مكانة الحجِّ في الإسلام

❓ مكانة الحجِّ في الإسلام

📅 2026-06-13 👁 1,049 مشاهدة

نص السؤال:

يقول تعالى:﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ٢٧ لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ[الحج: 27 ـ 28]. فما المنافع الَّتي يجنيها المسلم من الحج؟ وما حكم من لم يحج وهو مستطيع للحج؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وكما قال الإمام الغزالي: «إنَّ الحجَّ من بين أركان الإسلام ومبانيه: عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، فيه أنزل الله :﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا﴾[المائدة: 3]»(1).
قد نزلت هذه الآية الَّتي ذكرها حجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي في حجَّة الوداع، وفي يوم عرفة، والنبيُّ يحج بالمسلمين الحجَّة الأولى والأخيرة له، الَّتي ودَّع فيها الناس، وقال لهم: «ألا هل بلَّغتُ؟». قالوا: نعم. قال: «اللهمَّ اشهدْ»(2).
قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ[آل عمران: 97]. والنبي يقول: «بُنِي الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إلٰه إلّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصومِ رمضان»(3).
وانظر لقول الله تعالى:﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ، كأنَّ من أعرض عن الحج وهو مستطيع له، قادر عليه: يكون كافرًا ـ والعياذ بالله ـ ومن كفر ـ أي أعرض عن الحج ـ فإنَّ الله غنيٌّ عنه وعن عبادته، ولهذا قال سيِّدنا عمر بن الخطاب 3 : لقد هممتُ أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فلينظروا كلَّ من كان له جِدَةٌ ولم يحجَّ، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين(4). همَّ 3 أن يبعث إلى ولاته على الأمصار يقول لهم: انظروا كلَّ من قدر على الحج ولم يحجَّ، هذا ليس بمسلم. ولكنَّه لم يفعل.
وقال 3 : من مات وهو مُوسر لم يحجَّ، فليمُتْ إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا(5).
وقال الإمام التابعيُّ الفقيه سعيد بن جبير رحمه الله تعالي: لو كان لي جارٌ موسر، ثمَّ مات ولم يحجَّ، لم أصلِّ عليه(6).
يعني: لا يصلِّي عليه صلاة الجنازة؛ لأنَّه يرى أنَّه بهذا قصَّر في أمر عظيم من أمور الإسلام، ويخشى أن يكون مات على غير الإسلام.
وينبغي للمسلم القادر المستطيع للحج أن يبادر بالحج، فقد قال الله تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ[البقرة: 148]، وقال 8 :﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ[آل عمران: 133].
وجاء في الحديث: «تعجَّلوا الحجَّ، فإنَّ أحدَكم لا يدري ما يَعْرِض له»(7). فالصحيح قد يمرض، والقادر قد يَعْجِز، والحيُّ قد يموت، فخُذْ بالحزم والاحتياط، وتعجَّل الحجَّ.
والحجُّ مفروض في العمر مرَّة واحدة، فعن أبي هُرَيْرة، قال: خطبَنا رسولُ الله ، فقال: «أيُّها النَّاس، قد فرض الله عليكم الحجَّ، فحُجُّوا». فقال رجل: أكلَّ عام يا رسولَ الله؟ فسكت، حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله : «لو قلتُ: نعم. لوجبت، ولَمَا استطعتم»(8).
ومن فضل الله ورحمته في هذه الشريعة السمحة: أنَّه لم يوجب الحجَّ إلَّا مرَّة واحدة، هو فريضة عُمْرية للإنسان المسلم، ولم يفرضه إلّا على من استطاع إليه سبيلًا.
الحج عبادة بدنيَّة ماليَّة:
المسلم مطالب بأن يؤدي الحج مرَّة واحدة في عمره؛ لأنَّ الحج فريضة مكلفة من الناحية الماليَّة، ومجهدة من الناحية البدنيَّة، نحن نعلم أنَّ الإسلام نوَّع في عباداته، فهناك عبادة بدنيَّة، أي يؤديها الإنسان ببدنه، ويؤديها بمشقة وجهد، وهذا شأن كل تكليف، لا بدَّ أن تكون فيه مشقة، فالتكليف إلزام ما فيه كُلْفة، العبادة بدنيَّة مثل الصلاة والصيام، كلتاهما عبادة بدنيَّة، غير أنَّ الصلاة عبادة فعلية، والصوم عبادة تركية، وهناك عبادة ماليَّة، مثل الزكاة والصدقة، وهناك عبادة تجمع بين البدنيَّة والماليَّة، تجمع بين المشقَّة الَّتي يبذلها الإنسان ببدنه، وبين بذل المال، وذلك مثل الحج والجهاد في سبيل الله، كلتاهما عبادة بدنيَّة ماليَّة، لذا فقد قرن بينهما رسول الله فقال: «نِعْم الجهادُ الحجُّ»(9).
الحجُّ عبادة بدنيَّة ماليَّة، عبادة بدنيَّة؛ لما فيه من مشقَّة كبيرة؛ فالحاجُّ يسافر من بلده، ويذهب إلى الكعبة، ويطوف بها سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ويرمي الجمار، ويزاحم، وينام على الأرض في عرفات وفي مِنى.
خصوصًا في الزمن الماضي، نحن في هذا الزمن قد يسَّر الله لنا الأسباب، وهيَّأ لنا الأمور، كان النَّاس في الزمن الماضي يركبون البعير، وأحيانًا يذهبون للحجِّ مشيًا على الأقدام من بلد إلى بلد.
ذكر الإمام النَّسَفي في تفسيره قال: قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خُرَاسان. قال: كم بينكم وبين البيت؟ قلت: مسيرةَ شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت؟ فقلت: أنت من أين جئت؟ قال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شابٌّ فاكتهلتُ. قلت: والله هذه الطاعة الجميلة، والمحبَّة الصادقة، فقال:
زُر من تحبُّ وإن شطَّت بك الدارُ
وحال من دونه حُجبٌ وأستارُ
لا يمنعنَّك بُعْدٌ عن زيارته
إنَّ المحبَّ لمن يهواه زَوَّارُ(10)
انظروا إلى هذا الرجل، قد خرج شابًّا، وانتهى إلى البيت الحرام كهلًا، ونحن الآن يسَّر الله تبارك وتعالى علينا الأمور، فيستطيع الإنسان أن يأتي من أقصى الدنيا بالطائرة في حوالي خمس عشرة ساعة أو نحو ذلك، يصل إلى المسجد الحرام في أقل من يوم، وكان النَّاس قديمًا يكدحون ويعانون من مشقَّة السفر، يمكثون في الرحلة شهرين، شهرًا ذهابًا، وشهرًا إيابًا، يركبون الجمال، أو يركبون الحمير، وكان منهم من يذهب إلى الحج ماشيًا، كما قال تعالى:﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ[الحج: 27]. ﴿رِجَالًا: أي مشاةً على أرجلهم، ﴿وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ: أي الإبل الَّتي أضناها طول الرحلة، فضمرت بطنها.
ثم تأتي بعد ذلك مشقَّة التنقل بين مكَّة ومِنى، وبين مِنى وعرفات، وبين عرفات ومزدلفة، وبين مزدلفة ومنى، وحتَّى في منى نفسها.
والناس قديمًا لم يكونوا يسكنون كما نسكن نحن اليوم، نحن اليوم نسكن في الفنادق والبيوت، وننام على الفُرُش، الأمور الآن فيها راحة وسهولة ورفاهية إلى حدٍّ كبير، ولكن رغم هذا التيسير فالحج فيه مشقَّة بدنيَّة، لأجل ذلك كان الحج عبادة بدنيَّة.
وهو عبادة ماليَّة أيضًا؛ لأنَّ الحج مكلِّف؛ فلا بدَّ أن يجد الَّذي يريد الحج الزاد والراحلة، أي أن يكون لدى الشخص قدرة على أن يشتري راحلةً ليسافر عليها، أو يستأجر راحلةً توصله إلى مكَّة المكرمة، وإذا كان سيسافر بالبحر فلا بدَّ أن تكون معه أجرة الباخرة الَّتي توصله، ونفقات السفر، فضلًا عن أن يترك لأولاده وزوجته ومن يعول من النفقة ما يكفيهم إلى العودة، فهذه كلها نفقات ماليَّة.
فالحجُّ تدريبٌ للمسلم على الاخشيشان، وعلى مخالفة عاداته، يخالف عاداته في نومه وأكله وملبسه، ويتدرب على أن يغيِّر ظروف حياته ومعيشته.
وكذا هو تدريب على بذل المال في سبيل الله، فالحج تدريب للأمة على الجهاد، لذا قرن النبي بين الحج والجهاد، فعن عائشة أمِّ المؤمنين # ، أنَّها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكُنَّ أفضلُ الجهاد: حجٌّ مبرور»(11).
الحج مطهرة للإنسان:
الحجُّ مَطْهَرة للإنسان، يتطهَّر فيها من ذنوبه وغفلاته، والإسلام جعل للمسلم عدَّة مصافٍ للذنوب، فالصلاة مصفاةٌ يوميَّة يتطهَّر فيها الإنسان من أدران خطاياه، قال رسول الله : «أرأيتم لو أنَّ نهَرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلَّ يومٍ خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟!» قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا»(12).
ثم يأتي يوم الجمعة في الأسبوع أيضًا فيكفِّر الله به من خطايا الأسبوع، ثمَّ رمضان، تطهير سنوي، دورة تربويَّة يأخذها الإنسان، يتدرب فيها على الطاعة لله، وعلى الصبر على الشهوات، والصبر على ترك المألوفات كلها لله، كل هذا لله 8 ، وفي الحديث الصحيح: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفراتُ ما بينهنَّ إذا اجتنب الكبائر»(13). فالصلوات ميزان اليوم، والجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان السنة، ثمَّ يأتي الحج فهو ميزان العمر.
لذا فرسول الله يقول: «من حجَّ لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيومَ ولدته أمُّه»(14). فالحجُّ إيذانٌ بميلادٍ جديد للإنسان، يُولَد به ولادةً جديدة، ولادة طاهرة نظيفة، فقد عاد إنسانًا جديدًا، وأُنشئ خلقًا آخر.
وقال : «العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة»(15).
والحجُّ المبرور هو الحجُّ الَّذي تكون النيَّة فيه خالصة لله، وأن يحجَّ بمالٍ حلال، ونفقة حلال.
الحجُّ هجرة إلى الله تعالى:
والحجُّ كذلك هجرة إلى الله تبارك وتعالى، يهجر الإنسان أهله ووطنه، مهاجرًا إلى الله ورسوله، قاصدًا الأراضي المقدَّسة، حيث تهُبُّ عليه الذكريات الإبراهيمية من بعيد، والذكريات المحمديَّة من قريب، ويعيش ناسكًا عابدًا لله 4 ، ثمَّ يعود إلى بيته وإلى أهله بعد أن أدَّى المناسك أطهر نفسًا، وأفضل سلوكًا، وأقرب إلى الله تعالى، وأبعد عن الشيطان، وهذا يلاحظه كثير من الناس: أنَّ الإنسان بعد الحج دائمًا أفضل منه قبل الحجِّ، إلّا القليلين.
الحجُّ انتقال من البيئة المحليَّة إلى البيئة العالميَّة:
وهذا الحج فرضه الله 4 لينتقل به المسلم من البيئة المحليَّة الضيِّقة إلى البيئة العالميَّة الواسعة، يتعرَّف على العالم، والناس يقولون: السفر نصف العلم. فالمسلم المحدود الأفق يسافر إلى الحج، فيتَّسع أفقه، ويتعرَّف على أناس، ويرى أصناف البشر وألوانهم وطبقاتهم وطباعهم وعاداتهم.
في الحجِّ يتجلَّى كمال العبودية:
ومن أهداف العبادات جميعًا ـ ومنها الحج ـ إظهار العبودية، فالمسلم ـ مثلًا ـ لا يفهم لماذا تصلِّي الظهر أربع ركعات والصبح ركعتين؟ ولماذا الظهر صلاة سِرِّيَّة والصبح صلاة جهريَّة؟ ولماذا كان الركوع مرَّة واحدة والسجود مرَّتين؟ يفعلها الإنسان دون أن يعرف الحكمة منها؛ لأنَّ الله هو الَّذي أمرنا بذلك، مثل الطبيب حين يقول للمريض: خذ هذا الدواء قبل الأكل، وهذا بعد الأكل، وخذ من هذا الدواء حبة ومن هذا حبتين، فيمتثل المريض أمره، ولا يناقشه: لأنَّه يعلم أنَّ الطبيب أدرى وأعلم بما ينفعه ويشفيه، ولله المثل الأعلى.
وفي عبادة الحجِّ، هذه الشعيرة العظيمة، كثيرٌ من الأمور الَّتي لا يدرك الإنسان الغاية منها، ولا العلَّة فيها، يفعلها الإنسان طاعةً لله عز وجل؛ لأنَّ الله 4 يبتلي عباده في العقائد بأن يؤمنوا بالغيب، أن يؤمنوا بأمور غيبيَّة لم ترها أعينهم، يؤمنون بالجنَّة والنار، ويؤمنون بالملائكة وإن لم يروها، فكلُّ هذا من الإيمان بالغيب، والمسلم مطالب أن يؤمن، بكل ما جاء به القرآن، وصحَّت به السُّنَّة، وأخبر به المعصوم، ولم يكن في تصديقه مُحالٌ عقلي، فيجب الإيمان به قطعًا، كذلك في التكاليف العمليَّة، في العبادات، تُنَفِّذ وتطيع وإن لم تعرف الحكمة.
