2026-06-13
999
من جاءها الحيض ولم تطف طواف الإفاضة
عندي سؤالان: هل يجوز للحائض أن تتناول ما يقطع الدورة الشهرية؛ حتَّى تتمكَّن من أداء مناسك الحج؟
ثم هناك سؤال آخر ارتبط بهذه القضية؛ لمن لم تطف طواف الإفاضة، وجاءتها الدورة الشهرية قبل طواف الإفاضة، وتخشى أن يسافر القوم الذين جاءت معهم؛ فما العمل في هذه الحالة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا بالنسبة لتناول المرأة بعض الحبوب الَّتي تؤخر الحيض؛ فلا حرج عليها في ذلك، إذ الأصل في الأشياء والتصرفات الإباحة ما لم يرد منع من الشرع، ولم يرد هنا، وهذا السؤال يتكرَّر أيضًا في رمضان؛ فمن النساء من تتناول بعض الحبوب لتصوم الشهر كله، وتحضر التراويح الشهر كله، فهذا لا مانع منه.
وكذلك بعض النساء يأخذن هذا في العمرة إذا اعتمرن في رمضان؛ حتَّى لا تعطِّلها الدورة عن فضائل كثيرة، وكذلك في الحج.
كل ما نقوله: أنَّه يجب ألَّا يترتب على ذلك ضرر، علماؤنا الأقدمون قالوا: للمرأة أن تأخذ شيئًا يرفع الحيض أو يؤخره، لكن نحن نقول بشرط ألَّا يكون هناك ضرر من وراء ذلك، كما قال النبي ﷺ : «لا ضررَ ولا ضرار»(1)، وينبغي ألَّا يضر الإنسان نفسه، ولا أن يضارَّ غيره، ولذلك ينبغي أن يكون ذلك باستشارة طبيب أو نحو ذلك، فلا مانع أن تأخذ المرأة الحبوب إذا ذهبت إلى الحج، حتَّى تطمئنَّ إلى أنَّها ستؤدي المناسك ولا تتأخَّر عن شيء منها.
إذا لم تفعل ذلك وجاءها هذا الحيض، فالمفروض أنَّه لو جاءها بعد أن نوت العمرة وأحرمت بالعمرة أن تنتظر حتَّى تطهر ثم تؤدي العمرة.
إن كان هناك وقت تتمتع؛ وإلَّا تُدخل العمرة في الحج وتصير قارنة، فإذا استطاعت قبل اليوم التاسع أن تعتمر فبها ونعمت، أمَّا إذا لم تستطع قبل اليوم التاسع فتجعلها قرانًا، عمرة مع حج، تقول: اللهمَّ أحرمت لك بحجٍّ وعمرة، وفي هذه الحالة يكفيها عمل أحد النسكين عن الآخر.
ولو فُرض أنَّه تأخر الحيض معها، ولم تطف طواف الإفاضة؛ وانتظرت أوَّل أيام العيد والثاني والثالث أو أكثر من ذلك، وهي مرتبطة مع الحملة، والتي لها مواعيد محدَّدة، ولا يستطيع الإنسان أن يتأخر عن المجموعة الَّتي جاء معها، ولا عن موعد الطائرة؛ فيجوز لها في هذه الحالة أن تطوف وهي حائض؛ بعد أن تتحفظ بقطنة أو نحوها ولا حرج عليها.
ومن العلماء من يقول: إنَّ عليها بَدَنة، ومنهم من يقول: إنَّ عليها شاة، لكن وقد قال الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم: إنَّه لا يجب عليها شيء؛ لأنَّها أدَّت ما استطاعت، والله تعالى يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: 16]. والنبيُّ ﷺ يقول: «إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم»(2). وهذا ما استطاعت.
ومن المعلوم أنَّ الشروط تسقط عند العجز، فالقيام في الصلاة فرض، لكن إذا لم يستطع الإنسان القيام صلَّى قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جَنْب.
والمصلِّي يجب عليه أن يتوضَّأ؛ فإذا لم يجد الماء صلَّى متيمِّمًا، وإذا لم يجد شيئًا يتيمَّم به؛ فهو فاقد الطهورين، يجوز أن يصلي بدون وضوء ولا تيمُّم.
ويجب على المصلِّي أن يستقبل القبلة، فإذا لم يستطع فالله يقول: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾[البقرة: 115]، فالشروط تسقط عند العجز، فهذا كلام طيب وينبغي أن يُفتى به في عصرنا لمن يدركها الوقت ولا تستطيع أن تتطهَّر؛ فتطوف وهي حائض، ولا حرج عليها وتستغفر الله تبارك وتعالى، والله يتقبَّل منها.
(1) رواه أحمد (2865)، وقال مخرِّجوه: حسن. وابن ماجه في الأحكام (2381)، عن ابن عباس، والدارقطني في البيوع (3/77)، عن أبي سعيد الخدري، وقال النووي في الأربعين (الحديث الثاني والثلاثون): حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ ؛ فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضًا. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه للحديث: وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنَّه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم. وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2/438): وصحَّحه إمامنا (أي الشافعي) في حرملة. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/210): وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث فقال: قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». والحديث مستنبط من آيات كثيرة في القرآن، ولذا كان مقطوعًا بمعناه.
(2) سبق تخريجه صـ 151.