2026-06-13
1,029
مشكلة البطالة أسبابها وعلاجها
أنا طالبة أُعِد رسالة ماجستير عن البطالة في المجتمع الإماراتي، وقد أوردت في رسالتي مبحثًا عن آراء الفقهاء والمفكرين المسلمين المعاصرين عن موضوع البطالة، وأود من فضيلتك أن تخبرنا عن رأيك في البطالة، وهل لها أحكام خاصَّة؟ وما نصائحك للشباب الَّذين يعانون المرَّ في ظل الاقتصاديات الحديثة، الَّتي لا تراعي حال الشعوب الَّتي أهلكتها النظم الرأسمالية، وتركت شباب هذه الأمة يصارعون دوامة الفقر والبطالة، ودفعت البعض منهم للكسب الحرام، والسخط على مجتمعاتهم، ما نصيحتك للمسؤولين والمعنيين بالأمر؟
علياء
من الإمارات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا سؤال أكاديمي تسأله الأخت الَّتي تبحث في مشكلة البطالة في مجتمع الإمارات، وأحبُّ أولًا أن أثني على السائلة خيرًا، لاختيارها هذا الموضوع، فعلى كل إنسان أن يحاول أن يخدم المجتمع الَّذي يعيش فيه، ويدرس ـ إن كان من المختصين والأكاديميين ـ مشكلاته، ويقدِّم لها الحلول المناسبة.
فباحث يبحث في مشكلة البطالة وأسبابها وعلاجها، وآخر يدرس مشكلة العنوسة، وثالث مشكلة الطلاق، أو مشكلة تعدد الزوجات، أو مشكلة التفاوت الاقتصادي الفاحش بين الَّذين يملكون المليارات، والَّذين لا يجدون «الملاليم»، كل هذه مشكلات ينبغي للباحثين والباحثات أن يبحثوا فيها في مشروعاتهم ورسائلهم العلمية للماجستير أو الدكتوراه.
والإسلام قد حذَّر من البطالة ودعا أتباعه إلى السعي والعمل، قال تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًۭا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِۦ﴾[الملك: 15].
وقال:﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾[الجمعة: 10].
وقال الرسول ﷺ : «ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده»(1).
ويُنفِّر الإسلام من سؤال النَّاس تنفيرًا كبيرًا فيقول: «ما يزال الرجلُ يسأل النَّاس، حتَّى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم»(2).
ولا يكتفي بالدعوة إلى العمل الدنيويِّ، بل يضفي عليه صفة العبادة والقُربة إلى الله، إذا صحَّت فيه النيَّة، ورُوعيت حدود الله. وفي الحديث: «إنْ كان خرج يسعى على ولده صِغارًا، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوَين شيخَيْن كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفْسِه يعفُّها، فهو في سبيل الله»(3).
وفي الحثِّ على الزراعة يقول: «ما من مسلمٍ يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلَّا كان له به صدقة»(4).
وفي التجارة يقول: «التاجر الصَدوق الأمين مع النبيِّين والصِدِّيقين والشهداء»(5).
وفي الرعي يقول: «ما بعث اللهُ نبيًّا إلَّا رعى الغنم». فقال أصحابه: وأنتَ؟ فقال: «نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكَّة»(6).
وفي الصناعة يضرب لهم المثل بـ «داود»، الَّذي ألان الله في يديه الحديد، ليصنع منه الدروع السابغات: «إنَّ نبيَّ الله داودَ كان يأكل من عمل يده»(7).
العمل هو أساس الكسب:
ويحارب النبيُّ ﷺ ما شاع عند العرب من احتقار الحِرف والأعمال اليدوية، واتكال بعضهم على سؤال كبراء القوم وزعماء العشائر، فبيّن لهم أنَّ كل عمل نافع هو عمل شريف كريم، مهما تكن ضآلة الربح من ورائه، ومهما تكن نظرة النَّاس إليه فيقول: «لأن يأخذَ أحدُكم حبله، فيأتيَ بحُزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكفُّ اللهُ بها وجهَه، خيرٌ من أن يسأل النَّاس، أعطوه أو منعوه»(8).
لقد علّم الرسول ﷺ أصحابه مبدأً جليلًا من مبادئ الإسلام، وهو: أنَّ العمل هو أساس الكسب، وأنَّ على المسلم أن يمشي في مناكب الأرض، ويبتغي من فضل الله، وأنَّ العمل وإن نظر إليه بعض النَّاس نظرة استهانة أفضل من تكفُّف الناس.
ومن فروض الكفاية على المسلمين، أن يهيِّئوا العدد المُدرّب الكافي، لكلِّ صناعة أو مهنة يحتاج إليها المجتمع حتَّى يكتفي المسلمون اكتفاءً ذاتيًّا، فيأكلوا ممَّا يزرعون، ويلبسوا ممَّا ينسجون، ويسلِّحوا جيوشهم بما يصنعون، مهتدين بقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾[الحديد: 25]، وعبارة: «بأس شديد» تشير إلى الصناعات الحربية، وعبارة: «ومنافع للنَّاس» تشير إلى الصناعات المدنية، وما لم يتمُّ ذلك فالمسلمون آثمون، وبخاصَّة أولو الأمر منهم.
