نصائح لمن ينوي الحج

❓ نصائح لمن ينوي الحج

📅 2026-06-13 👁 1,047 مشاهدة

نص السؤال:

نويتُ الحجَّ هذا العام، فهل من نصائح تقدِّمونها لي؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من أراد أن يحجَّ فعليه عدة أشياء قبل الحج، منها التوبة، فيطهِّر نفسه بالتوبة إلى الله قبل دخوله في هذه العبادة، ويندم على ما فرَّط في جنب الله فيما مضى، ويحاول أن يدخل إلى الحج إنسانًا جديدًا.
والتوبة إلى الله ليست كلامًا يقال باللسان، ليست أن يقول: تبتُ إلى الله، ورجعتُ إلى الله بلسانه، وقلبه مصرٌّ على المعصية، مداوم عليها، محبٌّ لها، لا، التوبة الحقة تكون بالندم والحزن على تفريطه في جنب الله، وأن يعزم ويصمِّم على أن يتدارك ما فات، ويصلح فيما هو آت، وإذا كانت عليه مظالم للعباد يحاول أن يتطهر منها، فإذا أكل حقوق بعض النَّاس يجب أن يردَّ الحقوق لأصحابها، حتَّى إن كان عليه دين، لا يجوز له أن يحجَّ إلّا إذا سدَّد دينه، أو استأذن من الدائن بعد يقينه بأنَّه يستطيع أن يسدد دينه؛ لأنَّ حقوق العباد مقدمة على حقوق الله، الحج حق الله، والدين حق العباد، فلا بدَّ أن تؤدي حق العباد قبل أن تؤدي حق الله، فليس عليه أن يحج حتَّى يسدد ديْنه، إلّا إذا كان الدين مقسَّطًا على آماد معلومة، مثل ديون شراء البيوت، مثلًا: في قطر يعطون الشخص أرضًا وقرضًا مقسَّطًا على عشرين سنة أو ثلاثين سنة، ويقتطعون من راتبه القسط المعلوم، هذا لا يمنع من أداء الحج.
والحج يطهِّر الإنسان من كلِّ الذنوب إلّا من التبعات، أي: الحقوق الماليَّة للعباد، لو عليك ديون للناس، أو أكلت أموال النَّاس بالباطل، لا بدَّ أن تردَّ هذه الأموال إلى أهلها قبل أن تحج، بل ما هو أكثر من الحج، لا تكفر حقوق العباد؛ الشهادة في سبيل الله، قال رجل للنبيِّ : يا رسول الله، أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله، تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله : «نعم، إن قتلتَ في سبيل الله، وأنت صابرٌ محتسِب، مقبلٌ غير مدبر». ثمَّ قال رسول الله : «كيف قلتَ؟». قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله : «نعم، وأنت صابرٌ محتسِب، مُقْبِلٌ غيرُ مدبر، إلّا الدَّيْن؛ فإنَّ جبريل 0 : قال لي ذلك»(1).
وكلُّ شيء من مظالم العباد تظل دَيْنًا على الإنسان، لا بدَّ أن يعيده لأصحابه، قبل أن يوفيهم إيَّاه يوم القيامة، وليس هناك درهم ولا دينار، ولا جنيه ولا دولار، وإنَّما هي الحسنات والسيئات، يأخذ خصمك من حسناتك، فإذا انتهت حسناتك وفرغ رصيدك تمامًا؛ أُخذ من سيئات من ظلمتهم فطرحت عليك، كما في الحديث الصحيح أنَّ النبيَّ قال: «أتدرون ما المُفْلِس؟». قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنَّ المفلسَ من أُمَّتي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإنْ فنِيَتْ حسناتُه قَبْل أن يقضيَ ما عليه أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحت عليه، ثمَّ طُرح في النَّار»(2).
إخلاص الحجِّ لله:
وعلى الحاجِّ كذلك أن يصحِّح نيَّته، وأن يجرِّدها لله، بحيث تكون نيَّته خالصةً لله، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ[البقرة: 196]. لا ليقال: الحاجُّ فلان. بعد أن كان اسمه أحمد صار اسمه الحاجَّ أحمد، لا يذهب لكي يشتري اسمًا أو لقبًا، ولا ليفتخر بحجِّه فيقول: حججتُ مرَّتين أو ثلاثة، أو خمسة أو سبعة، أو أكثر أو أقلَّ. بل اجعلْ حجَّك لله 8 ، واجعل عمرتك لله تعالى، تقرَّبْ إلى الله تبارك وتعالى بهذا الحجِّ وتلك العمرة.
فلا بدَّ من تجريد النيَّة لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ[البينة: 5]. والنبي يقول: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»(3). فلا بدَّ من إخلاص النيَّة لله 8 ، فلا يجعل حجَّه رياءً ولا سُمْعة، ولا لنيْل شُهرة أو كسْب لقب، أو أيِّ شيء من هذا، فهذا لن يغني عنه من الله شيئًا، وإذا كان يقصد مراءاة النَّاس، والسمعة عند النَّاس فقد أضاع حجَّه، والعياذ بالله.