يبتلي الله تعالى الإنسان بأن يعمل شيئًا وإن لم يدرك عقله كلَّ الحكمة منه، إعلانًا لعبوديَّته لله، يأمره الله فيطيع؛ لأنَّه لو كان يعرف الحكمة التفصيلية لكلّ عبادة، لكان في هذه الحالة لا يطيع ربه؛ إنَّما يطيع عقله، ولكنَّ المسلم المؤمن عليه حينما يؤمر أن يقول ـ وإن لم يدرك الحكمة ـ: سمعنا وأطعنا.
والعبد كما أنَّه محتاجٌ إلى إدراك أسرار ‏التشريع ليزداد يقينًا بحكمة الشارع، وعظمة هذا الدين، فإنَّه محتاج إلى التسليم بما يعجز ‏عن إدراكه ليختبر صدق إيمانه، وصحَّة استسلامه لله، باعتباره عبدًا ضعيفًا عاجزًا عن ‏إدراك الكل، وهذا هو الفرق ما بين العابد والمكابر.
لماذا كان الطواف حول الكعبة سبعًا ولم يكن خمسًا؟ لماذا كان السعي بين الصفا والمروة سبعًا؟ لماذا نطوف والكعبة على يسارنا لا على يميننا؟ لماذا نرمي الجمرات؟ ولماذا في يوم واحدٍ جمرةً واحدة، وفي الأيام الأخرى ثلاثَ جَمَرات؟ وكلَّ مرَّة سبعَ حَصَيات؟ هذه أشياء لا بدَّ أن نأخذها بالتسليم، وهكذا نتعبَّد لله 8 . فهذا سيِّدنا عمر 3 حينما قبَّل الحجر الأسود قال: إنِّي أعلم أنَّك حجر، لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ النبيَّ يُقَبِّلك ما قبَّلتك(16). فهو يتَّبع رسولَ الله ، ويُسلِّم بما جاء به، دون أن يعي العلَّة.
الحجُّ رحلة سلام:
الحجُّ يعلِّم المسلم السلام مع العالم من حوله، فالحجُّ رحلة سلام، حتَّى من الجدال، فالجدال ممنوع فيه، قال تعالى:﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ[البقرة: 197].
الرفث هو: الكلام القبيح الَّذي يتعلَّق بالنساء.
فالرفثُ والفسوق والجدال أمورٌ لا تليق بإنسان يريد أن يُقبل على الله 8 ، وأن يعود بإيمانٍ جديد، وعزمٍ جديد، ودمٍ جديد، لا ينبغي أن يضيع حجَّه في هذه الأمور، الإسلام يريد أن تكون هذه رحلة سلام وأمان ومحبة.
﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ[البقرة: 197]، فالإسلام يحرص أن يكون المسلم في الحج متسامحًا، لا يشاحن، ولا يخاصم، على كلِّ نَقِير وقِطْمير وفَلْس.
الحجُّ رحلة سلام حتَّى مع الطير والحيوان، لا يصيد الحاجُّ، ولا يُصاد له، ولا يأكل ما صيد له، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ[المائدة: 95]، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا[المائدة: 96]. ما كنتم محرمين فلا تصيدوا،﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟[المائدة: 2].
حتى الحشائش والنباتات الَّتي نبتت بلا زارع، لا تُقطع إلّا للضرورة والحاجة، قال عن مكة: «لا يُختلى خلاها، ولا يُعضَد شجرُها، ولا ينفَّر صيدها، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُها إلّا لمعرِّف»(17). هذا كلُّه يدلُّ على أنَّ رحلة الحج رحلة سلام، الإسلام يعلِّم المسلم فيها السلام، الأرض أرض سلام، والمكان مكان سلام، والزمان زمان سلام، وحالة الإحرام حالة سلام.
الحج تحقيق للمساواة:
الحج يعلِّم المسلم المساواة الكاملة مع البشر، تتحقَّق المساواة في الحج على أكمل صورة وعلى أفضل وجه، في الصلاة يتعلَّم المسلم المساواة من غير شك، خصوصًا صلاة الجماعة، ففي المسجد ليست الصفوف الأولى للوزراء، والصفُّ الثاني لوكلاء الوزراء، والصفُّ الثالث لمديري العموم، ليس هناك شيء من ذلك، المسلم الَّذي يذهب إلى المسجد قبل غيره يأخذ مكانه في الصفِّ، وقد يقف في الصفِّ وعلى يمينه أمير، وعلى يساره وزير، وبجنبه خفير، أستاذ الجامعة قد يكون عن يمينه فراش الجامعة، وعن شماله مدير الجامعة، فليس في المسجد تفاوت.
