2026-06-13
33
ذكر الله على غير وضوء
أنا مسلم أذكر الله وأصلِّي على النبيِّ ﷺ في كل وقت حتَّى في الليل، هل يجوز هذا بدون وضوء، أم لا بدَّ من الوضوء؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الذكر مطلوب من المسلم على كلِّ حال، قد أُمِرَ المسلمون أن يذكروا الله ذكرًا كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْرًۭا كَثِيرًۭا ٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41 ـ 42]. وأثنى الله على أولي الألباب من عباده بأنَّهم: ﴿يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]. وقالت عائشة # : كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه(1). وكان دائم الذكر لله 8 ، قال ﷺ : «إنَّه ليُغانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في كلِّ يومٍ مائة مرة»(2). وقال ابن عمر: إن كُنَّا لنعُدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: «ربِّ اغفرْ لي وتبْ عليَّ، إنَّك أنت التواب الرحيم»(3).
وقد ذمَّ الله المنافقين بأنَّهم: ﴿يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾[النساء: 142]. أي أنَّهم قد يذكرون الله، ولكن على قلَّة ونُدرة، أمَّا المؤمن فيذكر الله ذكرًا كثيرًا.
والذكر أنواع: تسبيح وتهليل، وتحميد وتكبير، واستغفار ودعاء، وصلاة على النبيِّ ﷺ ، والأذكار المختلفة في اليوم والليلة، وقراءة القرآن، كلُّ هذا داخل في الذِّكْر.
أمَّا سؤال السائل: هل يشترط في هذا الذكر والدعاء والاستغفار ونحوه أن يكون الإنسان على طهارة؟!
فأقول وبالله التوفيق: لا يشترط ذلك، فيجوز للإنسان أن يذكر الله على غير وضوء، بل يجوز له أن يذكر الله على جنابة، وقد اختلفوا في قراءة القرآن وهو جُنُب. قال النووي رحمه الله تعالي: «أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدِث، والأفضل أنَّه يتطهَّر لها، قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: ولا نقول قراءة المُحْدِث مكروهة، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقرأ مع الحدث»(4). وقال الشَّوْكاني: «فإذا كان الحدث الأصغر لا يمنعه عن قراءة القرآن وهو أفضل الذكر: كان جواز ما عداه من الأذكار بطريق الأولى»(5).
أمَّا قراءة القرآن، فهي الَّتي يشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر، لحديث عليٍّ 3 أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يَحْجُبه ـ وربَّما قال: لا يَحْجِزه ـ من القرآن شيءٌ ليس الجنابة(6).
وعن أُمِّنا ميمونة # أنَّها قالت: كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها، فيقرأ القرآن وهي حائض(7). وقالت السيدة عائشة # : «كان يتكئ في حجري وأنا حائض، ثمَّ يقرأ القرآن»(8).
وإن كان الإمام البخاري وبعض الأئمَّة أجازوا حتَّى للجنب أن يقرأ القرآن، إذا كان من غير مصحف، أو من غير مسِّ المصحف.
أمَّا الذِّكر، فقد أجازوا للإنسان أن يذكر الله في حال الجنابة، وكذا للمرأة الحائض؛ لأنَّه ليس من المعقول أن يحرمها الإسلام من ذكر الله مدَّة حيضها، الَّتي قد تزيد على عشرة أيام، ويعني هذا أنَّها تحرم أن تُسمِّي الله عندما تأكل، وأن تقول: الحمد لله، عندما تشبع، وأن تقول: باسمك ربِّي وضعتُ جنبي، عندما تنام، وأن تقول: الحمد لله الَّذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، عندما تستيقظ.
المسلم مطلوب منه أذكار كثيرة في مناسبات شتَّى، ليظل موصول القلب بالله 4 ، ورطب اللسان بذكره، فهذا مطلوب من المسلم والمسلمة في كلِّ حال، فليس من الشرط أن يكون على طهارة، لا الطهارة الصغرى، ولا الطهارة الكبرى، وإن كان من المستحبِّ أن يكون الإنسان على طهارة وهو يذكر الله 4 ، ليكون هذا أكثر لثوابه، وأعظم لأجره، لكن هناك فرق بين الاستحباب وبين الإيجاب والإلزام، لا نقول هذا لازم، ولا واجب، ولا شرط للذِّكْر المطلوب من المسلم.
(1) رواه مسلم في الحيض (373)، والبخاري في الأذان معلَّقًا قبل الحديث (634).
(2) رواه مسلم في الذكر والدعاء (2702)، وأحمد (18291)، عن الأغر المزني.
(3) رواه أحمد (4726)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأبو داود في الصلاة (1516)، والترمذي في الدعوات (3434) وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه في الأدب (3814).
(4) المجموع (2/69).
(5) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني (1/266) تحقيق عصام الدين الصبابطي، نشر دار الحديث، القاهرة، ط 1، 1413هـ ـ 1993م.
(6) رواه أحمد (639)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده حسن. وأبو داود (229)، والترمذي (146) وقال: حسن صحيح. والنَّسائي (265)، وابن ماجه (594)، جميعهم في الطهارة.
(7) رواه أحمد (26810)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره. والنَّسائي في الطهارة (273)، وأبو يعلى (7081).
(8) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (297)، ومسلم (301)، كلاهما في الحيض.