ولا مانع للمسلم بجوار الحجِّ أن يشتري أو يبيع في الحجِّ، أو يتاجر في الحجِّ، لكن يجعل نيَّته الأساسيَّة الحجَّ. كان الصحابة يتحرَّجون من التجارة في الحجِّ، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. ابتغاء فضل الله بالتجارة ليس ممنوعًا، إنَّما اجعل النيَّة الأساسيَّة الحجَّ.
الحجُّ من مال حلال:
أيضًا ممَّا ينبغي أن يفعله الإنسان قبل حجِّه أن يدَّخر للحجِّ نفقة طيِّبة، بحيث يحجُّ من مال طيِّب، النبيُّ يقول: «إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلّا طيِّبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ[المؤمنون: 51]، وقال:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ[البقرة: 172]. ثمَّ ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء يقول: يا ربّ، يا ربّ. ومطعمه حرامٌ، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك(4)؟!
كيف يستجاب له وهو يعيش مغموسًا في الحرام من قرنه إلى قدمه، أكله حرام، وشرابه حرام، ولباسه حرام، وبيته مليء بالحرام، فكيف يُستجاب له؟!
يجمع الحرام، بأكل الربا، أو أكل مال اليتيم، أو أخذ الرشوة، أو نهب أموال الناس، ثمَّ يقول: أذهب أحجُّ وأرجع من ذنوبي كيومَ ولدتني أُمِّي! لا، الحجُّ بمال حرامٍ لا يطهِّر الإنسان.
فالمسلم الَّذي يريد أن يحجَّ، عليه أن يحجَّ بمالٍ حلال، لا شبهة فيه، حتَّى لا يكون كهذا الَّذي ذكر النبيُّ في حديثه.
وقد جاء في بعض الآثار: «من حجَّ بمالٍ حرامٍ، فقال: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك، قال الله : لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيك، وحجُّك مردودٌ عليك»(5).
فعلى من يريد الحجَّ أن يُطيِّب ماله، ويُطَيِّب نفقته الَّتي سينفقها في الحجِّ، ويتَّقي الشبهات: «فمن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى، يوشك أن يرتع فيه»(6).
وما أبلغ ما قال الشاعر:
إذا حججتَ بمالٍ أصلُه دَنَسٌ
فما حججتَ ولكنْ حجَّتِ العِيرُ(7)!
اختيار الرفيق الصالح:
وعلى الإنسان أيضًا إذا أراد الحجَّ أن يختار السفر مع أناس صالحين؛ فكما قيل: الرفيق قبل الطريق، وخصوصًا في هذه الرحلة العباديَّة، رحلة الطاعة، رحلة الحجِّ لله عز وجل، تختار الرفيق الصالح، الَّذي يذكِّرُك بالله منطقه، ويدلُّك على الله حاله، ويذكِّرك بالآخرة عمله. قال ابن عطاء الله السكندري: لا تصحبْ من لا يُنهضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله(8).
الوصيَّة قبل السفر:
كذلك على الإنسان أن يوصي إخوانه وأهله وأولاده بتقوى الله ويودِّعهم، يقول لهم: أنا ذاهب إلى الحجِّ، والأعمار بيد الله، ولا يعلم أحد ماذا يحدث غدًا، فأوصيكم بتقوى الله. ويودِّع أهله وإخوانه وأقاربه، ويقول لهم: أستودعكم الله الَّذي لا تضيع ودائعه. ويقولون له: نستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زوَّدك الله التقوى، وهوَّن عليك السفر.
معرفة أحكام الحج:
ومن أراد أن يحجَّ عليه أن يختار نوع النُّسُك الَّذي سيؤدِّي به حجَّه، ولذلك يَحْسُن بالإنسان قبل أن يذهب إلى الحجِّ أن يقرأ بعض الرسائل والكتيِّبات الَّتي توضِّح أمور الحجِّ، وما أكثرها! أو يحضر المحاضرات والدروس الَّتي تشرح مناسك الحجِّ، وإذا أشكل عليه شيء في أثناء الحجِّ سيجد من العلماء من يفتيه فيما أشكل عليه، فلا تخلو الأرض من قائم لله بالحُجَّة، والله تعالى يقول:﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[النحل: 43].
وعلى من نوى الحجَّ أن يترك لأهله وأولاده ما يكفيهم من نفقة وقتَ حجِّه، وأسأل الله تعالى أن يتقبَّل منَّا ومنكم صالح الأعمال.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة