2026-06-13
1,013
الأضحية بالدجاج
أفتى بعض المشايخ هنا في تركيا بجواز التضحية بالدجاج بدل الخراف، نظرًا للأزمة الاقتصادية الخانقة الَّتي تمرُّ بها البلاد في هذه الآونة.
فهل هذه الفتوى جارية على أصول الشرع، ويمكننا العمل بها، أو هي فتوى غير مؤسسة على الأصول الشرعيَّة؟ نرجو من فضيلتكم بيان الموقف الشرعي الصحيح في ذلك؛ موثقًا بالأدلة كعهدنا بكم.
عن الشباب المسلم بإسطنبول
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأصل في الأضاحي أن تكون من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم؛ كما شرعها النبي ﷺ بسنته القولية والفعلية والتقريرية، وكما أشار إلى ذلك القرآن في الحج:﴿لِّيَشْهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ ۖ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾[الحج: 28].
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًۭا لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُواْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾[الحج: 34].
والأضاحي في العيد كالهدي في الحج، في أصول الأحكام، فما يجوز في الهدي يجوز في الأضحية، والهدي معلوم أنَّه من الإبل والبقر والغنم. الشاة من الغنم عن واحد، والبقرة والناقة عن سبعة في كلٍّ من الهدي والأضحية.
والإبل تشمل كل أنواعها من الإبل وغيرها، والبقر تشمل الجواميس بالإجماع، وكذلك الغنم تشمل الضأن والمعز معًا بإجماع الأمة.
ومن العلماء من أجاز التضحية بالحمار الوحشي، والبقرة الوحشية، والظباء.
وجمهور العلماء على أنَّ الأضحية سنة مؤكدة، إذ لا دليل على وجوبها، وقد رووا أنَّ أبا بكر وعمر ^ ، كانا يتركانها قصدًا في بعض السنوات، حتَّى لا يظنَّ النَّاسُ وجوبها(1).
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنَّها واجبة على أهل اليسار من المسلمين، ومعنى أنَّها واجبة أنَّها فوق السنة ودون الفرض. واستدل له بحديث أبي هريرة: «من كان له سَعةٌ ولم يضحِّ، فلا يقربنَّ مُصَلَّانا» روي مرفوعًا وموقوفًا، والأصحُّ الموقوف(2).
وبعض العلماء يقولون: الموقوف هنا له حكم المرفوع؛ إذ لا مجال للرأي فيه، ولكن هذا يمكن أن يُنازَع فيه.
وإذا كانت التضحية سنة، فلا إثم على من تركها حتَّى في حالة السعة، فما بالك في حال العسر والأزمة الاقتصادية؟
ففي هذه الحالة تسقط هذه السُّنَّة عن العاجز عنها، ولا لوم عليه؛ لأنَّ الفرض يسقط بالعجز عنه، فكيف بالسُّنَّة؟
وفي هذه الحالة ليس عليه أضحية على الإطلاق، ويمكن أن نعبِّر عن ذلك مجازًا؛ بأنَّ أضحيته ما قدر عليه وكان في وسعه: من دجاج أو بط أو أوز، أو أرانب أو حمام أو غير ذلك؛ ممَّا يعرفه النَّاس من الدواجن والطيور.
وقد روي أنَّ ابن عبَّاس ^ اشترى لحمًا بدرهم، وقال: هذه أضحية ابن عباس(3). أي هذا ما كان في وسعه؛ فهي أضحية مجازًا.
على أنَّ هناك مأخذًا عامًّا على الفتوى التركية، وهي تعميمها على جميع الأتراك؛ بإجازة التضحية بالدجاج لعمومهم. وهذا التعميم غير صحيح ولا مقبول، إذ في الأتراك كثيرون ـ ولا شك ـ موسرون قادرون على التضحية المشروعة المعروفة، بل منهم كثيرون من الأثرياء؛ الذين يمتلكون ثروات طائلة، فهؤلاء لا يُفتى لهم بأن يضحُّوا بالدجاج.
(1) سبق تخريجه صـ 240.
(2) رواه أحمد (8273)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن ماجه في الأضاحي (3123)، والحاكم في الأضاحي (4/231)، وصحَّح إسناده ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/3): رجاله ثقات؛ لكن اختلف في رفعه ووقفه؛ والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره. عن أبي هريرة.
(3) رواه عبد الرزاق في المناسك (8146)، والبيهقي في الضحايا (9/265).