهاونًا وكسلًا، وهو مقرٌّ بأنَّها واجب وأنَّها فرض، وأنَّها الركن الثَّاني للإسلام بعد الشهادتين، فقد اختلفوا فيه، فبعضهم قال: إنَّه كافر، ويجب أن يدعى إلى الصلاة، فإن صلَّى وإلَّا قُتل. وبعضهم قال: هو فاسق، وليس بكافر، ويُدعى إلى الصلاة، فإن صلَّى وإلَّا قتل. وبعضهم قال: هو فاسق ولا يقتل، ولكنَّه يضرب ويحبس ويعزَّر ويهدَّد.
والصلاة صلة بين العبد وربِّه، تصل المسلم دائمًا بربِّه، وتجعله على موعد معه، في كلِّ يوم خمس مرَّات، تذكره إذا نسي، وتنبِّهه إذا غفل، وتقوِّيه إذا ضعف،﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾[هود: 114].
الصلاة تجب على المسلم في كلِّ الأحوال:
وهي عبادة تجب على المسلم في السفر والحضر، وفي الصحَّة والمرض، وفي السلم والحرب، لا تسقط بحالٍ من الأحوال.
ولهذا نجد في الفقه الإسلامي صلاة المسافر، بما فيها من قصر وجمع، وصلاة المريض، وفيها حديث: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جَنْب»(2).
ونجد صلاة الخوف ـ أو صلاة الحرب ـ وفيها جاء قوله تعالى:﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾[النساء: 102].
حتى في حالة التحام الصفوف، والتقاء السيوف بالسيوف، واحتدام المعركة بين الطرفين، يصلِّي المسلم كيفما استطاع، راجلًا أو راكبًا ولو بالإيماء، دون اشتراط ركوع أو سجود أو اتجاه إلى قبلة، وفي هذا يقول القرآن:﴿حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ ٢٣٨ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 238 ـ 239].
الصلاة من أسباب السكينة:
والصلاة من أسباب السكينة النفسيَّة الَّتي حُرِمها الماديُّون، ونَعِمَ بها المؤمنون، بها يناجي المؤمن ربَّه كلَّ يوم، فالصلاة لحظات ارتقاء روحي، يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه، ليقف بين يدي ربه ومولاه، ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه: داعيًا راغبًا ضارعًا.
وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوَّة للنفس، ومدد للعزيمة، وطمأنينة للروح.
لهذا جعل الله الصلاة سلاحًا للمؤمن يستعين به في معركة الحياة، ويواجه به كوارثها وآلامها، قال الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾[البقرة: 153]. وكان محمَّد رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة(3).
الصلاة الإسلاميَّة من ميزات الإسلام:
والصلاة شعيرة عظيمة، امتاز بها الإسلام. بعض الَّذين دخلوا الإسلام من الغربيين مثل: «اللورد هيدلي»، أحد اللوردات في بريطانيا، دخل الإسلام في الربع الأوَّل من القرن الماضي، وألَّف كتابًا سمَّاه «إيقاظ الغرب للإسلام»، وكان ممَّا قاله: «الإسلام هو الدين الَّذي يجعل الإنسان يعبد الله حقيقة مدى الحياة! لا في أيام الآحاد فقط». وقال: «إن حركات الصلاة منتظمة تفيد الجسم والروح معًا، وذات بساطة ولطافة، وغير مسبوقة في صلاة غيرها».
الصلاة تطهير:
قال النبيُّ ﷺ : «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلَّ يوم خمسَ مرَّات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟!». قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا»(4).
الصلاة أشبه بمِضخَّة الإطفاء، تطفئ حرائق الذنوب، الَّتي لا يسلم إنسان منها، كل إنسان يقع في خطايا اللسان، وخطايا العينين، وخطايا الأذنين، وخطايا الجوارح. جاء في حديث عبد الله بن مسعود 3 عن النبيِّ ﷺ : «تحترقون تحترقون، فإذا صلَّيتم الفجرَ غسلتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإذا صلَّيتم الظهرَ غسلتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإذا صلَّيتم العصرَ غسلتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإذا صلَّيتم المغربَ غسلتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإذا صلَّيتم العشاء غسلتها، ثمَّ تنامون فلا يكتبُ عليكم شيءٌ حتَّى تستيقظوا»(5). وكما جاء في الحديث الَّذي رواه مسلم، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان، مكفراتُ ما بينَهنَّ إذا اجتنب الكبائر»(6).
الصلاة كفَّارة يومية، كيف يحرم الإنسان نفسه من هذا المغتسَل اليومي؟! من هذا التطهير اليومي، من هذه الكفارة المستمرَّة، كيف يحرم الإنسان نفسه من الوقوف بين يدي الله؟! يقف بين يدي ربه يتضرع إليه ويناجيه، يناجي كريمًا غير بخيل، وقويًّا غير ضعيف، ويسأله:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾[الفاتحة: 5 ـ 7].
لماذا يحرم الإنسان نفسه من هذا؟ الَّذي يحرم نفسه من هذا الخير حرم نفسه من خير عظيم، الإنسان يستكثر الصلاة، وهي دقائق معدودات.
صحيح أن الله تعالى يقول عن الصلاة: ﴿وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ٤٥ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 45 ـ 46]. هي كبيرة ثقيلة إلَّا على الخاشعين، الَّذين يظنون أنَّهم ملاقو الله، وأنَّهم راجعون إلى الله، هؤلاء تخف عليهم الصلاة، يعتبرون الصلاة راحةً لأنفسهم، كما كان النبيّ ﷺ إذا حزبه أمر صلّى(7). ويقول ﷺ : «وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة»(8). ولذلك إذا حان وقتها كان يقول لمؤذنه بلال: «يا بلالُ، أرِحْنا بالصلاة»(9). يستريح بها. وبعضنا لا يريد أن يستريح بالصلاة، إنَّما يستريح من الصلاة. ولكن لو عرفنا حقيقة الصلاة لوجدناها قرة عين، وفرحنا بها.
ينبغي على المسلم أن يسارع إلى الصلاة:
والمسلم ينبغي عليه أن يسارع إلى الصلاة، ولا يؤخرها عن وقتها، والله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌۭ لِّلْمُصَلِّينَ ٤ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[الماعون: 4 ـ 5]. الَّذين يتغافلون وينشغلون عن الصلاة حتَّى يفوت وقتها، هؤلاء لهم ويل، لهم عذاب وهلاك، الويل كل الويل للذين﴿هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
قال بعض السلف: الحمد لله أنَّه قال:﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ولم يقل: الَّذين هم في صلاتهم ساهون. لأنَّنا كلَّنا نسهو في الصلاة، أمَّا السهو عن الصلاة، فالتشاغل عن الصلاة بأمور الدنيا، وأمور الدنيا لا تساوي شيئًا.
سيدنا سليمان 0 : كان له مُلك عظيم، فيه الجن والإنس والطير، ومما يُروى: أنَّه مرَّ بموكبه على زارع يبذر الحب في الأرض ويسقي الحرث، فنظر هذا الزارع إلى موكب سليمان الهائل وقال: والله لقد أوتيت يا ابن داود ملكًا عظيمًا. فبلغت هذه الكلمة سليمان 0 : ، فقال: والله لتسبيحة في صحيفة مؤمن خيرٌ من ملك ابن داود، فإن مُلك ابن داود يزول ويفنى، والتسبيحة في صحيفة المؤمن تبقى(10).
الصلاة أوَّل ما يُحاسب عليه يوم القيامة:
الدنيا لا تساوي جناح بعوضة، كيف تشغل الإنسان مشاغل الدنيا عن إقامة الصلاة، وهي حق الله الأوَّل على الإنسان؟! وأول ما يحاسب عليه يوم القيامة، كما قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أوَّل ما يحاسب النَّاس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة. يقول ربُّنا 8 لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمَّها أم نقصها؟ فإن كانت تامَّة كُتبت له تامَّة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا، هل لعبدي من تطوُّع؟ فإن كان له تطوع قال: أتمُّوا لعبدي فريضته من تطوعه. ثمَّ تؤخذ الأعمال على ذاكم»(11).
وقد وصف الله تعالى رُوّاد بيوته الَّتي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قال: ﴿رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ﴾[النور: 37]. هؤلاء لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ليسوا عاطلين، وليسوا دراويش، هم من رجال الأعمال، ولكن لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، الله تعالى يقول:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ﴾[المنافقون: 9].
الذي يلهيه ماله ويلهيه ولده عن ذكر الله وعن إقام الصلاة: هؤلاء هم الخاسرون، وقد ذكر النبيّ ﷺ الصلاة يومًا، فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبَيِّ بن خلف»(12).
