2026-06-13
1,007
إفطار الكبير والحامل والمرضع
هل يجوز للشيخ كبير السنِّ أن يفطر في رمضان وماذا يجب عليه عند ذلك؟ وهل يصحُّ للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان خوفًا على الجنين أن يموت؟ وماذا يجب عليها؟ وهل يجوز استعمال الطِّيب في شهر رمضان؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا السؤال الأوَّل فأجيب عنه بأنَّه يجوز لمثل هذا الشيخ الكبير الَّذي يجهده الصوم ويشق عليه مشقَّة شديدة، ومثله المرأة العجوز، يجوز لهما أن يفطرا في رمضان، ومثلهما كل مريض لا يرجى شفاؤه من مرضه.
المريض مرضًا مزمنًا، قرَّر الأطباء أنَّه مستعصٍ على العلاج، أو أنَّه مزمنٌ معه، يجوز له أن يفطر، وهؤلاء إذا أفطروا عليهم فدية طعام مسكين عن كل يوم، رخصةً من الله وتيسيرًا. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ﴾ [الحج: 78]. وقال ابن عبَّاس ^ : رُخِّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه(1). وروى البخاري عنه قريبًا من هذا: أنَّ في الشيخ الكبير ونحوه نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ﴾ [البقرة: 184](2). أي من زاد عن طعام المسكين فهو أفضل وأبقى له عند الله. فالشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الَّذي لا يرجى برؤه من مرضه، كل هؤلاء لهم أن يفطروا ويتصدَّقوا عن كل يوم طعام مسكين.
وأما السؤال الثاني: هل يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان إذا خافت على جنينها أن يموت؟ فنعم؛ لها أن تفطر، بل إذا تأكد هذا الخوف أو قرَّره لها طبيب مسلم ثقة في طبِّه ودينه، يجب عليها أن تفطر حتَّى لا يموت الطفل، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓاْ أَوْلَـٰدَكُم﴾[الأنعام: 151، والإسراء: 31]. وهذه نفس محترمة، لا يجوز لرجل ولا لامرأة أن يفرِّط فيها ويؤدِّي بها إلى الموت. والله تعالى لم يعنت عباده أبدًا، وقد جاء عن ابن عبَّاس أيضًا أنَّ الحامل والمرضع ممَّن جاء فيهم:﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ﴾[البقرة: 184](3).
وإذا كانت الحامل والمرضع تخافان على أنفسهما فأكثر العلماء على أنَّ لهما الفطر وعليهما القضاء فحسب(4)، وهما في هذه الحالة بمنزلة المريض.
أما إذا خافت الحامل أو خافت المرضع على الجنين أو على الولد، نفس هذه الحالة اختلف العلماء بعد أن أجازوا لها الفطر بالإجماع هل عليها القضاء أم عليها الإطعام تطعم عن كل يوم مسكينًا، أم عليها القضاء والإطعام معًا، اختلفوا في ذلك، فابن عمر وابن عبَّاس يجيزان لها الإطعام(5) وأكثر العلماء على أنَّ عليها القضاء(6)، والبعض جعل عليها القضاء والإطعام(7)، وقد يبدو لي أنَّ الإطعام وحده جائز دون القضاء، بالنسبة لامرأة يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء، فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع، وفي السَّنَة الَّتي بعدها حامل.. وهكذا يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصةً للقضاء، فإذا كلَّفناها قضاء كل الأيام الَّتي أفطرتها للحمل أو للإرضاع معناها أنَّه يجب عليها أن تقضي الصوم لعدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا عسر، والله لا يريد بعباده العسر.
هذا بالنسبة للسؤال الثاني.
وأما السؤال الثَّالث عن استعمال الطِّيب في شهر رمضان فهو جائز ولم يقل أحد بحرمة استعمال الطيب في رمضان ولا بأنَّه مفسد للصوم.
والله أعلم.
(1) رواه الدارقطني (2380) وقال: إسناده صحيح. والحاكم (1/440)، كلاهما في الصيام، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
(2) رواه البخاري (4505)، وأبو داود (2316)، والنسائي (2317)، ثلاثتهم في الصيام، عن ابن عباس.
(3) رواه أبو داود (2318)، والبيهقي (4/230)، كلاهما في الصيام، وحسَّن إسناده الحافظ في المطالب العالية (1047).
(4) انظر: المغني (3/149)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (2/398)، نشر دار الفكر، 1415هـ ـ 1995م، وبدائع الصنائع (2/97)، والفواكه الدواني (1/309).
(5) وهي الفدية، وقال ابن قدامة: ولا مخالف لهما في الصحابة. انظر: المغني (3/150).
(6) وهو ما ذهب إليه الحنفية، وعدد من السلف، ووجه في مذهب الشافعية. انظر: المجموع للنووي (6/267 ـ 269)، وبدائع الصنائع (2/97).
(7) وهو ما اختاره الحنابلة، والأظهر في مذهب الشافعية. انظر: المجموع للنووي (6/267 ـ 269)، والمغني لابن قدامة (3/149، 150).