2026-06-13
1,091
فتاوى عامَّة عن الزكاة من جمعيَّة قطر الخيريَّة
فضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نهديكم أطيب التحيات والتمنيات بموفور الصحَّة والعافية، وندعو لكم بطول العمر وحسن العمل، وأن يلهمكم الله الرشد والسداد.
كما تعلمون فضيلة الشيخ ـ حفظكم الله ـ أنَّ العمل الخيريَّ تعترضه بعض العقبات في تدبير التمويل للمشاريع الخيريَّة الإنسانية، لذلك ومن حرصنا على أن تتمَّ الاستفادة المثلى من أموال أهل الخير، والَّتي توجه لإخوانهم الفقراء في شتى أنحاء العالم، نرجو من فضيلتكم التكرم ـ وفقكم الله ـ لإجابتنا على الاستفسارات الآتية:
1 ـ هل يجوز القيام بأنشطة مدرَّة للدخل من أموال الزكاة بإشراف وتسيير جمعيَّة قطر الخيريَّة، وبالتنسيق التام مع المستحقين في جميع مراحل إقامة المشروع، حتَّى إذا تمَّت وأخذت طريقها يتم تمليكها لهم، وبذلك يضمن المستحق مشروعًا يكون مصدرًا لرزقه ويغنيه عن السؤال، عوض أن يأخذ مبلغًا من المال ينفقه دون دراية ويبقى على حالته الأولى؟
2 ـ هل يجوز شراء وحدة طبية متنقلة في العراق من أموال الزكاة يستفيد منه بصورة مباشرة الفقراء الَّذين تم استهدافهم لصرف هذه الأموال لهم أصلًا، وبعدما تم تحديد احتياجاتهم العاجلة؛ بناءً على مشاركتهم في اتخاذ القرار، واختيار هذا النوع من المساعدة؟
3 ـ هل يجوز الصرف من أموال الزكاة لبناء مدرسة، أو مركز طبي، أو حفر آبار مياه في قرية فقيرة مسلمة، تفتقر لهذا النوع من الخدمات؛ ممَّا يعتبر من ضرورات الحياة، ويستحيل عليهم جمع مبالغ بأنفسهم لتحقيق هذا الغرض، مع العلم أنَّ الاستفادة من هذه الخدمات ستكون بالمساواة ودون أي تمييز بينهم؟
4 ـ هل يجوز القيام من أموال الزكاة بمشروع ختان جماعي للكبار (المهتدين الجدد) والصغار والذي يعتبر ذا أهميَّة كبيرة لدى المحليين خصوصًا المعتنقين الجدد للإسلام والنازحين السودانيين من الجنوب، وذلك بناءً على طلبهم وإلحاحهم وعددهم حوالي 500 شخص؟ مع العلم أنَّ قطر الخيريَّة ستشرف على تنفيذ المشروع وأيضًا التنسيق مع الجهات الصحية للمتابعة؟
5 ـ تعلمون ـ حفظكم الله ـ التشريد الَّذي لحق بأهالي أتشي بإندونيسيا، بعد زلزال تسونامي، لذلك قامت قطر الخيريَّة بتنفيذ مشروع إعادة تأهيل قرية بكاملها تضم 170 مسكنًا، ووفرت إضافة للمساكن مجموعة من الخدمات الأخرى الضرورية، من مياه وتعليم، وصرف صحي وخلافه، نرجو إفادتنا: هل يجوز الصرف من أموال الزكاة لتكملة العجز الحاصل في المشروع حاليًّا، عوض أن يصرف على كل شخص منهم على حدة، مع العلم أنَّ بعضًا من المتضرِّرين لا يزالون ينتظرون في العراء أو لدى بعض أقاربهم؟
وأخيرًا ندعو الله الكريم أن يجعلكم ذخرًا لهذه الأمة ويسبل عليكم من نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يحفظكم ويطيل في عمركم.
وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام
عبد الله بن حسين النعمة
المدير العام لجمعيَّة قطر الخيريَّة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
القيام بأنشطة مدرَّة للدخل من أموال الزكاة:
السؤال الأول: هل يجوز القيام بأنشطة مدرَّة للدخل من أموال الزكاة بإشراف وتسيير جمعيَّة قطر الخيريَّة وبالتنسيق التام مع المستحقين في جميع مراحل إقامة المشروع، حتَّى إذا تمَّت وأخذت طريقها يتم تمليكها لهم، وبذلك يضمن المستحقُّ مشروعًا يكون مصدرًا لرزقه ويغنيه عن السؤال، عوض أن يأخذ مبلغًا من المال ينفقه دون دراية ويبقى على حالته الأولى؟
الجواب: فرض الإسلامُ الزكاة على المسلمين واعتبرها الركن الثَّالث في الإسلام بعد الشهادتين وإقام الصلاة، وقرنها القرآن بالصلاة في ثمانية وعشرين موضعًا، ووصفها في الحديث النبوي بأنَّها تؤخذ من الأغنياء لتردَّ على الفقراء، وفي هذا دلالة على أنَّ الهدف الأوَّل من الزكاة هو كفاية الفقراء، وحل مشكلة الفقر الَّذي يعانونه، وقد استعاذ الرسول الكريم من شرّ فتنة الفقر.
ولكن كيف تعالج الزكاة مشكلة الفقر؟
إنَّ بعض من لم يدرس نظام الزكاة وأحكامها في الشريعة الإسلاميَّة؛ يظن أنَّ الزكاة مجرَّد إعطاء الفقير مقدارًا من القمح أو الشعير، أو الذرة أو غيرها من الحبوب، يكفيه لقوته مدَّة معيَّنة؛ ربَّما كانت عدَّة أشهر، أو إعطائه مقدارًا معيَّنًا من النقود، يصرفه على حاجاته مدَّة محدودة، قد تكون عدَّة أشهر، ويظل بقية السنة محتاجًا إلى تمام كفايته لنفسه ولمن يعول.
إلَّا أنَّنا وجدنا في صُلب أحكام الزكاة: أنَّ الفقير إمَّا أن يعطى من الزكاة تمام كفايته وكفاية أسرته لمدة سنة، ثمَّ تتجدَّد بتجدُّد موارد الزكاة في كل حول.
وإما أن يعطى من الزكاة ما يكفيه طول عمره المعتاد لمثله. وهذا مذهب الإمام الشافعي، الَّذي استدل عليه بحديث قَبِيصة بن المُخارق الهلالي، وفيه: «ورجلٍ أصابتْه جائحةٌ اجتاحت مالَه، فحلَّت له المسألة حتَّى يصيب قِوامًا من عيش ـ أو قال: سِدادًا من عيش ـ ورجلٍ أصابته فاقة حتَّى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا (العقل) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلَّت له المسألة، حتَّى يصيب قِوامًا من عيش» أو قال: «سِدادًا من عيش»(1).
قال الإمام النووي في المجموع: «قال أصحابنا: فأجاز رسول الله ﷺ المسألة حتَّى يصيب ما يسد حاجته. يعني: ما يحصل به الكفاية على الدوام»(2).
قال الشافعيَّة: فمن كان عادته الاحتراف: أعطي ما يشتري به حرفته أو آلات حرفته، قلّت قيمة ذلك أم كثرت، ويكون قدره بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالبًا تقريبًا، ويختلف ذلك باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص(3).
قال: «وقرَّب جماعة من أصحابنا فقالوا: من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة، ومن حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم مثلًا، إذا لم يتأتَّ له الكفاية بأقل منها، ومن كان تاجرًا أو خبَّازًا أو عطارًا أو صرافًا أعطي بنسبة ذلك»(4).
وإن كان من أهل الضِّياع (المزارع) يُعطى ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام، فإن لم يكن محترفًا ولا يحسن صنعة أصلًا، ولا تجارة، ولا شيئًا من أنواع المكاسب؛ أعطي كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلاده(5).
قال متأخرو الشافعيَّة: وليس المراد أن يعطى من لا يحسن الكسب نقدًا يكفيه بقية عمره المعتاد، بل إعطاؤه ثمن ما يكفيه دخله منه، كأن يشترى له به عقار يستغله، ويستغني به عن الزكاة، فيملكه ويورث عنه(6).