قال ابن القيِّم: «وإنَّما خصَّ هؤلاء الأربعة بالذكر؛ لأنَّهم من رؤوس الكفرة. وفيه نكتة بديعة، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة، إمَّا أن يشغله ماله، أو ملكه، أو رئاسته، أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رئاسة وزارة فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبيِّ بن خلف»(13).
هؤلاء من أئمَّة أهل النار، الَّذين قال الله فيهم وفي أمثالهم: ﴿وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾[القصص: 41]. فهل يرضى الإنسان المسلم أن يحشر مع هؤلاء الكفرة الفجرة العتاة الطغاة؟
عقوبة من يتكاسل عن الصلاة:
لماذا لا يحافظُ الإنسان المسلم على الصلاة؟ إذا كان الله تعالى قال فيمن يصلُّون، ولكن يتشاغلون حتَّى يفوت وقت الصلاة: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ❁ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. فما بالك بمن لا يصليها حتَّى بعد أن يخرج وقتها؟!
فما بالك بمن لا يصلي أبدًا؟! ما بالك بمن لا ينحني لله راكعًا؟! استكثر على نفسه أن يقف بين يدي الله، أن يحني ظهره لله راكعًا، ويطأطئ ظهره لله ساجدًا.
هل هناك أحد أحق من الله بطاعتك وعبادتك؟ لو قدم لك الإنسان خدمة تشكره عليها، وتقول له: أنا شاكر لك جدًّا، أنا لن أنسى جميلك هذا! النَّاس يقولون: تأكل تمري وتعصي أمري؟! تأكل خيري وتطيع غيري؟! هذا لا يجوز، أنت تأكل رزق الله، ووسّع الله عليك، وأعطاك البنين والبنات، ثمَّ تبخل بالوقوف دقائق بين يدي الله 4 ، ألا تخاف أنَّ اللقمة الَّتي تأكلها تلعنك؟ أنَّ الثوب الَّذي تلبسه يلعنك؟ أنَّ الأرض الَّتي تمشي عليها تلعنك؟ لأنَّك تأكل رزق الله ولا تؤدِّي حق الله.
الصلاة فريضة عظيمة، الصلاة في الإسلام فيها الطهارة، وفيها أخذ الزينة، ﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ﴾[الأعراف: 31]. فيها الأذان يسمعه الناس، يذكِّر الناسي، وينبِّه الغافل، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، لن يفلح من ترك الصلاة.
الله تعالى يقول في وصف المؤمنين المفلحين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ﴾[المؤمنون: 1 ـ 2]. أوَّل صفة من صفات المؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ﴾. لم يقل الَّذين هم للصلاة فاعلون؛ لأنَّ هذا مفروغ منه؛ لأنَّه يصف المؤمنين المفلحين: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[المؤمنون: 11]. فكونهم يصلون أمر لا يحتاج إلى ذكر، لذا يصفهم بأنَّهم في الصلاة خاشعون، يقفون بين يدي الله خائفين يرتعشون، تُرعد فرائصهم من خشية الله 8 .
فأول أوصاف المؤمنين المفلحين: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ﴾، ثمَّ قال:﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ٧ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾[المؤمنون: 2 ـ 8]. وآخر أوصافهم: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[المؤمنون: 9 ـ 11]. فأول أوصاف المؤمنين الخشوع في الصلاة، وآخر أوصافهم المحافظة على الصلوات.
إقامة الصلاة والمحافظة عليها:
ما معنى المحافظة على الصلوات؟ أن تؤدِّيها في أوقاتها، بأركانها وشروطها، بإسباغ الوضوء، وإتمام الركوع، وإتمام السجود، وإتمام الطمأنينة، هذا من المحافظة على الصلوات، كما قال النبيُّ ﷺ في حديثه للمسيء صلاته: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثمَّ اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفع حتَّى تعدل قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا، وافعلْ ذلك في صلاتك كلِّها»(14).
بين الرجل وبين الشرك والكفر تركُ الصلاة:
فأنا أربأ بإنسانٍ مسلم يشهد أن لا إلٰه إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويعيش في دار الإسلام، وفي أرض الإسلام، وبين أهل الإسلام، ومع هذا يبخل على ربِّه بالوقوف لحظات ودقائق معدودات يصفُّ قدميه لله 8 ، ويقول لربه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أيجوز هذا من مسلم؟! لا يجوز هذا من مسلم أبدًا.
النبيُّ ﷺ قال: «إنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفرِ تركَ الصلاة»(15). يعني الفيصل الَّذي يميِّز المسلم من غير المسلم ترك الصلاة، كيف تعرف أنَّ هذا الرجل مسلم؟ أنَّه إذا سمع: الله أكبر، الله أكبر: سارع إلى الصلاة. هذا هو الفرق بين المسلم وغير المسلم، ويقول النبيّ ﷺ : «العهد الَّذي بينَنا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»(16).
ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يرون ترك شيء من الأعمال كفرًا إلَّا الصلاة، كأنَّهم يرون ترك الصلاة من الكفر، العمل الوحيد الَّذي يصفون من تركه بأنَّه كفر هو الصلاة، لأهمية هذه الصلاة.
وترك الصلاة إن لم يكن كفرًا فهو فسق، والإنسان يدعو الله أن يحبِّب إليه الإيمان ويزيِّنه في قلبه، ويكرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ليصبح من الراشدين.
كان سيدنا عمر بن الخطاب يشدِّد في أمر الصلاة، وكان يبعث إلى ولاته وأمرائه في الأقاليم يقول: إنَّ أهم أمركم عندي هو الصلاة، فمن ضيعها فهو لما سواها أشد تضييعًا(17). ولذلك كان الأمراء يؤمُّون النَّاس في الصلاة.
ولا يجوز للمسلم أن يقول: طهِّر قلبك، وخلِّص نيَّتك، وعاملِ النَّاس معاملة حسنة، فالدِّين المعاملة، والصلاة لا تهمُّ. صحيح أنَّ الدِّين المعاملة، ولكن هناك المعاملة مع النَّاس، وهناك المعاملة مع الله، تعامل النَّاس معاملة حسنة، وتعامل ربك معاملة سيئة؟! مَنْ أدّى لك معروفًا من النَّاس تشكره، ومَنْ غمرك من قرنك إلى قدمك بإحسانه ونعمه الظاهرة، مَنْ أسبغ نعمه عليك ظاهرة وباطنة، مَنْ سخَّر لك ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، مَنْ وهبك العقل الَّذي به تفكِّر، والإرادة الَّتي بها ترجِّح، والقدرة الَّتي بها تنفِّذ، مَنْ أعطاك الصحَّة والعافية، مَنْ أعطاك المال والولد، مَنْ هيَّأ لك أسباب الخير، مَنْ أعطاك كل هذا لا تشكره؟! تستكثر أن تقف بين يديه بضع دقائق مصلِّيًا؟! من يقول هذا؟
من هنا قال سيدنا عمر: مَنْ ضيَّع الصلاة فهو لما سواها أشد تضييعًا. فمن قبِل أن يضيع حق الله فهو لا يبالي أن يضيع حقوق الناس، إذا كان ربه الَّذي خلقه فسواه، وأنعم عليه بتلك النعم كلها، لا يبالي أن يعصيه، ولا يوفِّي إليه حقه، أفنأمن أن يحافظ على حقوق الناس؟!
ولهذا أنا أدعو المسلمين جميعًا، ومنهم أبوا هذا الأخ السائل الغيور وإخوته، وأدعو كل من قصر في الصلاة: أن يهتم بأمر الصلاة، أمر الصلاة أمر عظيم، لا يترك الصلاة ـ والعياذ بالله ـ إلَّا كافر، ولا يؤديها باستمرار في تكاسل إلَّا منافق، كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ﴾[التوبة: 54]. الكفرة هم الَّذين لا يصلون، ومن أجل ذلك يستحقون النار.
عرض الله تعالى لنا صورة من الصور يوم القيامة عن أصحاب النَّار وأصحاب الجنة، أهل الشمال وأهل اليمين، يقول سبحانه عن أهل اليمين: ﴿فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ ٤٠ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ ٤١ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾، ما الَّذي أدخلكم النار؟ فبماذا أجابوا؟ ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 40 ـ 44]. فأول شيء قالوه: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ﴾، أضعنا حق الله بإضاعة الصلاة، وأضعنا حق العباد، فلم نطعم المسكين.
والله تعالى وصف المشركين بقوله:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ ٤٨ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٤٩ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ﴾[المرسلات: 48 ـ 50]. ويقول في شأن جماعة آخرين من الكفرة: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ﴾[المائدة: 58]. يهزأ بالصلاة وبالمصلين، يقول لك: «خلِّ صلاتك تنفعك، خذني على جناحك». هذا كفرٌ والعياذ بالله، اتخاذ الصلاة هزوًا.
والله تعالى وصف المنافقين بقوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾[النساء: 142]. هؤلاء المنافقون إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، أي هم يؤدون الصلاة، ولكن في كسل، ليس في خفة ونهوض ونشاط وإقبال وحب، أي: هم يؤدونها كرهًا ورغمًا عنهم، فكيف بالإنسان الَّذي لا يؤدي الصلاة لا نشيطًا ولا كسلانًا، هو شرّ من المنافقين ـ والعياذ بالله ـ لا يؤدي الصلاة نهائيًّا، بعض النَّاس عاش ومات ولم يركع لله ركعة، فكيف يلقى الله؟!
الأخ الغيور يقول عن أبيه أنَّه بلغ ستِّين سنة، والنبيُّ ﷺ يقول في الحديث الصحيح الَّذي رواه الإمام البخاري: «أعذر اللهُ إلى امرئ أخَّر أجله حتَّى بلَّغهُ ستِّين سنة»(18). أمهله إلى الستِّين، فلا عذر له، وأعطاه من العمر حتَّى وصل إلى الستين، فماذا تنتظر بعد الستين؟ السلف كانوا يقولون: إذا بلغ الرجل الأربعين ولم يغلب خيرُه شرّه فليتجهزْ إلى النار. فليستعدَّ لجهنم والعياذُ بالله، هذا إذا بلغ الأربعين، فما بالك بمن بلغ الستِّين؟
وقالوا: إنَّ الرجل إذا بلغ الأربعين ولم يتُب إلى الله أمسك إبليس بلحيته وقال: وأبي لن تفلح أبدًا. لأنَّ من شبَّ على شيءٍ شاب عليه، ومن شاب على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ بُعِثَ عليه.
باب التوبة مفتوح:
نحن نريد أن نُرغم أنف إبليس، ونقول له: لا، سنتوب، فإنَّ الإنسان قد يبلغ الستِّين وفوق السِّتِّين ويتوب إلى الله توبةً نصوحًا، وباب التوبة مفتوح، ليس عليه حاجب ولا بوَّاب، والله تعالى يقول مخاطبًا رسوله ﷺ :﴿قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣ وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤ وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةًۭ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[الزمر: 53 ـ 55].
إذا كنَّا قصَّرنا فيما مضى فلنصلح فيما بقي، لم يسدّ الله علينا الأبواب، ولم يقطع دوننا الأسباب، ينادينا دائمًا أن نعود إليه، وأن نتوب إليه، يقول تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةًۭ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ﴾[التحريم: 8]، ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور: 31]، ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الحجرات: 11].
الصلاة أوَّل أركان الإسلام العمليَّة:
إنَّ الصلاة من أعظم فرائض الإسلام، هي الركن الأوَّل من الأركان العمليَّة في الإسلام، وهي الركن الثَّاني بعد الشهادتين: «بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إلٰه إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله». هذا مفتاح الإسلام، بهما يدخل الإنسان إلى الإسلام، ثم: «وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»(19). فأول الأركان العمليَّة بعد الشهادتين هي الصلاة، العبادات الأربع العمليَّة أولها الصلاة، ولذلك كتبنا الفقهية تبدأ أوَّل ما تبدأ بالطهارة؛ لأنَّ الطهارة شرط من شروط الصلاة، ثمَّ بعد ذلك الصلاة، ثمَّ الصيام، والزكاة، والحج، إلى آخره.
فأنا أدعو المسلمين المقصِّرين في أمر الصلاة، في شعيرة الصلاة، في فريضة الصلاة، في ركن الصلاة، أن يراجعوا أنفسهم، أن يحاسبوا أنفسهم، وأن يعلموا أنَّ أمر الصلاة أمر عظيم، وهي أوَّل ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
كلُّ الأنبياء دعَوْا إلى الصلاة:
وهذه الصلاة اشترك فيها الأنبياء جميعًا، كل الأديان، سيدنا إبراهيم يقول: ﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ [إبراهيم: 40]. ويقول الله تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 87]. وسيدنا لقمان يعظ ابنه فيقول: ﴿يَـٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. والمسيح عيسى ابن مريم حينما أنطقه الله في المهد صبيًّا قال: ﴿إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا ٣٠ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا﴾ [مريم: 30 ـ 31]، وقال الله عن بني إسرائيل: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ﴾ [المائدة: 12].