ومن جميل ما نبَّه عليه بعض حكماء المسلمين: أنَّ العمل والتكسب، وإن كان مباحًا من وجه، فهو واجب من وجه. يقول الإمام الراغب في كتابه القيِّم «الذريعة إلى مكارم الشريعة»: «التكسُّب في الدنيا، وإن كان معدودًا من المباحات من وجه، فإنَّه من الواجبات من وجه، وذلك أنَّه لمَّا لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلَّا بإزالة ضروريات حياته، فإزالتها واجبة؛ لأنَّ كل ما لا يتم الواجب إلَّا به فواجب كوجوبه.وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلَّا بأخذ تعب من الناس، فلا بدَّ إذن أن يعوِّضهم تعبًا من عمله، وإلَّا كان ظالمًا، فمن توسّع في تناول عمل غيره في مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك، فلا بدّ أن يعمل لهم عملًا بقدر ما يتناوله منهم، وإلَّا كان ظالمًا لهم، سواء قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، فمن رضي بقليل من عملهم، فلم يتناول من دنياهم إلَّا قليلًا، يُرضى منه بقليل من العمل... ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم نفعًا، فإنَّه لم يأتمر لله تعالى في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾[المائدة: 2]. ولم يدخل في عموم قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ﴾[التوبة: 71]. ولذا ذُمّ من يدّعي التصوف فيتعطّل عن المكاسب، ولم يكن له علم يُؤخذ منه، ولا عمل صالح في الدين يُقتدى به. فإنَّه يأخذ منافع النَّاس ويُضيِّق عليهم معاشهم، ولا يردُّ إليهم نفعًا، فلا طائل في مثلهم إلَّا بأن يكدِّروا المشارع (مجاري المياه)، ويُغْلوا الأسعار.ومن الدلالة على قبح فعل من هذا صنيعه: أنَّ الله تعالى ذمّ من يأكل مال نفسه إسرافًا وبِدَارًا، فما حال من يأكل مال غيره على ذلك، ولا ينيلهم عوضًا، ولا يرد عليهم بدلًا؟»(9).
والإسلام يحثُّ على العمل الدنيوي ويباركه، وكل ما يطلبه من المسلم في هذا الأمر، هو التوازن بين عمله لمعاشه وعمله لمعاده، بين أمر دنياه وأمر دينه، بين مطالب جسمه وأشواق قلبه، فلا تلهيه الأولى عن الآخرة، ولا المادَّة عن الروح.
وقد وصف الله تعالى الصالحين من عباده الَّذين يرتادون المساجد بقوله:﴿يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ﴾[النور: 36 ـ 37].
ومن واجب ولاة الأمر أن يهيئوا لكلِّ قادرٍ العمل الَّذي يلائمه، ويكتسب منه ما يكفيه ويكفي أسرته، وأن ييسِّروا له من التعليم والتدريب ما يؤهله لهذا العمل.
كذلك على المجتمع المسلم أن يعمل على توفية كل عامل أجره العادل، فلا يُبخس حقه، ولا يُؤخّر عليه أجره. وفي الحديث: «أعطوا الأجيرَ أجرَه قبل أن يجفَّ عرقَه»(10).
وفي الحديث القدسي عند البخاري: «ثلاثة أنا خصمُهم يوم القيامة». وفيهم: «رجلٌ استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يوفِّه أجره»(11).
دور الدولة تجاه العاطلين:
وعلى الدولة أن تهيِّئ العمل المناسب لكل عاطل قادر على العمل، وهذا واجب الدولة الإسلاميَّة نحو أبنائها، فما ينبغي لراعٍ مسؤولٍ عن رعيته أن يقف مكتوف اليدين أمام القادرين العاطلين من المواطنين، كما لا يجوز أن يكون موقفه منهم بصفة دائمة مد اليد بمعونة قلّت أو كثرت من أموال الصدقات، وقد قال ! : «لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ ولا لذي مِرَّة سويٍّ»(12). وكل إعانة مادية تُعطى «لذي مِرَّة سَوِيٍّ» ليست في الواقع إلَّا تشجيعًا للبطالة من جانب، ومزاحمة للضعفاء والزَّمْنى والعاجزين في حقوقهم من جانب آخر.
والتصرف السديد الواجب، هو ما فعله رسول الله ﷺ بإزاء واحد من هؤلاء السائلين، فعن أنس بن مالك: أنَّ رجلًا من الأنصار أتى النبيّ ﷺ يسأله، فقال: «أَمَا في بيتِكَ شيء؟». قال: بلى: حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْب نشرب فيه الماء. قال: «ائتني بهما». فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ وقال: «من يشتري هذين؟». قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. وقال: «من يزيد على درهم؟». مرَّتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إيَّاه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاريَّ، وقال: «اشترِ بأحدهما طعامًا، وانبِذْه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا، فأْتني به». فشدَّ رسولُ الله ﷺ عودًا بيده، ثمَّ قال له: «اذهبْ فاحتطبْ وبِعْ، ولا أَرَيَنَّك خمسة عشر يومًا». فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، قال رسول الله ﷺ : «هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نكتةً في وجهِك يوم القيامة، إنَّ المسألة لا تصلح إلَّا لثلاثة: لذي فقر مُدْقِع، أو لذي غُرم مُفظِع، أو لذي دمٍ مُوجِع»(13).
وفي هذا الحديث الناصع نجد النبيّ ﷺ لم يرد للأنصاري السائل أن يأخذ من الزكاة وهو قوي على الكسب، ولا يجوز له ذلك، إلَّا إذا ضاقت أمامه المسالك، وأعيته الحيل، وولي الأمر لا بدَّ أن يعينه في إتاحة الفرصة للكسب الحلال، وفتح باب العمل أمامه.
إنَّ هذا الحديث يحتوي خطوات سبّاقة، سبق بها الإسلام كل النظم الَّتي عرفتها الإنسانية بعد قرون طويلة من ظهور الإسلام.
إنَّه لم يعالج السائل المحتاج بالمعونة الماديَّة الوقتية كما يفكر كثيرون، ولم يعالج بالوعظ المجرَّد والتنفير من المسألة كما يصنع آخرون، ولكنَّه أخذ بيده في حل مشكلته بنفسه وعلاجها بطريقة ناجحة.
علّمه أن يستخدم كل ما عنده من طاقات وإن صغرت، وأن يستنفد ما يملك من حيل وإن ضؤُلت، فلا يلجأ إلى السؤال وعنده شيء يستطيع أن ينتفع به في تيسير عمل يغنيه.
وعلَّمه أنَّ كلَّ عمل يجلب رزقًا حلالًا هو عمل شريف كريم، ولو كان احتطاب حزمة يجتلبها فيبيعها، فيكفُّ الله بها وجهه أن يراق ماؤه في سؤال الناس.
وأرشده إلى العمل الَّذي يناسب شخصه وقدرته وظروفه وبيئته، وهيَّأ له «آلة العمل» الَّذي أرشده إليه، ولم يدعه تائها حيران.
وأعطاه فرصة خمسة عشر يومًا يستطيع أن يعرف منه بعدها مدى ملاءمة هذا العمل له، ووفائه بمطالبه، فيقرُّه عليه، أو يدبِّر له عملًا آخر.
وبعد هذا الحل العملي لمشكلته لقّنه ذلك الدرس النظري الموجز البليغ، في الزجر عن المسألة والترهيب منها، والحدود الَّتي تجوز في دائرتها.
ما أحرانا أن نتَّبع نحن هذه الطريقة النبوية الرشيدة! أن نبدأ بحل المشاكل، وتهيئة العمل لكل عاطل.
ودور الزكاة هنا لا يخفى، فمن أموالها يمكن إعطاء القادر العاطل، ما يمكنه من العمل في حرفته، من أدوات أو رأس مال، ومنها يمكن أن يدرب على عمل مهني يحترفه ويعيش منه، ومنها يمكن إقامة مشروعات جماعية: مصانع، أو متاجر، أو مزارع.. ونحوها، ليشتغل فيها العاطلون، وتكون مِلْكًا لهم بالاشتراك كلها أو بعضها.
(1) رواه البخاري في البيوع (2072)، عن المقدام بن معديكرب.
(2) سبق تخريجه صـ 473 .
(3) رواه الطبراني في الكبير (19/129)، والأوسط (6835)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (2610): رجاله رجال الصحيح، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7709)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1692): صحيح لغيره، عن كعب بن عجرة.
(4) متَّفَق عليه: رواه البخاري في المزارعة (2320)، ومسلم في المساقاة (1553)، عن أنس.
(5) رواه الترمذي (1209)، وقال: حديث حسن. والدارمي (2581)، والحاكم (2/6)، شاهدًا وحكم عليه بالإرسال، والدارقطني (2813)، أربعتهم في البيوع، وحسنه ابن القطان في الوهم والإيهام (4/478، 479)، وقال الذهبي في الميزان (3/413): جيد الإسناد صحيح المعنى، وقال الألباني في صحيح الترغيب (1782): صحيح لغيره. عن أبي سعيد الخدري.
(6) رواه البخاري في الإجارة (2262)، عن أبي هريرة.
(7) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(8) متَّفَق عليه: رواه البخاري (1471)، ومسلم (1042)، كلاهما في الزكاة، عن أبي هريرة.
(9) الذريعة إلى مكارم الشريعة صـ 268، 269، تحقيق د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي، نشر دار السلام، القاهرة، 1428هـ ـ 2007م.
(10) رواه ابن ماجه في الرهن (2443)، والقضاعي في مسند الشهاب (744)، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (1980)، عن ابن عمر.
(11) رواه البخاري في البيوع (2227)، وأحمد (8692)، عن أبي هريرة.
(12) سبق تخريجه صـ 454.
(13) رواه أحمد (12134)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في الزكاة (1641)، والترمذي في البيوع (1218)، وقال: حسن. وابن ماجه في التجارات (2198)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (291)، عن أنس.