2026-06-13
1,033
اجتهادي الجديد في زكاة الأسهم
سمعنا أنَّ لك رأيًا واجتهادًا جديدًا في موضوع زكاة الأسهم، هلَّا أطلعتنا على هذا الاجتهاد الجديد؟ وما هي الأسباب الَّتي دفعت فضيلتك إلى هذا التغيير في الرأي والاجتهاد؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
كان رأيي واجتهادي فيما مضى(1) أنَّ الأسهم نوعان:
1 ـ نوع يشتريه المسلم ليتاجر فيه، أيْ ليبيعه إذا وجد السعر مناسبًا، وسيحقِّق له شيئًا من الربح يرضيه. وهذا بإجماع العلماء يزكَّى زكاة عروض التجارة، بمعنى: أن يزكِّيه مالكه المسلم إذا جاء وقت حوله ـ في أوَّل محرم أو أوَّل رمضان أو غير ذلك ـ بسعر السوق، بنسبة ربع العشر، أي (2.5 %). والفيصل في هذا هو نية مالك السهم.
2 ـ نوع آخر، يشتريه المسلم ليمتلكه، ويكسب من ورائه كل عام ما ييسِّر الله له؛ مثل أسهم المصارف الإسلاميَّة، والشركات الملتزمة بأحكام الشريعة. فهذه كان لي فيها رأي قديم، وهي: أن تزكى زكاة التجارة في كل حول، فتضاف الأرباح قلّت أو كثُرت إلى رأس المال، مضافًا إليها الديون الحيَّة المضمونة، ويقتطع منها الديون الميتة، والأصول الثابتة الَّتي لا تُعرض للبيع، ويُخرج من المجموع ربع العشر، أي (2.5 %).
كان هذا رأيي القديم الَّذي التزمتُه سنوات طويلة.
ولكنَّ الفقيه يتغيَّر رأيُه واجتهاده لأسبابٍ شتَّى، كما تغيَّر اجتهاد الإمام الكبير محمَّد بن إدريس الشافعي حين استقرَّ في مصر، وأصبحت له أقوالٌ واجتهادات تخالفُ اجتهاده السابق(2).
ولا غرو أن عرف التابعون لمذهب الشافعي، والدارسون له: أنَّ هذا الإمام له مذهبان: قديم وجديد. ويقال في كتب المذهب: قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد.
فليس غريبًا أن يغيِّر العالم رأيه لِمَا يلوح له من أدلَّة واعتبارات شرعيَّة، تجعله يرجِّح رأيًا جديدًا على رأيه القديم.
أقول هذا تمهيدًا لرأيي الَّذي ارتأيته ورجَّحته منذ عدَّة سنوات، وهو ما يتعلَّق بالأسهم الَّتي تُتَّخذ للاستثمار لا للاتِّجار، وأعني بالاستثمار: أن يربح من ورائها، وينتفع بعوائدها الدوريَّة.
فالذي أراه: أن نعامل هذه الأسهم معاملة الأرض الزراعيَّة، ونعامل أرباحها معاملة الناتج الزراعي الخارج من الأرض، وهو عشر الصافي من الربح، فهو أشبه بناتج الأرض الَّتي سقيت بماء السماء. فهو ناتج صافٍ ليس فيه كلفة السقي بالآلة أو بالدواب ونحوها.
وهو يُزكَّى عندما يقبض، عملًا بقوله تعالى في الحبوب والثمار:﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾[الأنعام: 141].
وهذا في اجتهادي الحاضر أولى من اعتبار الأسهم بمنزلة عروض التجارة، ويزكي الأصل والربح ـ باستثناء الأصول الثابتة ـ زكاة التجارة، وهي: ربع العشر، أي 2.5 % من مجموع الأصل والربح معًا.
وهذا ما جرت عليه المصارف (البنوك) الإسلاميَّة بصفة عامة. ولكنْ منذ سنوات بدأ مَصْرِف قطر الإسلامي، وبنك قطر الدولي الإسلامي، اللذان أرأس هيئة الرقابة الشرعيَّة فيهما يأخذان بفتواي الجديدة.
وفي هذا القول الجديد فوائد شتَّى:
من ذلك: أنَّ الشركات والمؤسسات الَّتي تكون في حالة التأسيس ولا تربح شيئًا، لا يجب عليها زكاة، لأنَّ الزكاة في هذه الحالة تؤخذ من الأصل ولا تؤخذ من النماء.
ومن ذلك: أنَّ الشركات المساهمة الَّتي تصاب بالخسارة في بعض السنوات، كما حدث لدار المال الإسلامي في سويسرا، ولبنك فيصل الإسلامي المصري وغيرها، بعد أزمة «بنك الاعتماد والتجارة»: لا تجب عليها الزكاة؛ إذ ليس عندها ربح تخرج منه.
