2026-06-13
927
دفع الزكاة لدعم العمل الإعلامي الفضائي الإسلامي
فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، حفظه الله، الأُمَّة اليوم بحاجة إلى إعلام ذي اتجاهات إسلاميَّة، للمحافظة على هويتها، وقيمها وأصالتها. ونظرًا لما تعلمونه من كلفة الإنشاء والتشغيل، الَّتي تتطلَّبها القنوات الفضائية؛ حيث لا بدَّ من استخدام أفضل التقنيات والعناصر البشرية المميَّزة، وإنتاج أو شراء البرامج المناسبة، الَّتي تكون محل جذب دائم لنظر المشاهد، بهدف المحافظة على المستوى التنافسي أمام القنوات الأخرى، وإخراج الرسالة الَّتي نريد بالصورة المناسبة، وبناءً عليه، نريد أن نسألكم ما يلي:
هل يجوز الدفع من أموال الزكاة لدعم العمل الإعلامي الإسلامي بقناة الرسالة الفضائية؟
إدارة قناة الرسالة الفضائية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لقد بحثت من قديم في كتابي «فقه الزكاة»(1) مثل هذا الموضوع عند الحديث عن مصرف «في سبيل الله». وقد كان معظم الفقهاء قديمًا يتَّجهون إلى أنَّ المراد به: دعم الجهاد العسكري، أي القتال في سبيل الله، بإعطاء المجاهدين ما يحتاجون إليه من نفقات وسلاح وغيره(2).
وقد رجَّحت الإبقاء على روح هذا المعنى، وهو نصرة الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولكنَّ الجهاد ليس بالسيف وحده، هناك جهاد بالبيان والدعوة، وهو الَّذي خاطب الله به رسوله في سورة الفرقان وهي مكية إذ قال: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا﴾[الفرقان: 52]. أي بالقرآن، فهذا جهاد، بل جهاد كبير، وهو ليس جهاد بالجيوش والقوة الماديَّة(3).
وقال ﷺ : «جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم»(4).
ومن أخطر ما هدَّد المسلمين، وما حوربوا به في الأزمنة الأخيرة: ما عرف باسم «الغزو الفكري» أو «الاستعمار الثقافي». وهو غزو يستخدم أسلحة شتى ليس فيها المدافع ولا الدبابات ولا الصواريخ. ولكنَّه يستخدم الكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز، والقنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت وغيرها من أدوات العصر الجبارة.
ولا بدَّ أن نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به، كما قال سيدنا أبو بكر لخالد. وهم يحاربوننا اليوم حربًا شرسة عن طريق أجهزة الإعلام، الَّتي تتطور يومًا بعد يوم، واستطاعوا أن يغزوا أجهزة الإعلام في ديارنا نفسها، وأن يوجِّهوها ـ للأسف ـ وجهتهم، ويجعلوها تحمل فكرتهم، وتروِّج بضاعتهم، وتتنكر لرسالة قومهم وعقيدتهم وقيمهم.
ولذلك كان إنشاء القنوات الهادفة ذات التوجهات الإسلاميَّة، الَّتي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، والَّتي تنظر إلى الإسلام وتراثه بعين، وتنظر إلى العصر ومنجزاته بعين فريضة وضرورة: فريضة يُوجِبها الدين، وضرورة يُحتِّمها الواقع، ويحتِّمها العصر الَّذي نعيش فيه.
وإذا لم يكن لدى أصحاب هذا التوجه الخيّر من الأموال، ما يكفي للإنفاق على هذه القناة وتطويرها، وتعميمها وتوسيع دائرتها، فلا مانع من صرف بعض أموال الزكاة في هذا المجال النافع والمؤثر في نصرة الإسلام والدفاع عن دعوته وأمته، والدعوة إلى رسالته بأساليب العصر، وذلك من مصرف:﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾[التوبة: 60].
وقد أصدر مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي منذ سنوات: قرارًا بالإجماع يعتبر فيه الدعوة إلى الإسلام، وإقامة مراكز لها ودعمها، من الجهاد في سبيل الله الَّذي يجوز أن يصرف له من الزكاة(5).
ولهذا لا أرى بأسًا من دفع جزء من مال الزكاة لدعم قناة «الرسالة» وما في معناها، لتكون كلمة الله هي العليا.
(1) فقه الزكاة (2/647 ـ 681).
(2) انظر: المغني (6/482)، والمجموع (6/212، 213).
(3) تفسير الطبري (19/281).
(4) سبق تخريجه صـ 572.
(5) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، بموضوع صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي (4/360) وما بعده.