2026-06-13
1,007
الوقف باسم قبيلة من القبائل
هل يجوز ـ شيخنا الفاضل ـ أن تكون هناك وقفيَّة باسم قبيلة، كأن تكون هناك وقفية قبيلة الكبيسي؛ لبناء المراكز الإسلاميَّة مثلًا؛ بحيث يتحوّل مبلغ شهري من أفراد القبيلة الراغبين لجمع مبلغ لهذه الوقفية، برعاية الهيئة القطرية للأوقاف، وذلك ممَّا يمكن أن يشجِّع أهل هذا البلد الطيِّب؛ إذا ما استثيرت فيه العاطفة القبلية لدعم المشاريع الخيريَّة، ممَّا سيكون له الخير الكبير بإذن الله.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
محمد الكبيسي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ عمل الخير وإشاعته وتثبيته، يعدُّ من أهداف الرسالة المحمدية، ومن مقاصد الشريعة الإسلاميَّة الأساسية، وقد حضَّ الله 4 على فعل الخير فقال: ﴿وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وأمر بالمسارعة إليه فقال: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: 133، 134]، والتسابق عليه: ﴿فَاسْتَبِقُوا ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا﴾ [المائدة: 48].
ولذا وجدنا صحابة رسول الله يتنافسون على فعل الخيرات، كما في حديث أبي هريرة المتَّفَق عليه: جاء الفقراء إلى النبيِّ ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنَّعيم المقيم يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجُّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدَّقون، قال: «ألا أحدِّثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خيرَ من أنتم بين ظهرانيه إلَّا من عملٍ مثله؟ تسبِّحون وتحمدون وتكبِّرون خلف كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين»(1).
فالمجتمع المسلم مجتمع يتسابق أبناؤه على فعل الخير، والمسارعة إليه، والتنافس فيه، لا على التنافس في الحياة الدنيا وملذَّاتها وشهواتها.
ونتيجةً لاهتمام الإسلام بالخير وفعله والحضِّ عليه، اهتمَّ بتنويع مصادر الخير وتكثيرها، فبعضها منوط بالفرد، وبعضها منوط بالمجتمع، بعضها دوري، وبعضها غير دوريٍّ، بعضها مطلوب طلب الفريضة، وبعضها مطلوب طلب الفضيلة.
وكلُّها تُكوِّن في مجموعها روافد أساسية ومهمَّة لتمويل أعمال الخير، وبقائها واستمرارها، حتَّى تظلَّ محقِّقةً هدفها، مؤتيةً أُكُلها بإذن ربِّها.
فهناك الزكاة المفروضة، وزكاة الفطر، والهدي والأضحية، والكفارات الواجبة، والنفقة الواجبة على الأقارب، والوصية من المال قبل الموت، والصدقات التطوعية، والصدقة عن الميت، وهناك الفيء والخراج، وموارد الدولة.
وكذلك هناك الصدقات الجارية وهي الأوقاف، وهي الَّتي تبقى للمسلم بعد موته، ويظلُّ أجرها محسوبًا له ما دام هناك من ينتفع بها.
وفيها جاء الحديث، الَّذي رواه مسلم في صحيحه: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عنه عملُه، إلَّا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»(2).
والصدقة الجارية: هي الدائمة المتجدِّدة، وتتمثَّل في الوقف الخيري، وهو ما يُخرجه المسلم من ملكه الخاص، ليجعله لله تبارك وتعالى، أي للخير ومظانِّه، على التأبيد، فيحبِّس الأصل المملوك، ويجعل ثمرته لله.
وقد وقف عمر 3 أرضًا بخيبر، بمشورة النبيّ ﷺ : في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل(3).
ولقد كان للوقف الخيري ـ في العصور السابقة ـ أثره الملموس في المجتمع الإسلامي، فإنَّ المسلمين لم يدعوا حاجة من حاجات المجتمع؛ إلَّا وقف عليها الخيِّرون منهم جزءًا من أموالهم، حتَّى وقفوا على من يزور المرضى في مستشفياتهم ويؤنسهم، وعلى من يكسر صحنه من الخدم ليأخذ بدله، حتَّى لا يؤنِّبه سيِّده أو سيِّدته!
وقد كانت هذه الأوقاف من السّعة والضخامة والتنوُّع بحيث صارت مفخرة للنظام الإسلامي، وأصبح الفقراء والمحرومون يجدون من «تكاياها»: ما يقيهم الجوع والعري، ومن مستشفياتها المجانية: ما يعالجون به الأمراض والأوصاب، ومن «سُبُلها، ورُبُطها» ما يعينهم على الأسفار وقطع المفاوز والقفار.
والحقُّ أنَّ الأمة الإسلاميَّة في حاجة إلى أن تصل حاضرها بماضيها، فتعيد تفعيل هذا المصدر الثَّرِّ من مصادر الخير بطرق جديدة، مثل ما يقترحه السائل، بأن تتشارك العائلة الواحدة أو القبيلة كلُّها في وقف، تقفه على وجه من وجوه الخير.
وإذا كان الإسلام قد ساوى بين الناس، وحارب العصبيَّة القبلية والتفاخر بالأحساب والأنساب؛ في مثل قول الرسول ﷺ : «دعوها؛ فإنَّها منتنة»(4)، فإنَّ رسولَ الله ﷺ استخدم النزعة القبليَّة في خدمة الإسلام.
ففي جيش النبيِّ الَّذي أعدَّه لفتح مكَّة كانت كلُّ قبيلة تقاتل مجتمعة على رايتها، كما اتَّضح ذلك عندما مرُّوا على أبي سفيان، وهو واقف مع العباس.
ففي هذا الحديث: ومرَّت به القبائل على راياتها، كلَّما مرَّت قبيلة قال: من هؤلاء، يا عبَّاس؟ قال: أقول: سُليم. قال: يقول: ما لي ولسُليم؟!
ثم تمرُّ القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة. فيقول: ما لي ولمُزَيْنَة؟!
حتى نفدت القبائل. لا تمرُّ قبيلة إلَّا سألني عنها، فإذا أخبرتُه يقول: ما لي ولبني فلان؟! حتَّى مرَّ رسول الله ﷺ في الخضراء ـ كتيبة فيها المهاجرون والأنصار ـ لا يُرى منهم إلَّا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله، من هؤلاء، يا عباس؟ قلتُ: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. فقال: والله، ما لأحدٍ بهؤلاء من قِبل ولا طاقة، والله ـ يا أبا الفضل ـ لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا. فقال: ويحَك! إنَّها النبوَّة(5).
وفي الفتوحات الإسلاميَّة كان القادة المسلمون يستغلُّون التناصر القبلي، في إثارة التنافس بين القبائل في نصرة الإسلام، وتوجيه هذه النزعة وجهة إيجابيَّة.
فلا مانع من أن تتشارك القبيلة في إنشاء وقف على جهة من جهات الخير، على أنَّنا ينبغي أن نذكِّر بألَّا يكون الدافع للاشتراك في مثل هذا مجرّد الرغبة في إعلاء اسم العائلة أو القبيلة، ولكن يجب أن يكون المقصود الأوَّل هو ابتغاء وجه الله وحده لا شريك له، كما قال الله تعالى:﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾[الكهف: 110].
والله وليُّ التوفيق.
(1) رواه البخاري في الأذان (843)، ومسلم في المساجد (595).
(2) رواه مسلم في الوصية (1631)، وأحمد (8844)، عن أبي هريرة.
(3) سبق تخريجه صـ 521.
(4) متَّفَق عليه: رواه البخاري في التفسير (4905)، ومسلم في البر والصلة (2584)، عن جابر.
(5) رواه الطبراني الكبير (2/167 ـ 168)، والصغير (968)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10232): فيه يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف. عن ميمونة بنت الحارث.