التطوُّع بالحجِّ أفضل أم التصدُّق بنفقته؟

❓ التطوُّع بالحجِّ أفضل أم التصدُّق بنفقته؟

📅 2026-06-13 👁 1,017 مشاهدة

نص السؤال:

نحن مجموعة من المسلمين نعيش في بلد غربي، ونريد الحجَّ هذا العام، بعضنا حجَّ من قبل، وبعضنا لم يحجَّ، ولا شكَّ أنَّنا سنتكلف تكاليف كبيرة في الحجِّ، وأوطاننا تعاني من ضيق في الرزق، خصوصًا أهلينا وأقاربنا، فهل يجوز أن نؤخِّر أداء شعيرة الحج، ونتبرَّع بتكاليفها للأيتام والمساكين في بلدنا؟ ولعلَّ الله يكتب لنا الحجَّ في السنة القادمة إن شاء الله، نرجو أن تبيِّنوا لنا ذلك.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا من حجَّ حجَّة الإسلام، فلا شكَّ أنَّ الإنفاق على هؤلاء الأيتام والمساكين، وذوي الحاجة من المسلمين أولى من حجَّ التطوع؛ لأنَّ الإنفاق على هؤلاء فريضة، والحجّ الثاني نافلة، ولا تُقَدَّم النافلة على الفريضة، ومن القواعد الفقهيَّة المقرَّرة: أنَّ الله لا يقبل النافلة حتَّى تُؤدَّى الفريضة. ولذلك قالوا: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور(1).
فإقامة معيشة هؤلاء اليتامى والمساكين، وأبناء السبيل وذوي الحاجة، وكفالة حقوقهم فريضة إسلاميَّة، على المسلمين أن يؤدُّوها بالتكافل والتضامن فيما بينهم، أمَّا الحجُّ الثالث والرابع فنافلة، وقد قلنا مرارًا وتكرارًا: إنَّ هناك كثيرًا من المسلمين يحجُّون الحجَّة السابعة أو الثامنة أو العاشرة، وقد تكون العشرين والثلاثين والأربعين، أعرف أناسًا حجُّوا أكثر من أربعين مرَّة، وما زالوا يحجُّون.
نحن نرى من فقه الأولويَّات أنَّ ما ينفق في حجِّ التطوِّع والنافلة يصرف على هذه الحاجات الإسلاميَّة العاجلة والناجزة، الَّتي تطلب الإسعاف والنجدة والإغاثة، لو أنَّ الَّذين يحجُّون للمرَّة الثالثة أو الخامسة أو العاشرة يتبرَّعون بما ينفقونه في حجِّ النافلة وعمرة النافلة، لجاء هذا بمبالغ كبيرة، عشرات الملايين ومئات الملايين يمكن أن يوفِّرها المسلمون لأداء هذه الفرائض الاجتماعيَّة، أن نُغيث الملهوف، أن نطعم الجائعين، أن نكسو العُراة، أن نعالج المرضى، أن نكفل الأيتام، أن نُؤوي المشرَّدين، أن ندرِّب العاملين، أن نُشغِّل العاطلين!
المسلمون محتاجون في كثير من البلاد إلى مدارس ليتعلَّموا، إلى دور لإيواء المشرَّدين، وإلى دور لرعاية اليتامى، ما أحوجنا إلى أن نجمع لهؤلاء!
وقد فهم ذلك كثير من السلف، فقد روى ابن أبي شيبة بسنده، عن إبراهيم قال: كانوا يرون أنَّ الصدقة أفضلُ من أن يحُجَّ مرارًا(2).
وروى أيضًا عن حسين بن عليٍّ قال: لأنْ أَقوتَ أهلَ بيت بالمدينة صاعًا كلَّ يوم ـ أو كل يوم صاعين ـ شهرًا، أحبُّ إليَّ من حجَّة في إثر حجَّة(3).
فأقول للإخوة الَّذين يعيشون في الغرب وقد حجُّوا قبل ذلك: أن يكتفوا بما حجُّوا، ويدفعوا لهذه الحاجات الناجزة.
أمَّا من لم يحجَّ منهم حجَّة الفريضة، فعليه أن يحجَّ، فربَّما لا يتيسَّر له ذلك في المستقبل، ولكن إن كان يرى أنَّ هناك من حاجات ضروريَّة لأقاربه من مأكلٍ ضروريٍّ وكسوةٍ ضروريَّةٍ أو مسكنٍ ضروريٍّ، وأنَّهم يَهْلِكون من الجوع أو من العري، أو التشرُّد أو المرض، فيكون سدُّ حاجات هؤلاء أولى من فريضة الحج؛ لأنَّه من المعلوم شرعًا أنَّه إذا اجتمع حقُّ الله وحقُّ العبد، فحقُّ العبد مقدَّم، ومن هنا يقول الإسلام للإنسان إذا أراد أن يحجَّ الفريضة وعليه دَيْن: لا تحجَّ الفريضة، أدِّ دَيْنَك أولًا، لأنَّ الدَّيْن حقُّ العباد، والحج حقُّ الله، وحقُّ العباد مقدَّم؛ لأنَّ حقوق الله مبنيَّة على المسامحة، وحقوق العباد مبنيَّة على المشاحَّة.
من أجل ذلك نقول: إذا كان هناك ضرورة عاجلة وملحَّة، تحتاج أن تُسَدَّ، تؤجَّل حجَّة الإسلام، وهناك من العلماء من قالوا: إنَّ الحجَّ واجب على التراخي. فممكن يأخذ بهذا المذهب، وفي السنة القادمة أو الَّتي بعدها يحجُّ.
وأقول: نحن في حاجة إلى معرفة ما نسمِّيه: فقه الأولويات، لنعرف ما حقُّه التقديم وما حقُّه التأخير؛ لأنَّ من آفات فهمنا للإسلام أنَّنا نؤخِّر ما حقُّه التقديم، ونُقدِّم ما حقُّه التأخير، نُعَظِّم الهيِّن، ونهوِّن العظيم، نكبِّر الصغير، ونصغِّر الكبير، ولا نضع كلَّ مسألة في مرتبتها، وكلَّ حُكْمٍ في منزلته، والله تعالى يقول:﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ[التوبة: 19].
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة