2026-06-13
977
صلاة المأموم منفردًا خلف الصفِّ
هل تصح صلاة المأموم ركعة أو ركعات، خلف الصفِّ منفردًا؟ أرجو الجواب عن ذلك مع ذكر الأدلَّة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
روى أحمد وابن ماجه عن علي بن شيبان، أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف، فوقف حتَّى انصرف الرجل (يعني أتمَّ صلاته) فقال له: «استقبلْ صلاتَك، فلا صلاةَ لمنفردٍ خلفَ الصفِّ»(1). ومعنى استقبل صلاتك: أعِدْها.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن وابِصَةَ بن مَعْبد، أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصَلِّي خلف الصفِّ وحده، فأمره أن يعيد صلاته(2).
وفي رواية لأحمد قال: سئل رسولُ الله ﷺ عن رجل صلَّى خلف الصفوف وحدَه فقال: «يعيدُ الصلاة»(3).
والحديثان المذكوران، قد صحَّحهما جماعة من الأئمَّة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية(4)، واستدلَّ بهما طائفة من أئمَّة السلف، على أنَّ صلاة المأموم خلف الصفِّ وحدَه لا تجوز ولا تصحُّ. وبه قال النَّخَعي والحسن بن صالح، وإسحاق وحمَّاد، وابن أبي ليلى ووكيع، وهو مذهب إمام السُّنَّة أحمد بن حنبل(5). أمَّا الأئمَّة الثلاثة فقالوا: بصحَّة صلاة المنفرد خلف الصفوف مع الكراهة(6).
وظاهر الأحاديث يشهد لمذهب أحمد ويؤيِّده، كما أنَّ حكمة الإسلام في تشريعه وتوجيهه تقوِّيه وتعضده.
فالإسلام يحبُّ الجماعة، ويكره الشذوذ، يحبُّ الاتِّحاد ويكره الانفراد، يحبُّ النظام ويكره الفوضى. وصلاة الجماعة وسيلة من وسائل الإسلام في تربية أبنائه على هذه المعاني الحيَّة.
ولهذا كان ﷺ يقبل على المأمومين بوجهه قبل أن يُكَبِّر، ويقول: «أقيموا صفوفكم، وتراصُّوا»(7)، «سوُّوا صفوفَكم؛ فإنَّ تسوية الصفوف من تمام الصلاة»(8)، «لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم»(9)، «لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم»(10) فظهر بهذه الأحاديث الصحيحة أنَّ الجماعة في الصلاة، مظهر قويٌّ للتطبيق العملي لمبادئ الإسلام الاجتماعيَّة في النظام والتراصِّ، والاعتدال واستواء الصفوف، ووحدة الاتِّجاه، وهي مرآة تعكس المعاني والأفكار الَّتي يتبنَّاها المجتمع المسلم.
ولا عجب بعد هذا إذا أبطل الإسلام صلاة المنفرد خلف الصف، وأمره أن يعيد صلاته، فإنَّه مظهر من مظاهر الشذوذ عن الجماعة؛ لأنَّ الدِّينَ الَّذي يقول: «إنَّ الشيطان ذئبُ الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاةَ القاصيةَ والناحية»(11)، ويقول: «يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النَّار»(12).
وهذا كلُّه فيمن صلَّى خلف الصف وحده بلا عذر، أمَّا إذا كان له عذر بأن جاء والصفوف مكتملة، ولم يجد له فُرجة ولا سَعة في الصفِّ، فالأظهر أنَّ صلاته حينئذٍ صحيحة، واستَحَبَّ بعض العلماء أن يجتذب إليه رجلًا من الصفِّ يقف بجانبه، ويستحبُّ لمن جذبه أن يساعده على ذلك(13).
وكره ذلك آخرون، حتَّى قال بعضهم: إنَّ جذب الرجل من الصفِّ ظلم(14).
والله أعلم.
(1) رواه أحمد (16297)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح رجاله ثقات. وابن ماجه في إقامة الصلاة (1003)، وقال ابن الملقن في البدر المنير (4/474): قال الإمام أحمد: حسن. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (822)، عن علي بن شيبان.
(2) رواه أحمد (18005)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح. وأبو داود (682)، والترمذي (230)، وقال: حسن. وابن ماجه (1004)، ثلاثتهم في الصلاة.
(3) رواه أحمد (18004)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح.
(4) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (23/393).
(5) انظر: المغني (2/155).
(6) انظر: بدائع الصنائع (1/218)، ومغني المحتاج (1/493)، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1415هـ ـ 1994م، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي (1/334)، نشر دار الفكر.
(7) رواه البخاري في الأذان (719)، عن أنس.
(8) متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (723)، ومسلم في الصلاة (433)، عن أنس.
(9) رواه مسلم في الصلاة (432)، وأحمد (17102)، عن أبي مسعود الأنصاري.
(10) رواه الجماعة: البخاري (717)، ومسلم (436)، وأبو داود (663)، والترمذي (227)، أربعتهم في الصلاة، والنسائي في الإمامة (810)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (994)، عن النعمان بن بشير.
(11) رواه أحمد (22029)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره، والطبراني (20/164)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9108): رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات إلا أن العلاء بن زياد قيل: إنه لم يسمع من معاذ.
(12) رواه الترمذي في الفتن (2167)، وقال: غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (1848)، دون قوله: «ومَن شذَّ شذَّ في النار». وضعفه النووي في شرح مسلم (13/67)، ورواه الحاكم في العلم (1/115)، وأبو نعيم في الحلية (3/37)، وقال: غريب من حديث سليمان عن عبد الله بن دينار لم نكتبه إلا من هذا الوجه، وقال المناوي في فيض القدير (2/344): قال ابن حجر 5 : في تخريج المختصر (1/109)، حديث غريب خرجه أبو نعيم في الحلية واللالكائي في السنة، ورجاله رجال الصحيح لكنه معلول، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظًا حكمت بصحته على شرط الصحيح، لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال، فذكرها وذلك مقتضي للاضطراب والمضطرب من أقسام الضعيف. وقال السخاوي في المقاصد صـ 716: بالجملة فهو حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره. قلت: ولكن هناك من الدلائل ما يشهد لهذا الحديث، عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، ومنها أحاديث الطائفة القائمة على الحق إلى قيام الساعة، التي سمَّاها العلماء (الطائفة المنصورة). فليعلم هذا.
(13) وهذا ما اختاره الحنفية والشافعية، وكره ذلك المالكية ممن يقول بجواز صلاة المأموم خلف الصف منفردًا، أما الحنابلة الذين يحرمون الصلاة منفردًا خلف الصف فيقولون بوجوب التنبيه دون الجذب. انظر: بدائع الصنائع (1/218)، ومغني المحتاج (1/494)، والتاج والإكليل لمختصر خليل (2/446)، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1416هـ ـ 1994م، وكشاف القناع (1/490)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
(14) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/325)، (5/348).