ولكنَّ المسجد فيه تفاوت من ناحية أخرى، كلُّ واحد في المسجد يتميَّز بلباسه، كلُّ واحد يلبس غير ما يلبس الآخر، هذا يلبس عمامة وجُبَّة، وآخر يلبس غترة وعقالًا، وثالث يكشف رأسه، ورابع يلبس بدلة، فالناس يختلفون في ملابسهم وهندامهم، الأزياء تميِّزهم، أمَّا في الحجِّ فيزول هذا كلُّه، فيلبس النَّاس جميعًا هذه الثياب البيضاء، الَّتي هي أشبه ما تكون بأكفان الموتى، لا تعرف الأمير من المأمور، ولا تعرف الخفير من الوزير، الكلُّ يلبس لباسًا واحدًا، يستوي فيه الناس، لذا فالحج تحقيق للمساواة في أجلى صورها، وأكمل معانيها.
الحجُّ مؤتمر عالميٌّ للمسلمين:
الحجُّ مؤتمر عالميٌّ لكلِّ مسلمي الأرض، لم تدعُ إليه حكومة من الحكومات، ولا دولة من الدول، إنَّما دعا إليه الله ربُّ العالمين، ولذلك نقول حينما نذهب إلى الحجِّ: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيْكَ. أي: إجابةً لك بعد إجابة. نذهب إلى الحجِّ في هذا المؤتمر العالمي الَّذي يضمُّ المسلمين من كلِّ بلد، ومن كلِّ صَوْب، ومن كلِّ لون، ومن كلِّ جنس، ومن كلِّ طبقة، طاعةً لله وتلبيةً لأمره.
وينبغي للمسلمين أن يستفيدوا من هذا المؤتمر العالمي، ويعقدوا بينهم اجتماعات، خصوصًا أهل الرأي، وأهل العلم، وأهل السياسة، وأهل الحكمة، تكون لهم لقاءات يتدارسون فيها أحوال المسلمين، يحاولون أن يتشاوروا ويتفاهموا، كان سيِّدنا عمر والخلفاء يدعون ولاة الأقاليم ليلتقوا بهم في موسم الحجِّ، ليتدارسوا أمورهم، ويقفوا على مشكلاتهم، ويتعاونوا على حلِّها.
الحجُّ تدريب على الخروج من العبودية للعادات:
والحجُّ كذلك يعين الإنسان على تغيير نمط حياته، وهذا من منافع الحجِّ، فمن النَّاس من لا يستطيع أن يغادر بلده، منهم من تعوَّد النوم على فراش معيَّن بطريقة معيَّنة، ولو غيَّر مكان نومه، أو غيَّر طريقة نومه يصيبه الأرق، فالحجُّ يجعله قادرًا على أن يغيِّر نمط حياته، أن يثور الإنسان على هذه المألوفات، وعلى تلك العادات، الَّتي تجعله أسيرًا لوتيرة معيَّنة من الحياة، كلُّ هذه المنافع يجدها المسلمون في موسم الحج.
الحجُّ توعية للمسلم:
كتب أحد المبشِّرين في بلاد المسلمين تقريرًا بعد أن فشلت جهود المبشرين، وما أنفقوا من أموال طائلة، مع دعم حكومات الاستعمار الغربي لهم، كتب يقول: «سيظلُّ الإسلام صخرةً عاتية، تتحطَّم عليها كلُّ محاولات التبشير، ما دام للمسلمين هذه الدعائم الأربع: القرآن، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحجِّ السنويِّ العامِّ».
المسلم يذهب إلى الحجِّ، إلى تلك البقاع المقدسة ضعيفًا أمام شياطين الإنس والجن، وأمام نفسه الأمَّارة بالسوء، فيعود أقوى ممَّا كان، يذهب ناسيًا فيعود متذكرًا، ويذهب غافلًا فيعود يقظًا متنبِّهًا.
فالحجُّ توعيةٌ للإنسان المسلم، يعود إلى وطنه بشُحنة رُوحيَّة تنفعه طَوال حياته، وزادٌ له في مسيرته في الحياة، فهذه بعض الحكم من هذه الفريضة العظيمة فريضة الحجِّ، وهي الَّتي يتضمَّنها قوله تعالى:﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ٢٧ لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَٰتٍ[الحج: 27 ـ 28].
وفَّق الله المسلمين لحسن أدائه، وأعان الأمة الإسلاميَّة على أن تنتفع جماعتها بهذا الموسم العظيم.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة