إعطاء أسر المعتقلين والشهداء من الزكاة

❓ إعطاء أسر المعتقلين والشهداء من الزكاة

📅 2026-06-13 👁 987 مشاهدة

نص السؤال:

ابتُلي الإخوان المسلمون في مصر ابتلاءً شديدًا في أرواحهم، وأرواح أبنائهم وإخوانهم، وفي أبدانهم وأموالهم، فاصطفى الله منهم الشهداء، واعتقل منهم عشرات الآلاف، وأصبح كثير منهم فارِّين بدينهم خارج مصر، أو مطاردين فيها، وقد عجزت الجماعة عن كفالة أسر الشهداء والمعتقلين والمطاردين من الإخوان وغيرهم من أبناء التيار الإسلامي، ومن أحرار مصر، فهل يجوز أن يُنفق على هذه الأسر من مصارف الزكاة؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إنَّ الإسلام قد اعتنى بعلاج الفقر، ورعاية الفقراء وذوي الحاجة والضعف، عناية لم يسبق لها نظير في ديانة سماوية، ولا في شريعة وضعية.
ولم تقف عناية القرآن الكريم عند الدعوة إلى الرحمة بالمسكين، والترغيب في إطعامه ورعايته، والترهيب من إهماله والقسوة عليه، بل تجاوز ذلك، فجعل في عنق كل مؤمن حقًّا للمسكين، أن يحضَّ غيره على العناية به ورعايته، وجعل ترك هذا الحض قرين الكفر بالله العظيم، وموجِبًا لسخطه سبحانه وعذابه في الآخرة، فجعل من أسباب العذاب يوم القيامة: ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1 ـ 3]. وجعل الَّذي يؤتى كتابه بشماله يوم الحساب: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ٣٣ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: 33 ـ 34]. والحضّ: هو الحثّ والترغيب والدعاء.
ثم فرض الزكاة على كل ذي مال يبلغ نصابًا، ليستوفي الفقراء حقوقهم من أموال الأغنياء كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ فِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّۭ مَّعْلُومٌۭ ٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ[المعارج: 24، 25]. ليدرك المؤمنون أنَّ أموالهم ليست مِلْكًا ولا حقًّا لهم، يستأثرون به دون غيرهم، وإنَّما فيها جزء لغيرهم من المحتاجين، ليس هبةً منهم إليهم، ولا تفضُّلًا منهم عليهم.
والزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وأحد الأركان الأساسية لهذا الدين، وإذا كان من المهم معرفة نصابها وكيفية جمعها، فإنَّ الأهم من ذلك هو: أين تصرف هذه الأموال بعد تحصيلها؟ فلا عجب بعد ذلك أن يهتم القرآن بهذا الأمر ولا يدعه مجملًا، خشية أن يميل الميزان، وتلعب الأهواء، ويأخذ المال من لا يستحقه، ويحرم منه من يستحقه. ومن هنا كانت مصارف الزكاة محصورة في الأصناف الثمانية الَّتي حدَّدها القرآن الكريم:﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ[التوبة: 60].
ويجمع هؤلاء وصفان: من كان مُحتاجًا من المسلمين، كالفقراء، والمساكين، وفي الرقاب، والغارمين لأنفسهم، وابن السبيل.
ومن يحتاج إليهم المسلمون: كالمجاهدين في سبيل الله، والمؤلّفة قلوبهم، والعاملين عليها، والغارمين لمصلحة المجتمع.
وما ذكر السائل من أحوال هذه الأسر المنكوبة، الَّذين حل بهم البلاء، ونزلت بهم الفاقة: يؤكد أنَّهم داخلون في مصارف الزكاة؛ إذ أصبحوا مستحقين للزكاة للفقر والمسكنة، ولأنَّ كثيرًا منهم صاروا من الغارمين، بعد أن ضُيِّق على كثير منهم، ومنهم من صودرت أو حوصرت أموالهم، وما وقع لهم إنَّما حدث؛ لأنَّهم مضوا في سبيل الله، فهم يستحقون الزكاة من أربعة مصارف. والأمر في هؤلاء يتعدّى الجواز إلى الوجوب.
بل إنَّني أنصح إخواني المسلمين الَّذين يحجُّون حجَّ نافلة، أو يداومون على تكرار العمرة أن يحسنوا التجارة مع الله، وأن يعرفوا فقه الأولويات في الإسلام عامة، وفي العبادات خاصَّة، وليعلموا أنَّهم لو دفعوا هذه التكلفة في سبيل الله من الجهاد بأنواعه المختلفة، والصدقات وأبواب الخير، لكان هذا أجدى لهم وأنفع للمسلمين.
ولو أنَّ مئات الألوف الَّذين يتطوعون سنويًّا بالحج والعمرة رصدوا ما ينفقون لكفالة المحتاجين وإقامة مشروعات إسلاميَّة، ونُظِّم ذلك تنظيمًا حسنًا، لعاد ذلك على المسلمين عامَّة بالخير وصلاح الحال والمآل، وأمكن للعاملين المخلصين للدعوة إلى الإسلام أن يجدوا بعض العون للصمود في وجه التيارات الَّتي تحارب الإسلام.
إنَّ الأخوَّة في الإسلام تقتضي تماسك لبنات المجتمع، حتَّى تكون مترابطة متراصَّة، يحنو غنيها على فقيرها، ويساعد قويها ضعيفها، حتَّى يكونوا قوَّة لا يسهل تحطيمها، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف المتفق عليه، من حديث أبي موسى أنَّ رسول الله قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضًا» وشبَّك بين أصابعه(1).
نريد أن نرى ثمرات التضحية والإيثار، والحبِّ والإخاء، الَّذي شاع في مجتمعنا الإسلامي الأول، بين المهاجرين والأنصار، والَّذين اتبعوهم بإحسان، إضافة إلى دروس التربية والجهاد والتخطيط والإعداد.
وليعلم إخواننا المخلصون أنَّه لا بدَّ من التكاتف والبذل والتضحية؛ لاستمرار هذه الدعوة المباركة، وأنَّ الكلمة الحرة الصادقة من المفكِّرين، يجب أن يلازمها بذل سخي ووفير من القادرين. فعلى أصحاب البلاء الصبر والدعاء، وعلى القادرين البذل والعطاء، وعلى الله إنجاح الدعوة وإنفاذ القضاء. وأنا أعلم أنَّه ما زال في المسلمين الخيرون الطيبون، الَّذين يشعرون بالمجتمع، ويشاركون في تحمل أعبائه.
ونحن نحذِّر إخواننا من القعود عن الجهاد والبذل، والعكوف على الأموال والمصالح الخاصة، والإسلام يتعرض للخطر من أعدائه الكائدين له، والمتربصين به الدوائر.
فعلى المسلم أن يعيش للإسلام والحق، مستعدًّا للجهاد والبذل، غير منتظر منفعة ولا شهرة، يعمل وينتج، دون ضجيج ولا مباهاة؛ نصرة للإسلام بالقول والعمل، والدعوة والبذل، حتَّى تستعيد الأمة القيادة الَّتي عزلت عنها، ويعود حكم شريعة الإسلام ليشمل كل جوانب الحياة، والوقوف في وجه التيارات المعادية للإسلام ودعوته وشريعته وحضارته وأمته.﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.
← العودة لقسم 3- الزكاة والصدقات