ومن ذلك: أنَّ الشركات حين تربح ربحًا هائلًا في بعض السنوات، تخرج من الزكاة بقدر ما ربحت، وهذا عدل.
ومن ذلك: أنَّ هذا أسهل ـ في الحساب ومعرفة الواجب على كل مساهم ـ من الطريقة الأخرى، لأنَّ كلَّ واحد يعرف ماذا حصَّل من ربح، فإذا حصَّل مائة دفع عشرة، وإذا حصَّل ألفًا دفع مائة، وهكذا.
ومما يجب التنبيه عليه هنا: أنَّ الَّذي يجب تزكيته هو الربح المستحقُّ، وإن لم يقبضه، كأنْ يُحوَّل إلى احتياطيٍّ للمساهمين ونحو ذلك.
وكذلك لو كان الربح في صورة أسهم تضاف إلى حقوق المساهمين، فعلى المساهم: أن يزكي قيمة الأسهم بقيمتها الَّتي يدفعها له البنك أو الشركة، لو دفعها له.
فقد تُقرِّر الشركة أو يقرِّر المصرف دفع نصف سهم مثلًا لكل سهم، فيدفع لمن عنده ألف سهم بقيمة عشرة آلاف ريال: خمسة آلاف (5000) ريال، وقد لا يدفع لهم نقدًا بل يدفع لهم أسهمًا: أي للألف سهم: خمسمائة سهم، فهنا يُزكي قيمتها الاسمية (500 × 10 = 5000)، وهذا أمر واضح وسهل الفهم والتطبيق.
تبقى هنا حاشية مهمة لهذا الموضوع، وهي ما يتعلق بحِلِّ الأسهم وحرمتها، تبعًا للشركات الَّتي تعتبر هي حصصًا شائعة منها.
فمن المعروف أنَّ الشركات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم حلال لا شائبة فيه، ولا نزاع حوله، وهو: الشركات والمصارف (البنوك) الَّتي تلتزم في قانونها ونظامها بأحكام الشريعة الإسلاميَّة، مثل: البنوك الإسلاميَّة، وشركات التأمين الإسلاميَّة، والشركات المختلفة الملتزمة بالشريعة، فبناءً على التزامها لا تدخل في الفوائد الربوية لا أخذًا ولا عطاءً، أي لا تستقرض بالفوائد الربوية لمشروعاتها، ولا تودع فوائض أموالها بالفائدة في البنوك الربوية، فهذه المؤسسات قد اتفق علماء العصر على إباحتها.
والثاني: قسم حرام لا شكَّ فيه، ولا نزاع حوله، وهو: ما كان يمارس نشاطًا محرَّمًا، مثل: الشركات الَّتي تتاجر في الخمور، أو الخنزير، أو الملاهي المحرَّمة، أو البنوك الربوية، ونحوها. فهذه أجمع العلماء على تحريمها، فلا يجوز الاشتراك فيها، ولا شراء أسهمها للاستثمار، ولا للاتجار.
القسم الثالث: هو الَّذي تمارس فيه الشركة نشاطًا حلالًا، لا شائبة فيه، مثل: شركات الأسمنت، أو الكهرباء، أو الماء، أو النقل، أو السكة الحديدية، أو الصناعات المختلفة أو غيرها، ممَّا يقوم بدور لا ينكر في بناء الاقتصاد الوطني وخدمته.
ومع أنَّ أصل النشاط حلال: تأتي الشبهة في أنَّ الشركة إذا كان لديها مشروع تريد أن تقيمه، استقرضت من البنوك الربوية بالفوائد، وإذا كان لديها فائض سيولة، أودعت فائضها في البنوك الربوية بالفائدة.
وهذا ما جعل الفقهاء المعاصرين يختلفون، فمنهم من قال بتحريم أسهمها، والاشتراك فيها، ما دامت قد دخلها الربا استقراضًا أو إيداعًا، ابتعادًا عن إثم الربا.
ومنهم من أجاز الدخول في هذه الشركات لتحقيق مصالح معتبرة، على أن يطهر الربح ممَّا أصابه من الربا، ويعرف ذلك من الميزانيات المعلنة للشركات. ولهؤلاء العلماء أدلَّة فصَّلوها، وقيود وشروط أوضحوها. قد نعرض لها في مناسبة أخرى. والله تعالى أعلم.
(1) انظر: فقه الزكاة (1/520 ـ 532).
(2) فقه الزكاة (1/533 ـ 536).