2026-06-13
993
حكم المبيت في المزدلفة
أنا أحج كل عام، ولكن لا أبيت في المزدلفة؛ وإنَّما أقضي فيها حوالي ثلاث ساعات، فهل عليّ فدية أم لا؟
ولديَّ طفلة أصحبها معي إلى الحج كل عام، يتراوح عمرها بين 10 ـ 12 سنة وتحرم بالحج والعمرة «متمتعة»، فهل عليها فدية؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا المبيت بالمزدلفة، فقد اختلف فيه الفقهاء(1)، هل يجب أن يبيت الحاج فيها كما بات النبي ﷺ إلى الإسفار من الصبح، أم أنَّها مجرد منزل يصلِّي فيها المغرب والعشاء جمعًا كما فعل النبي ! ، ويبقى مدة قدَّرها بعضهم إلى نصف الليل، كما هو مذهب الحنابلة. وبعضهم كالمالكيَّة، قالوا إنَّها مجرد منزل، ليس عليه أن يبقى فيها إلّا بمقدار ما يصلِّي العشاء مع المغرب جمعًا، وبمقدار ما يأكل بعض الطعام، ثمَّ لا بأس أن يتابع سيره.
وأعتقد أنَّ مذهب المالكيَّة في هذا مذهب ميسَّر، وأنا أميل إلى التيسير في أمور الحج في هذه السنين، نظرًا لكثرة الحجاج والأعداد الهائلة الكبيرة الَّتي تفد سنويًّا لأداء هذه الفريضة. وإذا لم نأخذ بهذه الأقوال الميسرة شققنا على النَّاس مشقَّة شديدة، فمثلًا لا يمكن أن نقول لجميع الناس: ابقوا في مزدلفة إلى الصباح، وهم مليون ونصف أو أكثر. وقد يتضاعف العدد في السنوات القادمة. فإذا لم يرتحل النَّاس أفواجًا يتلو بعضها بعضًا منذ أول الليل إلى آخره: يكون في الأمر حرج شديد، نتيجة لهذا الازدحام. ولو أنَّ الأئمَّة الأولين شاهدوا ما نشاهد من الازدحام الشديد هذه الأيام، لقالوا مثلما نقول، فإنَّ دين الله يُسر لا عسر فيه. والنبي ! ما سُئل عن أمرٍ من أمور الحج قدِّم أو أخِّر إلّا قال: «افعل ولا حرج»(2)؛ تيسيرًا على الناس، مع أنَّ العدد الَّذي كان معه لم يكن كما في يومنا هذا، من الكثرة والازدحام.
ولهذا أرى رأي المالكيَّة في أنَّ الحاج ليس عليه أن يبقى في المزدلفة إلّا بمقدار ما يصلِّي المغرب والعشاء جمعًا، ويتناول طعامه. وخصوصًا إذا كان معه نساء أو أولاد صغار. وإذنْ لا يكون على الأخ السائل فدية.
أمَّا السؤال الآخر.. فالجواب عليه: أنَّه ما دام يحرم للبنت الَّتي يصحبها معه في الحج وعمرها ما بين 10 ـ 12 سنة، يحرم لها بالحج والعمرة، ويحدث التمتع، فعليها الفدية كما على الكبير؛ لكي يكون لها الثواب أيضًا، ويفعل عنها ما يفعل لنفسه في سائر المناسك.
وإذا كانت في هذه السن لم تبلغ، لا يسقط عنها الفرض، وإنَّما يكون لها ولأبيها ولمن حجَّ بها أجر، أمَّا حجَّة الإسلام فلا تسقط إلّا بعد البلوغ بالسنِّ، أو بالحيض بالنسبة للفتاة، وبالاحتلام بالنسبة للفتى. وقد سئل النبيُّ ﷺ ، فقالت له امرأة وعلى يدها طفل: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولكِ أجر»(3).
(1) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (2/135، 136)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1406هـ ـ 1986م، ورد المحتار على الدر المختار (2/511) وما بعدها، والمجموع للنووي (8/150 ـ 153)، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (3/99)، تحقيق زهير الشاويش، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1412هـ ـ 1991م، ومغني المحتاج (2/264)، والمغني لابن قدامة (3/437)، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي (2/497)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) سبق تخريجه صـ 43.
(3) سبق تخريجه صـ 67.