فضل الحج والعمرة

❓ فضل الحج والعمرة

📅 2026-06-13 👁 1,013 مشاهدة

نص السؤال:

نريد من فضيلتكم أن تحدِّثونا عن فضيلة الحج والعمرة.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحج من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وقد قال الله تعالى في كتابه:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: ومن استطاع الحج ولم يحج، من أعرض عن الحجِّ وكان قادرًا؛ فإنَّ الله غنيٌّ عنه، وعن طاعته، وعن عبادته، فتصوَّروا هذه الكلمة: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾؛ كأنَّ الَّذي يُعرض عن الحجِّ وهو مستطيعٌ له، قادرٌ عليه، كأنَّه ـ والعياذ بالله ـ كافر، ولهذا همَّ سيِّدنا عمر بن الخطاب 3 أن يفرض الجزية على كل من كان قادرًا مستطيعًا للحجِّ ولم يحجَّ، فقال: لقد هممتُ أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ من كان له جِدَةٌ ولم يحجَّ، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين(1).
همَّ 3 أن يفعل ذلك، ولكنَّه لم يفعله.
وقال 3 أيضًا: من مات وهو موسر ولم يحجَّ، فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا(2).
ويقول الإمام التابعيُّ الفقيه سعيد بن جبير 5 : لو كان لي جارٌ موسر، ثمَّ مات ولم يحجَّ، لم أصلِّ عليه(3).
يعني: لم يصلِّ عليه صلاة الجنازة؛ لأنَّه يرى أنَّه بهذا قصَّر في أمر عظيم من أمور الإسلام، ويخشى أن يكون مات على غير الإسلام، فالمسلم القادر المستطيع ينبغي أن يبادر إلى الحج.
والحجُّ يعدل الجهاد في سبيل الله، وخصوصًا للنساء والضعفاء، فعن عائشة أم المؤمنين # أنَّها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكُنَّ أفضلُ الجهادِ: حجٌّ مبرور»(4).
وهو من أفضل الأعمال: فعن أبي هريرة 3 قال: سئل النبي : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال «إيمانٌ بالله ورسوله». قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور»(5).
والحجيج وفْد الله، فعن عمر 3 ، عن النبيِّ قال: «الغازي في سبيل الله والحاجُّ والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»(6).
والحجُّ مطهرةٌ للإنسان يتطهَّر فيها من ذنوبه وغفلاته: فعن عبد الله بن مسعود 3 قال: قال رسول الله : «تابعوا بين الحجِّ والعمرة؛ فإنَّهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خَبَث الحديد والذهب والفضَّة، وليس للحجِّ المبرور ثوابٌ إلَّا الجنَّة»(7).
الإسلام جعل عدَّة مصافٍ للذنوب، الصلاة مصفاة يوميَّة يتصفَّى فيها الإنسان من أدران خطاياه، قال رسول الله : «أرأيتم لو أنَّ نهَرًا بباب أحدكم، يغتسل منه كلَّ يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟». قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: «فذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا»(8).
ثم يأتي يوم الجمعة في الأسبوع أيضًا، مصفاة ثانية، فيُكفِّر الله به من خطايا الأسبوع، ثمَّ رمضانُ تطهيرٌ سنويٌّ، مصفاة العام، دورة تربويَّة يأخذها الإنسان، يتدرَّب فيها على الطاعة لله، وعلى الصبر على الشهوات، والصبر على ترك المألوفات لله، كل هذا لله عز وجل، وفي الحديث الصحيح: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مُكَفِّراتُ ما بينهن، إذا اجتُنِبت الكبائر»(9).
فالصلوات ميزان اليوم، والجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان السنة، ثمَّ يأتي الحجُّ ميزانًا لعمر الإنسان.
الحجُّ المبرور:
إذا سلم لك حجُّك فقد سلم لك عمرك، ومن هنا قال النبي : «من حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسُق، رجع كيومَ ولدته أمه»(10). وُلِدَ ولادةً جديدة، عاد إنسانًا جديدًا، أُنشئ خلقًا آخر، إذا حجَّ حجًّا مبرورًا.
ويقول النبيُّ : «العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنَّة»(11).
الحجُّ المبرور: أن يحجَّ الإنسان أولًا بنيَّة خالصة لله، لا ليقال: الحاجُّ فلان. بعد أن كان اسمه أحمد يصير اسمه الحاج أحمد، يريد أن يشتري لقبًا، ويتكلَّم الناسُ عنه! لا، بل يحجّ لله عز وجل.
الشيء الثاني: أن يكون حجُّه من مال حلال، وليس من مال حرام؛ لا يكون من الربا، أو من الرشوة، أو من السرقة، أو من النهب، بل ورد في بعض الآثار: «إذا خرج الخارج حاجًّا بنفقةٍ طيِّبة، ووضع رِجْله في الغَرْز، ونادى: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيْكَ، ناداه منادٍ من السماء: لبَّيْكَ وسَعْدَيْك، زادُك حلالٌ، وراحلتك حلال، وحجُّك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغَرْز، فنادى: لبَّيْكَ. ناداه منادٍ من السماء: لا لبَّيْكَ، ولا سعديك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجُّك غير مبرور»(12).
فالإنسان عليه أن يتحرَّى الحلال، وأن يحجَّ من مالٍ حلال، أمَّا من ينهب أموال النَّاس ويقول لك: أذهب أحجُّ، وأرجع من ذنوبي كيومَ ولدتني أُمِّي! لا، الحجُّ يطهِّر الإنسان من كلِّ الذنوب، إلَّا من التبعات الَّتي للعباد عليك، أي: الحقوق الماليَّة للعباد، لو كان عليك ديون للناس، أو أكلت أموال النَّاس بالباطل، لا بدَّ أن تردَّ هذه الأموال إلى أهلها قبل أن تحجَّ، بل حقوق العباد وتبعات العباد لا يكفِّرها ما هو أكبر من الحجِّ، لا تكفرها الشهادة في سبيل الله، أعظم شيء يتمنَّاه المسلم، فقد سُئل النبيُّ : يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيل الله، تكفَّر عنِّي خطاياي؟ فقال له رسول الله : «نعم، إن قُتلتَ في سبيل الله، وأنت صابرٌ محتسب، مقبِل غير مدبر». ثمَّ قال رسول الله : «كيف قلتَ؟». قال: أرأيتَ إن قتلتُ في سبيل الله أتكفَّر عنِّي خطاياي؟ فقال رسول الله : «نعم، وأنت صابرٌ محتسِب، مقبلٌ غيرُ مدبر، إلَّا الدَّيْن، فإنَّ جبريل 0 : قال لي ذلك»(13).
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة