2026-06-13
56
لا يردُّ القدرَ إلَّا الدعاء
جاء عن النبيِّ ﷺ «لا يردُّ القدرَ إلَّا الدعاء»(1)، فهل صحيح أنَّنا يمكننا أن نردَّ القدر أو سوء القضاء بكثرة الدعاء والاستغفار؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نعم؛ وهو نصُّ حديث حسن لرسول الله ﷺ ، وجاء معناه في حديث آخر صحيح: «ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلَّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن تُعجَّل له دعوته، وإمَّا أن يدَّخرها له في الآخرة، وإمَّا أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذن نكثر. قال: «الله أكثر»(2).
والدعاء سبب من الأسباب، وقدر من الأقدار، والله 4 أمرنا أن نردَّ الأقدار بعضها ببعض، نقل ابن تيمية عن الشيخ عبد القادر الجيلانيِّ أنَّه قال: «كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه رَوْزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعًا للقدر». قال شيخ الإسلام ابن تيمية معقِّبًا على كلامه: «وهذا الَّذي قاله الشيخ تكلَّم به على لسان المحمديَّة، أي أنَّ المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قُدِّرَت، فيدفع قدر الله بقدر الله، كما جاء في الحديث الَّذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبيِّ ﷺ : «إنَّ الدعاء والبلاء ليَعْتَلِجَان إلى يوم القيامة»(3). وفي الترمذي: قيل: يا رسول الله؟ أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، وتُقًى نتَّقيها، هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: «هي من قدر الله»(4)»(5).
وقال ابن القيِّم معلِّقًا على كلام الشيخ عبد القادر: «إِن ضاق ذَرْعُك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمَّل قول عمر بن الخطاب، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفرُّ من قدر الله؟ فقال: نفرُّ من قدر الله إِلى قدره(6).ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاءَ له في هذا العالم إِلا به، ولا تتم له مصلحة إِلا بموجبه؟ فإِنه إذا جاءَه قدر من الجوع والعطش أَو البرد؛ نازعه وترك الانقياد له ومسالمته، ودفع بقدَرٍ آخر من الأَكل والشرب واللباس، فقد دفع قدر الله بقدره، وهكذا إِذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله، فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإِذعان، بل ينازعه ويدافعه بالماءِ والتراب وغيره، حتَّى يطفئ قدر الله بقدر الله؟ وما خرج في ذلك عن قدر الله، وهكذا إِذا أصابه مرض بقدر الله، دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأَدوية الدافعة للمرض!»(7).
وقال الإمام ابن القيِّم أيضًا: «الفقيه كلُّ الفقيه الَّذي يردُّ القدر بالقدر، ويدفع القدرَ بالقدر، ويعارض القدر بالقدر»(8).
فربُّنا قدَّر أشياء، وقدَّر أسبابًا تدفعها، والدعاء من هذه الأسباب الَّتي تدفع البلايا، كما نقول: الرصاصة قدر، ولو لبست قميصًا واقيًا من الرصاص تكون قد دفعت الرصاص بهذا القميص. والسيف من قدر الله، فكانوا يلبسون الدرع أو المِجَنَّ أو الخوذة أو المِغفر لتحمي من السيف، يردُّ القدر بالقدر، فالمسلم يردُّ القدر بالقدر، لهذا أمرنا الله أن نأخذ الحِذْر، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾[النساء: 71]. وهل يغني حَذَرٌ من قَدَر؟ لا يغني حَذَر من قدر، ولكن يندفع القَدَرُ بالقدر.
فلا يردُّ القدرَ إلَّا الدعاء، أي أنَّ الدعاء سبب من الأسباب الَّتي قدَّرها الله تعالى لدفع القدر، حينما يريد الله ألَّا يقع هذا الأمر المقدور يوفِّقك للدعاء، فتدعو الله، فيرد عنك هذا البلاء.
فالأشياء مربوطة بأسبابها، والأسباب من قدر الله، كما أنَّ المسبَّبات من قدر الله، والنتائج من قدر الله، والمقدِّمات من قدر الله 8 ، فلا تقل: إذا كتب الله لي الشفاء فسأُشفَى. هو كتب لك الشفاء بتناول الدواء، فهو قدر مسبَّب.
(1) رواه أحمد (22413)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره. وابن ماجه في الفتن (4022)، وابن حبان في الرقائق (872)، والحاكم في الدعاء (1/493) وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، عن ثوبان.
(2) رواه أحمد (11133)، وقال مخرّجوه: إسناده جيد. وأبو يعلى (1019)، والحاكم في الدعاء (1/493)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجا للرفاعي. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (17210): رجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح، غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة. عن أبي سعيد الخدري.
(3) رواه الطبراني في الدعاء (33)، عن عائشة.
(4) رواه أحمد (15472)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف على خطأ فيه. والترمذي (2065)، وقال: حسن. وابن ماجه (3437)، كلاهما في الطب، وحسَّنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (11)، عن أبي خزامة.
(5) مجموع الفتاوى (2/458).
(6) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الطب (5729)، ومسلم في السلام (2219)، عن ابن عبَّاس.
(7) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم صـ 38، نشر الدار السلفية، القاهرة، ط 2، 1394هـ.
(8) الداء والدواء لابن القيم صـ 34، تحقيق أجمل الإصلاحي، نشر دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط 1، 1429هـ.