2026-06-13
989
قضاء ما مضى من رمضانات
بادئ ذي بَدء لا تلُمْني ولا تؤنبني، فما فيَّ يكفيني من ندمٍ وألم، ولوم النفس اللوامة. ولكنِّي أرجو أن ترشدني إلى ما يصلح خطئي وعملي.
أنا لم أصم رمضان طيلة عشر سنوات، أي منذ كان عمري ثلاثين سنة، لست مريضًا ولا منكرًا لفرضية رمضان ولا جاحدًا، بل أقرُّ بأنَّ رمضان فرض على كل مسلم بالغ صحيح عاقل، وأنَّه الركن الرابع من أركان الإسلام، لكنِّي كنت أفطر لضعف نفسي وطغيان شهوتي.
وهذا العام صمت رمضان والحمد لله، ولكن ما الأمر حول ما مضى من عشر سنين؟ هل أصوم الرمضانات العشرة قضاءً بمعدل شهر عن كل سنة، وهذا ثقيل عليَّ، أم أكفِّر عن العشر سنوات الَّتي مضت، أم هل أنا مطالب بصيام ستِّين يومًا عن كل يوم أفطرته بمعدل (60يوم × 30يوم × 10سنوات) على اعتبار أنَّ كفارة إفطار يوم عمدًا من غير عذر؛ تكون كفارته مثل كفارة الظهار؛ كما قرأت ذات مرَّة في فتوى لشيخ الأزهر سيد طنطاوي.
علمًا بأنَّني لم أنقطع عن الصلاة ولا فرضًا واحدًا منذ تلك العشر سنوات وإلى الآن.
أفيدوني.. كيف يكون لي إصلاح ذلك الفساد.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لن أؤنِّب الأخ على ما فرَّط في جنْب الله، وعلى تضييعه فريضة صوم رمضان ـ وهي من أعظم فرائض الإسلام ـ عشر سنوات كاملة. فيكفي تأنيب الأخ لنفسه، وما يعانيه من لوم النفس، وتعذيب الضمير. فلله الحمد أن استيقظت نفسه «اللوَّامة» بعد أن سيطرت عليه سنين نفسه «الأمَّارة بالسوء».
والعجيب أنَّنا نرى كثيرًا من المسلمين والمسلمات يصومون رمضان، ولكنَّهم ـ واأسفاه ـ يتركون إقامة الصلاة، وهي أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين؛ فلا يجترئ على انتهاك حرمة رمضان بالإفطار فيه عمدًا، إلَّا امرؤ فاجر، والعياذ بالله تعالى شأنه.
ولكنَّ الأخ السائل عكس القضية، فحافظ على الصلاة، وضيَّع الصيام: الفريضة السنوية الَّتي أوجبها الله تعالى شهرًا في كل عام، ليهيِّئ النفوس لتقوى الله عز وجل، كما قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 183].
وما دام الأخ السائل معترفًا بأنَّه لم يكن منكرًا، ولا جاحدًا لفريضة الصيام في شهر رمضان، بل مقرًّا بأنَّ صومه فرض على كل مسلم بالغ عاقل لا عذر له، وأنَّه الركن الرابع من أركان الإسلام، وأنَّه كان يؤدي الصلوات في تلك السنوات.. فلا يمكننا أن نقول: إنَّه بدأ الإسلام من جديد، والإسلام يجبُّ ما قبله، وأنَّه كان كافرًا فأسلم واهتدى، والله تعالى يقول:﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾[الأنفال: 38].
فمن الواضح أنَّه كان مسلمًا عاصيًا، مفرِّطًا في جنب الله، مقصِّرًا عن طاعته، مضيِّعًا لفريضة من أقدس فرائضه، وركن من أعظم أركان دينه، وهذا يعني أنَّ هذه الأشهر العشر الَّتي فاته صيامها في تلك السنين: ديْن في عنقه، يلزمه قضاؤها، مثل كل الديون الواجبة على الإنسان، لله أو للناس. وفي الحديث الصحيح: «فدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقضى»(1).
ومضي تلك السنين لا يسقط هذا الدين، أو هذا الحق الواجب لله على عبده، فإنَّ مضي الزمن في الإسلام لا يسقط حقوق العباد، ولا حقوق الله، بل يظل لازمًا في رقبة كلِّ مدين، حتَّى يؤديه أو يُؤدَّى عنه، أو يُطالب به يوم القيامة.
والمطلوب هو: قضاء يوم عن كل يوم: أي (300) ثلاثمائة يوم عن تلك السنين العشرة. وليس سِتِّين يومًا عن كل يوم كما قال الأخ: 60 × 30 × 10 = 18000 ثمانية عشر ألف يوم.
ربما يقول هذا بعض النَّاس أو يتصوَّرونه، على أساس أنَّ من أفطر عمدًا في نهار رمضان بالجماع في بعض المذاهب، وبه وبالأكل والشرب في مذاهب أخرى. يجب عليه كفارة مغلظة عن كل يوم: تحرير رقبة، أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستِّين مسكين، على الترتيب، أو على التخيير، حسب اختلاف الأئمَّة @ .
ولكنَّا نقول: هذه الكفارة إنَّما في حقِّ من صام وأفطر عمدًا في صيامه، فجعلت هذه الكفارة تطهيرًا له.
أمَّا من لم يصم أصلًا، فهذا لا كفارة له. مثل اليمين المنعقدة فيها الكفارة، أمَّا اليمين الغموس الَّتي يتعمَّد الحالف فيها الكذب فلا كفارة فيها، بل فيها التوبة فقط.
وكذلك القتل الخطأ، فيه الكفارة، وأما القتل العمد، فلا كفارة له، بل فيه التوبة بشروطها.
فباب التوبة مفتوح لكل ذنب صغر أو كبر، سواء كان ترك مأمور، أم فعل محظور.
ولكنَّ التوبة لا تكون صادقة، ولا تقبل حقًّا، إلَّا إذا صحبها أداء الحقوق إلى أهلها: حقوق الله، وحقوق العباد. فهذا شرط لا بدَّ منه لقبول التوبة عند الله 2 .
ولا تقبل الفدية عن صيام كل يوم: طعام مسكين، إلَّا ممَّن عجز عن الصيام تمامًا، ولم يعد قادرًا على صيام رمضان أداءً، فيسقط عنه قضاء.
أمَّا إذا قدر، فلا يصح منه إلَّا الصيام. وأنصح الأخ أن يصوم في أيام الشتاء، فهي أيام قصيرة وباردة، وكثير من المسلمين يصومون فيها تطوُّعًا، كما قيل: الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه.
يستطيع الأخ أن يعزم على الصيام في كل سنة في الشتاء: ثلاثة أشهر متتابعة، وأؤكد له أنَّه حين يتابع الصوم، سيسهل عليه، ولن يشعر بأي حرج أو ثقل، وخصوصًا مع شعوره بأنَّه يتلافى تقصيره فيما مضى، ويؤدِّي دينه، ويُرضي ربه، ويصحِّح توبته، ويبيِّض صفحته.
أسأل الله سبحانه أن يشدَّ أزرَه، ويقوِّيَ عزمه، ويمدَّه بتوفيقه وعونه. إنَّه سميع الدعاء.
(1) سبق تخريجه صـ 807.