قال الرمليُّ: «والأقرب ـ كما بحثه الزركشي ـ أنَّ للإمام دون المالك شراءه له، وله إلزامه بالشراء، وعدم إخراجه، وحينئذٍ فلا يحل ولا يصح فيما يظهر»(7).
وهنا نقول: إنَّ الجمعيَّة الخيريَّة تقوم مقام الإمام في شراء ما يحتاج إليه الفقير والمسكين، ممَّا يدر عليه دخلًا يكفيه بقية عمره. ويمكن أن تتَّخذ من الإجراءات الشرعيَّة والقانونيَّة ما يمنع الفقير أن يخرج هذا الشيء عن ملكه، ويمكن أن تملّك هذه الأشياء بصفة جماعية، كأن يملّك الفلاحون مزرعة يشتركون في زراعتها وتنميتها، ويملّك العمال مصنعًا أو جزءًا منه، يشتركون في تشغيله وإدارته.
كما يمكن للجمعيَّة أن تظل تراقب المشروع، ومدى نجاحه واستمراره ونموه، حتَّى لا تضيع ثمرته بالإهمال أو سوء الإدارة، وغيبة الرقابة.
شراء وحدة طبية متنقلة من أموال الزكاة:
السؤال الثاني: هل يجوز شراء وحدة طبية متنقلة في العراق من أموال الزكاة، يستفيد منها بصورة مباشرة الفقراء؛ الَّذين تم استهدافهم لصرف هذه الأموال لهم أصلًا، وبعدما تم تحديد احتياجاتهم العاجلة بناءً على مشاركتهم في اتخاذ القرار، واختيار هذا النوع من المساعدة؟
الجواب: إذا كانت مهمة الزكاة الأساسية هي سد حاجات الفقراء، فإنَّ من حاجة الفقراء الَّتي تتطلب الوفاء بها: العلاج من الأمراض، الَّتي تصيب الفقراء أكثر من غيرهم. ولهذا يعتبر النَّاس المرض أحد الأعداء الثلاثة للمجتمع، مع زميليه الفقر والجهل.
ومن هنا يكون شراء «وحدة طبيَّة متنقلة» من أموال الزكاة، يستفيد منها الفقراء بصورة مباشرة: أمرًا مشروعًا، بل مطلوبًا، فكما أنَّ الزكاة تمكِّن الفقير من الغذاء والكساء والمأوى، ينبغي أن تمكِّنه من التداوي أيضًا، وهذه الوحدة الطبيَّة المتنقلة وسيلة فعّالة في مساعدة الفقراء على التداوي من أمراضهم، ولا سيَّما إذا تم تحديد احتياجاتهم العاجلة بناءً على مشاركتهم في اتخاذهم القرار، واختيار هذا النوع من المساعدة، وأعتقد أنَّ الشعب العراقي أحوج ما يكون في الوقت الحاضر إلى هذه الوحدات الطبية.
بناء مدرسة أو مركز طبي، أو حفر آبار من أموال الزكاة:
السؤال الثالث: هل يجوز الإنفاق من أموال الزكاة لبناء مدرسة أو مركز طبي، أو حفر آبار مياه في قرية فقيرة مسلمة؛ تفتقر لهذا النوع من الخدمات، ممَّا يعتبر من ضرورات الحياة، ويستحيل عليهم جمع مبالغ بأنفسهم لتحقيق هذا الغرض، مع العلم أنَّ الاستفادة من هذه الخدمات ستكون بالمساواة ودون أي تمييز بينهم؟
الجواب: يجوز الصرف من أموال الزكاة لبناء مدرسة أو مركز طبي، أو حفر آبار مياه في قرية فقيرة مسلمة، لأنَّ هذا كله من مهمة الزكاة في المجتمع المسلم، كما أجزنا إقامة الوحدة الطبيَّة المتنقلة من الزكاة، نجيز هذه الأشياء ما دامت القرية تفتقر إلى هذا النوع من الخدمات، المهم أن يملكها الفقراء بالاشتراك، أو تملكها جهة أو مؤسسة عامَّة تشرف عليها، وتكون لأهل القرية بالتساوي دون تمييز بينهم، وإن كان الأشد حاجة أحق من غيره.
الإنفاق على مشروع ختان جماعي للمسلمين الجدد من أموال الزكاة:
السؤال الرابع: هل يجوز استخدام أموال الزكاة للقيام بمشروع ختان جماعي للكبار (المهتدين الجدد) والصغار، والذي يعتبر ذا أهميَّة كبيرة لدى المحليين؛ خصوصًا المعتنقين الجدد للإسلام، والنازحين السودانيين من الجنوب، وذلك بناءً على طلبهم وإلحاحهم وعددهم حوالي 500 شخص؟ مع العلم أنَّ قطر الخيريَّة ستشرف على تنفيذ المشروع وأيضًا التنسيق مع الجهات الصحية للمتابعة؟
الجواب: الختان للذُّكور سُنَّة من السُّنَن الشعائريَّة في الإسلام، مثل الأذان وصلاة الجماعة ونحوها؛ وهو ما يميِّز المسلمين عن النَّصارى ومن شابههم.
والعمل على إحياء هذه السُّنَّة وتشجيعها، وخصوصًا للمسلمين الجدد، يعدُّ عملًا «في سبيل الله» وخصوصًا إذا كان في صورة جماعية مثل هؤلاء المهتدين الجدد الداخلين في الإسلام، وهم حوالي (500) شخص، فيصرف عليهم من مصرف «في سبيل الله» أو من مصرف «المؤلَّفة قلوبُهم» إذا كان في ذلك تثبيتهم على الإسلام. أو من مصرف الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، بوصفهم نازحين من الجنوب، وهذا الختان حاجة من حاجاتهم الدينيَّة، الَّتي يشعرون بالإثم إذا تركوها، فمن المشروع أن يعانوا عليها من الزكاة.
إعادة تأهيل القرى المشرد أهلها من أموال زكاة:
السؤال الخامس: تعلمون ـ حفظكم الله ـ التشريد الَّذي لحق بأهالي إقليم أتشي بإندونيسيا بعد زلزال تسونامي، لذلك قامت قطر الخيريَّة بتنفيذ مشروع إعادة تأهيل قرية بكاملها، تضم 170 مسكنًا، ووفرت إضافة للمساكن مجموعة من الخدمات الأخرى الضرورية من مياه وتعليم وصرف صحي وخلافه، نرجو إفادتنا: هل يجوز الإنفاق من أموال الزكاة، لتكملة العجز الحاصل في المشروع حاليًّا، عوض أن يصرف على كل شخص منهم على حدة، مع العلم أنَّ بعضًا من المتضررين لا يزالون ينتظرون في العراء أو لدى بعض أقاربهم؟
الجواب: لا مانع شرعًا من أن تساهم أموال الزكاة في تكملة المشروع الخيري، الَّذي هدف إلى مساعدة ضحايا زلزال تسونامي من أهالي إقليم أتشي، بتوفير المساكن لهم، وأن تساهم الزكاة في تغطية العجز المالي الَّذي جعل المشروع يتوقف عند حدٍّ معين، ولا يستوفي نصيبه حتَّى يكمل.
وهنا تأتي الزكاة لتكمل هذا النقص في إعادة تأهيل القرية بكاملها، حتَّى يستطيع المستفيدون من المشروع أن ينتفعوا به.
وهذا ممَّا يدخل في مهمة الزكاة في المجتمع المسلم، ومنها: أن تعمل بقدر المستطاع على حلِّ المشكلات من جذورها. وهو أولى من إعطاء كل فرد مبلغًا من المال ينفد بعد قليل، دون أن يشفي علة أو ينقع غُلة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) رواه مسلم في الزكاة (1044)، وأحمد (20601).
(2) المجموع (6/194).
(3) المجموع (6/194).
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.
(6) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (6/162)، نشر دار الفكر، بيروت، 1404هـ ـ 1984م.
(7) انظر كتابنا: فقه الزكاة (2/575 ـ 578).