2026-06-13
1,003
حكم زمزمة الكفن
هل يجوز للحاج أو المعتمر أخذ ماء زمزم، ليغسل به كفنه الَّذي يدَّخره ليكفَّن فيه، وقد جرت عادة بعض النَّاس في بعض الأقطار أن «يزمزموا» أكفانهم، تبركًا بماء زمزم؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نتحدَّث هنا عن «زمزمة الكفن» فكثير من النَّاس يصطحبون معهم أكفانهم في الحج أو العمرة ليزمزموها، وبعضهم يشتريها من الأراضي السعودية ليزمزمها هناك، فما حكم هذه الزمزمة؟
والجواب يتمثل فيما يلي:
1 ـ أنَّ هذه المسألة تدخل في العبادة، والعبادة أصلها التوقيف، حتَّى لا نُشَرِّع في الدين ما لم يأذن به الله، ولا نبتدع فيه بأهوائنا، فكل بدعة ضلالة. ولم يثبت في قرآن ولا سُنَّة طلب زمزمة الكفن، إيجابًا ولا استحبابًا.
2 ـ أنَّه لم يرد أنَّ أحدًا من الصحابة أو التابعين لهم بإحسان فعل ذلك، وهم خير قرون الأمة، والذين بهم يُقْتَدى فَيُهتدى. ولو كان هذا خيرًا ما سبقهم المتأخرون إليه.
وكلُّ خيرٍ في اتباعِ من سَلَفْ
وكلُّ شَرٍّ في ابتداعِ من خَلَفْ(1)
3 ـ أنَّ ماء زمزم إنَّما هو للشرب، لا للغسل والتنظيف، ولهذا جاء في الحديث أنَّه طعام طُعْمٍ، وشفاء سُقْم(2).
وجاء في الحديث الآخر الَّذي حسَّنه بعضهم: «ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ له»(3).
والسُّنَّة العمليَّة أثبتت أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما شربه، ولم يستخدمه في شيء آخر: من طهارة أو تنظيف، أو نحو ذلك.
4 ـ أنَّ مدار النجاة والفوز في الآخرة ليس على الأكفان ولا زمزمتها، إنَّما المدار على الإيمان والعمل الصالح: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ شَرًّۭا يَرَهُۥ﴾[الزلزلة: 7، 8].
وما أضاع المسلمين إلَّا تركهم اللباب، وتمسُّكهم بالقشور، الَّتي لا تغني عنهم من الله شيئًا، ولا تنفعهم في دين، أو ترفعهم في دنيا. وبالله التوفيق.
(1) من جوهرة التوحيد للقاني، انظر: شرح الصاوي على جوهرة التوحيد صـ 436، تحقيق د. عبد الفتاح البزم، نشر دار ابن كثير، دمشق.
(2) رواه الطيالسي (459)، والبزار (3929)، والطبراني في الصغير (295)، وصحَّح إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (1814)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5711): رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجال البزار رجال الصحيح. عن أبي ذر.
(3) رواه أحمد (14849)، وقال مخرِّجوه: حديث محتمل للتحسين. وابن ماجه في المناسك (3062)، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (2484)، عن جابر بن عبد الله. وقال ابن القيم بعد أن ذكر هذا الحديث: قد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل: راويه عن محمد بن المنكدر. وقد روينا عن عبد الله بن المبارك، أنَّه لما حج، أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر 3 ، عن نبيك ﷺ أنَّه قال: «ماء زمزم لما شرب له». وإنِّي أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذن حسن، وقد صحَّحه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة. وقد جرَّبت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنَّه ربما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوة يجامع بها أهله، ويصوم ويطوف مرارًا. زاد المعاد (4/360 ـ 361). ونقل السخاوي عن الحافظ ابن حجر أنَّه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به. انظر: المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة (567 ـ 568)، تحقيق محمد عثمان الخشت، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1405هـ ـ 1985م.