2026-06-13
983
ذبح الأضحية خارج البلد
نتوجه إليكم، نحن القائمين على جمعية المسلمين الخيريَّة (مرحمت) في فيدرالية البوسنة والهرسك، بالسؤال التالي:
نحيطكم علمًا بأنَّ جمعيتنا المذكورة أعلاه تأسست عام 1913م. وهي كانت وما زالت بمثابة عمود فقري، وجهة معينة للمسلمين المستضعفين والفقراء، حتَّى أيامنا هذه.
كان دور الجمعية كبيرًا أيام الهجمة المعادية الأخيرة على وطننا؛ حيث قامت الجمعية بإغاثة الجماهير من المسلمين المقيمين والمهاجرين.
أثَّرت الظروف المعيشية الصعبة في تدني مستوى الحياة عند الكثيرين، والَّذي جعل بعضهم عالة يبحثون عن لقمة عيش.
نحن في الجمعية المذكورة، نقوم بواجب رعاية هذه الطبقة الفقيرة من المسلمين في البوسنة، ومن ضمن مشاريعنا فتح المطاعم الجماعية في معظم المدن الكبرى، والَّتي تقدِّم الخدمات لجمهور المحتاجين؛ الَّذين ازدادت أعدادهم نتيجة الحرب الأخيرة، ووصل عدد المستفيدين فيها إلى (8000) ثمانية آلاف شخص.
إنَّ الجمعية منذ عشر سنين تعلن قبيل عيد الأضحى فتح أبوابها لاستقبال المكلفين بهذه الشعيرة من شعائر الإسلام «ذبح الأضحية» الَّذين يسجِّلون أسماءهم في القائمة، ويدفعون قيمة الأضحية، ويقررون استلام الثلث لأهلهم والتصدق بالباقي (الثلثين) لمطاعم الجمعية حين وصولها من أستراليا، أو التصدُّق بكامل الأضحية لصالح الفقراء الَّذين يفدون يوميًّا إلى هذه المطاعم، والَّتي يقوم عملها أساسًا وعلى مدار العام على لحوم الأضاحي الَّتي تُشترى بسعر رخيص.
الجدير بالذكر أنَّ الحرب الأخيرة أثرت سلبيًّا أيضًا على توفر العدد الكافي من الأنعام، فمثلًا سعر الضأن في أستراليا أرخص من الضأن في البوسنة ثلاث مرات، من أجل ذلك قررت الجمعية أن تذبح الأضاحي هناك في أيام عيد الأضحى تحت إشراف المسلمين البوسنيين، ثمَّ تشحن اللحوم وعلى متن السفينة ترسل تلك اللحوم المجمدة إلى البوسنة وتصل إليها بعد شهرين تقريبًا.
توزِّع الجمعية جزءًا من هذه اللحوم على المدارس الإسلاميَّة، وبيوت الأيتام واللقطاء، وبيوت العجزة، والمهاجرين وغيرهم.
في حالة إيقاف عمل جمعية (مرحمت) الخيريَّة، لا سمح الله، يمكن أن يؤدِّي ذلك إلى توقف عمل المطاعم الجماعية وإطعام المحتاجين من المسلمين فيها.
نرجو من فضيلتكم التكرم بإبداء رأيكم والإجابة على السؤال التالي: هل الأنشطة المتعلقة بالأضاحي الَّتي تقوم بها جمعيتنا جائزة شرعًا؛ نظرًا إلى عدم حضور المكلَّفين من البوسنة ذبح أضاحيهم في أستراليا؟
جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فأسأل الله أن يبارك جهود الإخوة القائمين على هذه الجمعية (مرحمت) وأن يروا ثمار أعمالهم في الدنيا والآخرة.
وهذا دائمًا هو حال المسلم؛ أن يسعى بكل ما يجد من جهد لمواساة إخوانه، الَّذين قست عليهم الأيام، واشتدَّت بهم الليالي، كما هو حال إخواننا في البوسنة والهرسك. وهذا امتثال لقول الحق سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾[المائدة: 2]، ولقول النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا»(1).
والأصل في الأضحية أنَّ الله شرعها في العيد ليوسع النَّاس على أنفسهم وأقاربهم وجيرانهم، وعلى أهل الفقر والحاجة.
وقد ذكر الفقهاء أنَّه يُستحبُّ للمضحي أن يذبح بنفسه، إن قدر عليه، لأنَّه قربة إلى الله تعالى، فإن لم يكن المضحي ممَّن يحسن الذبح، فله أن ينيب غيره(2)، ولكن إذا كان كما ذكر الأخ السائل من أنَّ الأضاحي في أستراليا أرخص ثمنًا منها في البوسنة والهرسك، فلا مانع من ذبحها هناك، وإرسال لحومها، إن شاء الله تعالى، وخصوصًا إذا كان هناك من مسلمي البوسنة من يحضر بنفسه ذبح الأضاحي، ويشرف على إيصالها إلى مستحقِّيها؛ على أنَّ شهود الذبح ليس أكثر من أمر مستحب، وليس بفرض ولا واجب. فلا ضير في التنازل عنه لهذه المصلحة.
والله تعالى أعلم.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الصلاة (481)، ومسلم في البر والصلة (2585)، عن أبي موسى.
(2) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (5/79)، وشرح الزرقاني على الموطأ (3/109)، وروضة الطالبين للنووي (3/191)، والإنصاف للمرداوي (4/83).