2026-06-13
1,019
صندوق خيري بديل حجِّ التطوُّع
من الأشياء الَّتي تخفِّف من الحوادث في الحج: التخفيف من أعداد حجاج التطوع. والسؤال.. أيهما أفضل: حج التطوع، أم أن ينفق هذا الراغب في حج التطوع هذا المبلغ لإطعام مسكين أو لإغاثة ملهوف، أو في مشروعات الخير والدعوة إلى الله؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يشك عالم يعرف أولويات الإسلام، ويعرف ما حقه التقديم وما حقه التأخير: أنَّ الإسلام في تكاليفه ليس على مستوى واحد، وأنَّ هناك مراتب للأعمال، وهو ما أسمِّيه «فقه الأولويات».
يقول النبي ﷺ في الحديث المتَّفق عليه: «الإيمانُ بضعٌ وسبعون شُعْبة، أعلاها لا إلٰه إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق»(1). إذن هناك أدنى وهناك أعلى، وهناك شيء في الوسط، والله تعالى يقول: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 19]. فالأشياء ليست متساوية.. نريد أن نفقِّه المسلمين هذا الفقه.
لقد رأيت من قديم ـ وأنا صبيٌّ ـ أناسًا يظلمون العُمَّال الذين يعملون عندهم، ولا يعطونهم الأجر العادل، ويظلمون المستأجرين الذين يستأجرون أرضهم وعقاراتهم، ورأيت أناسًا من قديم في قريتي فلاحين يعملون عند أحد الأثرياء، أو مستأجرين لأرضه، ومحصول الأرض تأكله الدودة، وهو لا يسامحهم في فلس واحد، ثم يأتي ليحج للمرة الثالثة أو العاشرة، أو يذهب للعمرة في رجب أو في رمضان!
إنَّ أداء حقوق هؤلاء، والرأفة بحالهم أفضل عند الله من أن تتطوع بالحج أو بالعمرة!
قال العلماء: «إنَّ الله لا يقبل النافلة حتَّى تؤدَّى الفريضة، ومن شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور»(2)، فنحن في حاجة إلى هذا الفقه، وقد جاء عن سيدنا عبد الله بن مسعود 3 أنَّه قال: في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب، يهون عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، فيهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار، يضرب في الأرض للحج، وجاره إلى جنبه مأسور لا يواسيه(3).
هذا مع أنَّ النبيَّ ! يقول: «ليس منَّا ـ وفي رواية: ليس بمؤمنٍ ـ مَنْ بات شبعانَ وجارُه إلى جنْبه جائعٌ»(4). فكيف ساغ لهذا أن يذهب للحجِّ يقطع الرمال والقفار؛ تاركًا جاره يأسره الجوع أو الفقر أو الحاجة، ولا يواسيه؟!
وجاء رجل إلى بشر بن الحارث ـ الشهير عند المتصوفة والزُهَّاد ببشر الحافي، وكان من زُهَّاد الأمة وربانيِّيها ـ جاءه رجل وقال له: يا أبا نصر، إنِّي أردت الحج وجئتك أستوصيك، فهل توصيني بشيء؟ قال له: كم أعددت من النفقة للحج؟ قال: ألفي درهم ـ وألف درهم في ذلك الوقت مبلغ طائل، فالدرهم كان قوَّة شرائية كبيرة ـ فقال له: هل تريد الحج تزهُّدًا، أو اشتياقًا إلى البيت، أم ابتغاء مرضاة الله؟ قال: والله ابتغاء مرضاة الله. قال: هل أدُلك على ما تحقِّق به مرضاة الله وأنت في بلدك ومنزلك؟ إذا دللتك على شيء من هذا تفعل؟ قال: أفعل. قال: تذهب تعطي هذا المبلغ لعشرة أنفس: فقير ترمِّم فقره، ويتيم تقضي حاجته، ومدين تقضي عنه دينه، ومُعيل تخفِّف عنه أعباء عياله... وعد له عشرة من الناس. وقال: ولو أعطيتها واحدًا تسدُّ بها حاجته فهو أفضل، أي تكفيه وتحل مشكلته بالألفي درهم هذه. فقال له: يا أبا نصر، السفر في قلبي أقوى. فقال له: إنَّ المال إذا جُمِع من وسخ التجارات والشبهات، أبت النفس إلَّا أن تقضي به وطرًا؛ فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه ألَّا يقبل إلَّا عمل المتقين(5). اهـ.
يعني أنَّ النَّفس تشتهي أن تذهب للحج لمتعتها ولذتها الخاصة، وليس لابتغاء مرضاة ربه سبحانه، مع أنَّ هناك ما هو أفضل وما هو أنفع للمسلمين. أي أنَّ هناك هوًى خفيفًا يدفع النفس إلى هذا النوع من الحج، وهو ما يخشاه المخلصون؛ أن تبطل أعمالهم وهم لا يشعرون.
وأنا أرى هذا من عدم الفقه، يعني لو أنَّ المسلم فقِه أنَّه حينما يطعم جائعًا، أو يداوي مريضًا، أو يؤوي مشرَّدًا، أو يكفل يتيمًا، أو يقضي حاجة أرملة، أو يبني مدرسة لمجموعة إسلاميَّة في آسيا أو أفريقيا، أو مسجدًا، أو يساهم في مشروع ذي بال، أو يعاون إخوانه المجاهدين في فلسطين أو كشمير، لو عرف أنَّ هذا أفضل عند الله لكان المفروض أن يشعر بالنشوة واللذة الروحيَّة: أكثر ممَّا يشعر به حين يُحرم ويطوف بالبيت، ويقول: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك!
فهذا للأسف دليلٌ قاطع على قصور فقه الأولويات؛ فلو أنَّ المسلمين فقهوا هذا لاستطعنا بالأكثريَّة الَّتي تذهب للتطوع أن نأخذ مليارات كل سنة، وهذه المليارات لو وُجدت جهة تنظمها تقول: نريد أن نعمل صندوقًا اسمه صندوق بديل الحج، من يريد ثوابًا أكثر من الحج.
فهذا بشر بن الحارث الحافي قال للرجل: لو ذهبت وأعطيتها لعشرة أنفس، أفضل من مائة حجَّة بعد حجَّة الإسلام.
فنحن نريد أن يحدث هذا الوعي في الأمة، لو أنَّ جهة جاءت تنشئ فعلًا صندوق بدائل الحج، أنَّ الذين لا يريدون أن يحجوا يقولون: والله أنا سأدفع عشرة آلاف ريال لصندوق بدائل الحج لمصالح المسلمين في العالم. وبعض الإخوة الذين يحجُّون حجًّا خمسة نجوم بـ 20 ألفًا وبـ 30 ألفًا، هذه المبالغ كلها لو دفعت لسدَّت ثغرة في حياة المسلمين، وفي حاجات المسلمين.
(1) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (9)، ومسلم (35)، كلاهما في الإيمان، عن أبي هريرة.
(2) ذكره الحافظ في فتح الباري (11/343)، تحقيق محب الدين الخطيب، نشر دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
(3) إحياء علوم الدين (3/409).
(4) رواه البخاري في الأدب المفرد (112)، وأبو يعلى (2699)، والطبراني (12/154)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (13555): رجاله ثقات. وصحَّحه الألباني في الصحيحة (149)، عن ابن عبَّاس.
(5) إحياء علوم الدين (3/409).