فالأنبياء جميعًا دعوا إلى الصلاة، ولكنَّ صلاة الإسلام صلاةٌ متميزة، بطهارتها، بشروطها، بقبلتها، بأذانها، بجماعتها، بأنَّها اشتملت على كل ألوان التعظيم لله؛ يعظم المسلمُ الله فيها بالتكبير، فحين تدخل الصلاة تقول: الله أكبر. وتقول: الله أكبر إذا ركعت، وتقول: الله أكبر إذا سجدت، وتقول: الله أكبر بين السجدتين، وتعظم الله بالتسبيح، تسبِّح الله إذا ركعت، تقول: سبحان ربي العظيم، وتسبِّح الله إذا سجدت، تقول: سبحان ربي الأعلى. وبتلاوة القرآن، تقرأ الفاتحة وسورة من القرآن، أو تقرأ الفاتحة وما تيسر من آيات القرآن، وتعظِّمه سبحانه بالركوع والانحناء لله 8 ، وبالسجود، و«أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد»(20). كلُّ هذا في الصلاة الإسلاميَّة.
إلى كلِّ متكاسل عن الصلاة:
أقول لكلِّ متكاسلٍ عن الصلاة: الله آخذ بناصيتك، ويستطيع أن يقبضك إليه، وأن يتوفَّاك في أيِّ لحظة، أتأمن أن يأتيك الموت في أي لحظة من لحظاتك؟ هل ضمنت أن تعيش حتَّى تتوب وتصلي؟ ابن العشرين يقول: أتوب حين أصل إلى الثلاثين. وابن الثلاثين يقول: أتوب حين أصل إلى الأربعين. وابن الأربعين يقول: أتوب حين أصل إلى الخمسين. وابن الخمسين يقول: أتوب حين أصل إلى الستِّين. وابن السِّتِّين يقول: أتوب حين أصل إلى السبعين. ما يدريك أن تعيش إلى هذا العمر؟ ما يدريك إذا أصبحت أن يأتي عليك المساء؟ أو إذا أمسيت أن يأتي عليك الصباح؟ ما يدريك إذا خرجت من بيتك أتعود إليه على رجليك أو محمولًا على الأعناق؟ ما يدريك إذا لبست ثوبك أن تنزعه أنت بيدك، أم تنزعه عنك يد غاسلك؟ ما يدريك؟
الشاعر الصالح يقول(21):
تزوَّد من التقوى فإنَّك لا تدري
إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فكم من صحيحٍ ماتَ من غير علَّةٍ
وكم من سقيمٍ عاش حينًا من الدهرِ
وكم مِن فتًى يُمسي ويصبحُ آمنًا
وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يدري
قد يكون كفن الإنسان موجودًا عند من يبيع الأكفان وهو لا يعلم؛ لأنَّ الإنسان لا يعلم متى يموت، ولا أين يموت، ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ﴾[لقمان: 34]. الموت يأتي بغتة، وممكن أن يقع في أيِّ لحظة، كم من أناسٍ ماتوا بالسكتة القلبية، أو بالذبحة الصدرية، أو بالجلطة الدماغية، وما أكثر ما يحدث هذا في عصرنا! وما أكثر من يموت في الحوادث، خصوصًا حوادث السير والمرور! وممكن أن يكون الإنسان ماشيًا على قدميه، فتأتي سيارة فتصدمه فتقتله! كل هذا يحدث.
فالإنسان الحازم الموفّق السعيد هو الَّذي يعمل لغده، يأخذ من حياته لموته، ويأخذ من صحته لسقمه، ويأخذ من فراغه لشغله، ومن غناه لفقره، سيفتقر إلى عمل الصالحات يوم يكون في القبر.
يتمنَّى أهل القبور لو عادوا إلى الدنيا ليصلوا ركعتين، هذا أعظم ما يتمناه أهل القبور، وأكثر من يغبطهم أهل القبور هم أهل المساجد، يتمنون لو عادوا إلى المساجد فصلوا ركعتين لله، أو سبّحوا الله 8 .
الوقت أمامك طويل، والعمر ممدود، وكما قال الله تعالى عن أهل النَّار حينما يتمنَّون العودة إلى الدنيا: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾. فيقول الله لهم:﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾[فاطر: 37].
