2026-06-13
1,021
تعيين القِبلة في المسجد
قبل بضع سنوات استأجرت الجماعة صالةً لإقامة الصلاة والأنشطة التعليمية لخدمة الجالية في المدينة، وفورًا تم ضبط اتجاه القبلة بواسطة العديد من البوصلات، وأقيمت الصلوات على هذا الأساس لمدة أسبوع تقريبًا، وبما أنَّ الاتِّجاه الَّذي أشارت إليه البوصلات غير متوازٍ مع جدار المصلَّى (انظر الرسم التوضيحي) أفتى إمام الجماعة آنذاك (خريج شريعة) ومعه الإدارة، بجواز ـ أو أفضلية ـ تغيير الاتِّجاه بحيث تصبح الصفوف متوازية مع الجدار الطويل للصالة، وبالتالي يكون مقدار الانحراف عن الاتِّجاه المضبوط بحدود (30) درجة أو يزيد، مستدلِّين بما يلي:
1 ـ قوله تعالى:﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾[البقرة: 115].
2 ـ قول المصطفى ﷺ : «بين المشرق والمغرب قِبْلة».
3 ـ ضرورة احتواء الصف الأوَّل لأكبر عدد من المصلين.
وفعلًا تم تغيير الاتجاه، ورسمت خطوط الصفوف على الأرض بشكلٍ موازٍ للجدار، ولا زالت على وضعها حتَّى هذا الحين، وكلَّما نادى البعض بضرورة الالتزام بالأصل اعترض عليه بأنَّ الفتوى بذلك موجودة، وأنَّ طرح هذه المسألة أمام المصلين الجدد الَّذين لا علم لهم بها إنَّما هو اختلاق للفتنة! ما حكم الشرع بوضعنا هذا؟ ماذا نفعل؟ أفيدونا؟
من جماعة من المسلمين تقيم في مدينة مانهايم ـ ألمانيا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الاتَّجاه إلى القِبلة ـ الكعبة البيت الحرام ـ في الصلاة: فريضة من فرائض الصلاة؛ بإجماع المذاهب واتَّفاق الأُمَّة.
والأصل في ذلك قول الله تعالى:﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ﴾[البقرة: 150].
وقد اهتمَّ المسلمون من قديمٍ بتحديد جهة القِبْلة، ووضعوا لذلك علامات وإشارات وفي عصرنا اخترعوا «بوصلات» وساعات، يحملها الإنسان في يده، وتُعيِّن له القبلة في أيِّ مكانٍ في العالم.
وإذا استطاع المسلم أن يحدِّد القِبْلة بدقَّة، فلا يجوز له أن ينحرف عنها عمدًا بلا عذر، وخصوصًا في المساجد؛ لأنَّ القِبْلة فيها تبقى على الدوام، فلهذا يحرص المسلمون على التحرِّي والمبالغة في التدقيق، حتَّى لا يحدث خطأ، يترتب عليه إضاعة القبلة على أهل المسجد إلى ما شاء الله.
وقد رأيت المسلمين الَّذين يخصِّصون حجرات أو قاعات للصلاة في الدوائر الحكومية، أو في المطارات أو المدارس ونحوها ـ ممَّا لم يُبْنَ في الأصل مسجدًا ـ ولم تكن مستقيمة على القبلة: رأيتهم يرسمون خطوطًا، أو يضعون خيوطًا، تحدد جهة القبلة تمامًا، وإن كانت غير موازية لجدار المكان. وهكذا رأيتُ الإخوة في أمريكا وأوروبا إذا اشتروا كنيسة يخطِّطونها صفوفًا على القبلة.
ولهذا استغربت من عمل الإخوة في هذا المسجد، حيث أقرُّوا الانحراف عن القِبلة بأكثر من ثلاثين درجة، بصفةٍ دائمة، لا لشخصٍ واحد، ولا لصلاةٍ طارئة.
وما استدلَّ به الإخوة مردود عليه، ولا يصمد للنقد.
فآية:﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾[البقرة: 115]، نزلت بعد الهجرة تسليةً للرسول وأصحابه، الَّذين أخرجوا من مكَّة وفارقوا مسجدهم ومصلَّاهم، كما قال ابن كثير في تفسيرها(1). وقال آخرون: إنَّما أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، ثمَّ نسخها الأمر المتكرر بالتوجه شطر المسجد الحرام في نفس السورة.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية إذنًا من الله أن يصلِّي المتطوِّع المسافر على راحلته، حيث توجَّه من شرق أو غرب، وفي حال المسايفة (القتال المباشر) وشدَّة الخوف.
وقال غيرهم: بل هذه الآية نزلت فيمن اشتبهت عليه القبلة، كمسافرٍ في حالة الغيم، ولم يجد دليلًا ولا علامةً تهديه إليها، فصلَّى بالاجتهاد؛ كما فعل الصحابة في بعض الحالات، فهؤلاء يقال لهم:﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾(2).
وحديث «ما بين المشرق والمغرب قِبْلة»(3) ـ إن صحَّ ـ معمولٌ به حينما يكون الإنسان في الصحراء، أو في مكان لا تعرف فيه القبلة على وجه الدقَّة، والحديث مذكور لأهل المدينة ومن على سمتهم حيث القبلة في جهة الجنوب. وأهل اليمن على عكسهم: القبلة في جهة الشمال.
على أنَّ الحديث لم يجئ من طريقٍ صحيحٍ سالمٍ من الكلام فيه، والَّذين صحَّحوه إنَّما صحَّحوه بكثرة طرقه، وإن كان كلُّ طريق منها على حدة لا تقوم به الحجَّة.
وأمَّا الاستدلال بضرورة احتواء الصفِّ الأوَّل لأكبر عددٍ من المصلِّين، فلم يقلْ بذلك أحد، وليس معقولًا أن يحتوي صفٌّ واحدٌ على أكبر عدد، ولعلَّ المقصود أن يكون مسجد المسلمين عريضًا لا طويلًا، ولكن هذا عندما نبني مسجدًا، أما إذا حوَّلنا مكانًا ما إلى مسجد، فظروفه هي الَّتي تحكمنا.
ولا نعرف فقيهًا واحدًا أجاز الانحراف عن القبلة عمدًا وقصدًا، مع معرفتها لتحديد جهتها بدقَّة، وفي جميع الصلوات، وعلى وجه الدوام.
قد يجوز هذا لبعض الأفراد، في بعض الأحوال، لبعض الأعذار، وخصوصًا إذا كان الانحراف قليلًا. أمَّا أن يكون هذا في مسجد، وتُقَرَّ فيه القِبْلةُ على الخطأ عمدًا، ومن غير عذر، فهذا لا يجوز بحال. وطالما صلَّينا وراء أئمَّة معتبرين يقولون للمصلِّين خلفهم: القِبلة إلى اليمين قليلًا، أو إلى اليسار قليلًا، حرصًا على إقامة هذه الفريضة الَّتي هي من شرائط صحَّة الصلاة.
والله يقول الحقَّ، وهو يهدي السبيل.
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/390 ـ 391).
(2) تفسير ابن كثير (1/391، 392).
(3) رواه الترمذي (344)، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (1011)، كلاهما في الصلاة، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (715)، عن أبي هريرة.