ألم نعطكم عمرًا يتذكر فيه من تذكر؟! يتذكر الغافل، ويتعلم الجاهل، ويستيقظ النائم، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾، وقد جاءكم النذير في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله ﷺ .
فيا أيُّها التاركون للصلاة، يا أيُّها المقصِّرون في الصلاة، ثوبوا إلى رشدكم، توبوا إلى ربكم، واحزموا أمركم، أقيموا الصلاة لله، والله ما أحلى الصلاة لمن تعوَّدها، هي ثقيلة على من لم يتعوَّدها، لكن حين تتعوَّد الصلاة ستجد أنَّ ترك الصلاة كأنَّه جبل فوق رأسك، وتأخيرها همٌّ يقضُّ مضجعك، لا تستطيع أن تترك صلاة، لأنَّك ستحسُّ بشيءٍ ينقصك، تحسُّ بفراغٍ لا يملؤه إلَّا إقامة الصلاة.
فاعزمْ ـ أخي المسلم ـ على أداء الصلاة، وتغلَّب على نفسك الأمَّارة بالسوء، على هواك وشيطانك، ولا يغلبنَّك الشيطان، فإنَّ الشيطان عدوُّ الإنسان، ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]. وممَّا يدعوهم إليه أن يتركوا الصلوات، ويتَّبعوا الشهوات.
والله تعالى ذمَّ قومًا أضاعوا الصلاة بعد أن كان أسلافهم متمسكين بها، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾[مريم: 59]. نسأل الله ألَّا نكون ممَّن أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات.
هذه نصيحتي لكلِّ من يهمل أمر الصلاة، ويتكاسل عن أداء الصلاة، ويتهاون بشأن هذه الفريضة العظيمة، نسأل الله أن يرزقنا العزيمة الصادقة لأدائها كما يحبُّ الله ويرضى.
(1) رواه أحمد (22016)، وقال مخرِّجوه: صحيح بطرقه وشواهده. والترمذي في الإيمان (2616)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الفتن (3973)، والحاكم في التفسير (2/412، 413)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، عن معاذ بن جبل.
(2) رواه البخاري في الجمعة (1117)، وأحمد (19819)، عن عمران بن حصين.
(3) سبق تخريجه صـ 211.
(4) متَّفَق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (528)، ومسلم في المساجد (667)، عن أبي هريرة.
(5) رواه الطبراني في الصغير (121)، والأوسط (2224)، مرفوعًا، ورواه في الكبير (9/148) موقوفًا، عن ابن مسعود. وقال المنذري في الترغيب (527): إسناده حسن. والموقوف أشبه. وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1658)، وابن رجب في فتح الباري (4/344).
(6) رواه مسلم في الطهارة (233)، وأحمد (9197)، عن أبي هريرة.
(7) سبق تخريجه صـ 211.
(8) سبق تخريجه صـ 211.
(9) سبق تخريجه صـ 211.
(10) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (2/313)، عن أبي عمران الجوني.
(11) رواه أحمد (9494)، وقال مخرِّجوه: صحيح. وأبو داود في الصلاة (864)، والحاكم في الطهارة (1/394)، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، عن أبي هريرة.
(12) رواه أحمد (6576)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن. وابن حبان في الصلاة (1467)، والطبراني في الأوسط (1767) وفي الكبير (13/67)، وجوَّد إسناد أحمد الذهبيُّ في تنقيح التحقيق (1/300)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1611): رجال أحمد ثقات.
(13) الصلاة وأحكام تاركها لابن القيم صـ 51، نشر مكتبة الثقافة، المدينة المنورة.
(14) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الأذان (757)، ومسلم في الصلاة (397)، عن أبي هريرة.
(15) رواه مسلم في الإيمان (82)، وأحمد (15183)، عن جابر بن عبد الله.
(16) رواه أحمد (22937)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي. والترمذي في الإيمان (2621)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (463)، وابن ماجه (1079)، كلاهما في الصلاة، عن بريدة الأسلمي.
(17) رواه مالك في وقوت الصلاة (9) تحقيق الأعظمي.
(18) رواه البخاري في الرقاق (6419)، عن أبي هريرة.
(19) متَّفَق عليه: رواه البخاري (8)، ومسلم (16)، كلاهما في الإيمان، عن ابن عمر.
(20) رواه مسلم في الصلاة (482)، وأحمد (9461)، عن أبي هريرة.
(21) انظر: ديوان علي بن أبي طالب صـ 78، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، نشر دار ابن زيدون.